تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

دولة تونسية جديدة في الأفق

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


ما وراء الفرح التونسي بالانتخابات وأبعد من أشواق العرب إلى تقليدهم؛ تطرح الحالة التونسية أسئلة كثيرة عن العلاقة بين المواطن (الناخب) والسياسي. هناك متغير جديد عن أشكال الانتظام وسبل التواصل، فما جرى في تونس مختلف عن معتاد تحول إلى قاعدة حتى ظُن أنه القاعدة الوحيدة المتاحة والممكنة. يمكن دفع فكرة جديدة إلى مدى أبعد مما ظهر حتى الآن، انتهى حنين المواطن إلى الزعيم وانتهى المواطن العضو في الأسرة الحزبية، وهناك انكسار الرابط العاطفي مع الزعيم الأب ومع الحزب الأسرة، وحلول علاقة مؤقتة ذات طبيعة محدودة بإنجاز مهام في فترة محددة، بناءً على عقد عمل محدود المدة ومحدد بأهداف يفوض بمقتضاه المواطن شخصًا سياسيًا لإنجاز مهمة محددة ثم يتم استبداله.

العلاقة بين المواطن والسياسي تتحول إلى حركة ذات طبيعة محددة تشبه الاستعانة بعامل بناء لإجراء إصلاحات مقابل أجر، وسيكون هذا هو الوجه الجديد للتعاقد السياسي، وقد دشنه التونسيون دون كراسات نظرية وربما تحول فعلهم إلى كراسة مسالك لإنجاز التحولات الكبرى عبر تفتيتها إلى مهام محدودة تتراكم عبر الزمن السياسي والاجتماعي للمجتمعات.

تحرر المواطن من يتمه للزعيم الأب

في انتخابات تونس 2019 قدم سياسيون أنفسهم بصور مختلفة، فأكد الشباب على معنى الأخوة وأكد الكبار على معنى الأبوة، ولكن الشعب اختار الشخص الذي لم يظهر عاطفة جياشة وتحدث كخبير في إدارة الدولة، ورغم أنه ظهر بوجه أقرب إلى العبوس وتكلم بصوت إذاعي ولم يبتسم، فإنه حظي بالقبول حتى الآن (نكتب بين الدورين) واحتمال فوزه بالرئاسة أكبر من منافسه الذي يشتغل على تجييش العواطف ويبكي.

كأنني سمعت المواطن التونسي يقول للسياسي (كل سياسي) لست يتيمًا ولا أحتاج أن أبكي على كتفك وأمنحك مسرحًا لتمثيل دور الأب أو الأخ، قم بواجبك الذي نتفق عليه وأنا أراقب مدى إتقانك للعمل وأحكم، وقد أُنهي التعاقد وأقطع الأجر. إنه فعل سياسي لكنه يشبه علاقة استخدام مخالفة تمامًا لعلاقة التبعية التي عاشتها الأجيال السابقة.

نتحدث هنا عن أجيال وعن انقلاب في تصور العلاقة مع الحاكم (السياسي عامة)، فهناك انقلاب جيلي ظهر في انتخابات تونس 2019، ويمكن التوسع في قراءته إلى حد القول بموت الزعيم الملهم والأب الروحي والشيخ ممثلاً خاصة في الزعيم بورقيبة، فكانت حملة بعض المنتمين إلى البورقيبية تقابل بحملات تصفير في الشارع وقرب تمثاله وتحظى أكثر بالتجاهل وظهر ذلك في نسب التصويت.

الجيل التونسي الجديد قال لآبائه تنحوا ونحوا زعيمكم سنحكم برئيس مختلف وسنعامله بعقد أهداف، وفي هامش هذا نلمح أن أحد الذين لم يستبقوا هذا الوعي هو حزب النهضة الإسلامي (رغم ما فيه من شباب يافع) قال الشباب للحزب من خارجه لا نحتاج شيخكم المعمم الفصيح رغم جمال جبته التونسية.

انتخابات 2019 في تونس أسقطت البورقيبية (الزعاماتية) إلى الأبد وفتحت باب تغيير سياسي، بل فرضت تفكيرًا من خارج منوال الزعامة مقترحة منوال تعاقد جديد (الرئيس الموظف عند شعبه).

تحرر المواطن من الأسرة الحزبية الحنون

لم تسقط انتخابات 2019 شيوخ السياسة وآباء الشعب الروحيين، بل أسقطت فكرة الانتظام الحزبي التقليدية أيضًا، فيمكن لشخص فرد أن يفوز دون استعمال ماكينة حزبية، فسبل التواصل الجديدة قدمت حلاً تقنيًا للفعل السياسي الجديد (التواصل الفردي والجماعي عبر الإنترنت وبالمجان تقريبًا). قيس سعيد في مواجهة مورو حالة دالة، الماكينة الحزبية القوية مقابل الاتصال الفردي الحر، ينطق الأمر كذلك على حالة سعيد في مواجهة الزبيدي والشاهد.

في حالة النهضة الأخوة الدينية ليست ضمانة لتصويت سياسي، وفي حالة الزبيدي التحشيد الجهوي (ما قبل الديمقراطية) ليست كفيلة بالتجميع. بل أكثر من ذلك المال الوفير لم يعد يضمن النجاح، فقد أنفقت حملات حزبية أموالاً كثيرة (يعلم الله مصدرها) ذهبت هدرًا ولم تضمن الفوز، بل فاز حتى الآن الرجل الفقير بحملة متطوعين لم يثبت أحد أنهم مرتزقة حملات ممن ينشط بمقابل في المواسم السياسية.

الأسرة السياسة بشكلها الحزبي الكلاسيكي إلى زوال، لذلك قد نشهد مراجعات عميقة للأبنية الحزبية الكلاسيكية كما ورثناها عن تقاليد الديمقراطية التمثيلية من القرن 19، ولا شك أن أشكال الانتظام الجديدة ستكون سائلة وغير منضبطة لأشخاص وزعامات ثابتة أو متحركة بما ينهي وجود الزعامة أصلاً، ويصير كل انتظام مؤقت ومرتبط بمهام، تمامًا مثل إدارة الدولة ومؤسساتها.

هل هي علوم الإدارة الحديثة التي تطورت في الشركات الكبرى (تيوتا وفوفو وسيمنس وغيرها) تنتقل إلى أساليب إدارة الشأن السياسي العام، يبدو ذلك من خلال تجربة تونس.

قتل هيجل

إذا كانت الديمقراطية التمثيلية قد قتلت الزعيم الأبدي في أوروبا وتأخرت عند العرب لأسباب نعرفها، فإن الأفق الذي دشنه التونسيون هو ديمقراطية تمثيلية تتجاوز الرئيس الأبدي كما الزعيم الحزبي المقدس في ذات الوقت بما يجعلها تجربة مؤسسة في العلوم السياسية.

يمكن القول إن إدارة الشأن العام تخرج من تصور الدولة الأب إلى الدولة الإدارة بضمان حرية الأفراد في الفعل وهذه صورة تهدم الدولة المقدسة المتعالية نائبة الله على الأرض (في مرحلة محددة/النهضة الأوربية) قتلت الدولة الإله وتصل الآن إلى مرحلة احتضارها للتحول إلى جهاز مبسط مهمته الأولى ضمان الحريات الفردية وضمان العيش المشترك دون أي قدسية موهومة.

هل ندفع المجاز إلى أقصاه فنقول: لقد قتل التونسيون هيجل بهواتف نقالة لم يخترعوها ولكنهم استفادوا من قدرتها على تغيير فكر العالم حتى إنهم لم يقرأوا هيجل.

كان جيلي من المتعلمين يضرب المثل بعسر هضم فلسفة هيجل في مسألة الدولة، فكنا نقول هذا الأمر المقرر أعسر من هيجل، وكنا نسقط في دروس الفلسفة إذا اختبرنا فيه، أدرك هذا الجيل جيلًا آخر من أبنائه يسأله هل كنت مضطرًا لقراءته ؟ ثم يضرب زر (الكنصلة) فإذا هيجل ذكرى وإذا دولة سائلة في الأفق.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإنتخابات، الإنتخابات التشريعية، الإنتخابات الرئاسية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 26-09-2019   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
صفاء العربي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. أحمد محمد سليمان، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - محمد سعد أبو العزم، علي الكاش، عزيز العرباوي، د. محمد مورو ، رافد العزاوي، إيمى الأشقر، د- محمود علي عريقات، المولدي الفرجاني، علي عبد العال، د.ليلى بيومي ، د. عبد الآله المالكي، إياد محمود حسين ، حسن الحسن، حسن الطرابلسي، يحيي البوليني، د- هاني ابوالفتوح، سلام الشماع، يزيد بن الحسين، تونسي، محمد الطرابلسي، حسني إبراهيم عبد العظيم، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، خالد الجاف ، سامر أبو رمان ، ابتسام سعد، رافع القارصي، الشهيد سيد قطب، محرر "بوابتي"، كمال حبيب، محمد عمر غرس الله، طلال قسومي، وائل بنجدو، سلوى المغربي، محمود سلطان، كريم فارق، محمد شمام ، أحمد ملحم، العادل السمعلي، د. الحسيني إسماعيل ، الهادي المثلوثي، محمد اسعد بيوض التميمي، د - محمد بن موسى الشريف ، عبد الله الفقير، فتحي العابد، عصام كرم الطوخى ، إيمان القدوسي، فوزي مسعود ، د. نهى قاطرجي ، مصطفي زهران، فاطمة حافظ ، خبَّاب بن مروان الحمد، د - غالب الفريجات، حمدى شفيق ، د - المنجي الكعبي، جاسم الرصيف، محمد تاج الدين الطيبي، فراس جعفر ابورمان، عبد الله زيدان، د - شاكر الحوكي ، فتحي الزغل، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صلاح المختار، د. جعفر شيخ إدريس ، د. محمد عمارة ، كريم السليتي، أحمد النعيمي، جمال عرفة، أ.د. مصطفى رجب، د- محمد رحال، فاطمة عبد الرءوف، أحمد بوادي، ماهر عدنان قنديل، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. طارق عبد الحليم، صالح النعامي ، عواطف منصور، د - مصطفى فهمي، د. أحمد بشير، معتز الجعبري، منى محروس، شيرين حامد فهمي ، نادية سعد، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، فتحـي قاره بيبـان، سامح لطف الله، عدنان المنصر، محمد الياسين، حسن عثمان، أنس الشابي، صفاء العراقي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، سحر الصيدلي، حميدة الطيلوش، محمد العيادي، سعود السبعاني، عبد الغني مزوز، مجدى داود، د - الضاوي خوالدية، محمود صافي ، د. محمد يحيى ، سيدة محمود محمد، د- جابر قميحة، رأفت صلاح الدين، د- هاني السباعي، د.محمد فتحي عبد العال، د - مضاوي الرشيد، سفيان عبد الكافي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فهمي شراب، د. نانسي أبو الفتوح، رمضان حينوني، مراد قميزة، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمد إبراهيم مبروك، ياسين أحمد، محمود طرشوبي، د. خالد الطراولي ، د - محمد بنيعيش، هناء سلامة، الناصر الرقيق، مصطفى منيغ، د. مصطفى يوسف اللداوي، منجي باكير، محمود فاروق سيد شعبان، د. ضرغام عبد الله الدباغ، حاتم الصولي، بسمة منصور، عراق المطيري، رضا الدبّابي، أشرف إبراهيم حجاج، أحمد الحباسي، د. الشاهد البوشيخي، محمد أحمد عزوز، أحمد الغريب، أبو سمية، د - صالح المازقي، د - محمد عباس المصرى، د - احمد عبدالحميد غراب، د. صلاح عودة الله ، عمر غازي، صباح الموسوي ، سيد السباعي، سوسن مسعود، عبد الرزاق قيراط ، رشيد السيد أحمد، الهيثم زعفان، إسراء أبو رمان، صلاح الحريري،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة