تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

ابن جني والمتنبي: تآلف العبقريتين

كاتب المقال أحمد البان   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


يعرف المهتمون بالأدب أنه كانت هناك آصرة ود قوية بين أبي الفتح عثمان بن جني أبرز علماء اللغة في القرن الرابع الهجري وبين أبي الطيب المتنبي أشهر شعراء العربية المعاصر له، وهي علاقة مشهورة جدا، وقد نقلها كل من ترجم للرجلين من أصحاب الطبقات، ولعل أصرح ذلك قول الثعالبي في اليتيمة، يعني ابن جني: “صحب المتنبي دهرا طويلا”.

ورغم شهرة تلك العلاقة بين الرجلين إلا أن قليلين كلفوا أنفسهم عناء البحث فيما وراء تلك العلاقة من دوافع موضوعية وذاتية، فما الذي يجمع شاعرا يتنقل بين البلاطات وعالما منقطعا لدروسه ومباحثه، وقد عنَّ لي بعد روية أن هناك سببان ربما يكونان الخيط الذي نظم تلك الشخصيتين فائتلفتا تلك الألفة القوية.

أ-تآلف العبقريتين

فقد كان الرجلان عبقريي زمانهما، وجد كل منهما في الآخر نُشْدته، كان ابن جني يبحث عن شاعر يفتق اللغة فوجده في المتنبي، وكان المتنبي يبحث عن عالم واسع العطن يؤطر أبنيته وتراكيبه الغريبة في متن اللغة الفصيحة فوجده في ابن جني.

ب- الخروج على السائد ونبذ التقليد.

فكلا الرجلين كان يبحث عن جديد يبدعه. لم يتبع ابن جني في آرائه اللغوية أيًّا من المدرستين السائدتين؛ الكوفة والبصرة، بل اختط لنفسه -مع آخرين- مذهبا سماه شوقي ضيف في أخريات الدهر بـ”مذهب البغداديين”، ولم يكن المتنبي آخذا نفسه بما درج عليه الشعراء قبله من سنن في التعبير والتركيب بل كان مذهبه قريحتَه،

تلك العبقرية المتقدمة على زمانها وتلك الروح الثورية الطُّلَعة للتجديد مما يمكن أن يعتبر من أسرار الألفة وقوة العلاقة بين الرجلين اللذين لا يردان نفس المنهل في ظاهر الأمر.

ولم تكن ثقة ابن جني في المتنبي مقتصرة على الشعر واللغة بل تجاوزت ذلك إلى توثيق روايته وتزكية خلقه، فقد منحه درجة (الصدق)، وليس ذلك بالشيء القليل من عالم ثقة رزين مثل أبي الفتح يعيش ذلك القرن الذي استوى فيه الإسناد وعلم الرجال على سوقه، ويدرك خطر التوثيق في النقل وما يترتب عليه، وقد نقل هو نفسه عن المتنبي أشياء من كلام الأعراب واحتج به في بعض مقارباته اللغوية، قال: “حدثني المتنبي شاعرنا -وما عرفته إلا صادقًا-“.

ويظهر أن ابن جني كان حريصا على إقناع علماء الصرف والنحو بأن المتنبي يصدر عن علم مكين فيما يعتسفه من اللغة ، وقد كانت بينه وبينهم جفوة سبَبُها ما يرتكبه في شعره من زيغ إعرابي وخروج على قواعد الاشتقاق الصرفي المعتادة، وقد كان أبو علي الفارسي أحد هؤلاء الذين يجفون المتنبي لذلك السبب ولما في زيه وحاله من كبرياء، وكان ابن جني غير راض بأن يكون شيخه جافيا لصديقه الذي يكبره.

وقد روى البديعي في الصبح المنبي قصة طريف تذكر سعي ابن جني لإقناع شيخه أبي علي بالمتنبي، قال:

“كان أبو علي الفارسي إذ ذاك بشيراز وكان ممر المتنبي إلى دار عضد الدولة على دار أبي علي الفارسي، وكان إذا مر به أبو الطيب يستثقله على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء، وكان لابن جنى هوى في أبي الطيب، كثير الإعجاب بشعره، لا يبالي بأحد يذمه أو يحط منه. وكان يسوءه إطناب أبي علي قي ذمه، واتفق أن قال أبو علي يومًا اذكروا لنا بيتًا من الشعر نبحث فيه، فبدأ ابن جني وأنشد:

حُلْتِ دون المزار فاليوم لو زرتِ**لحال النحولُ دون العِناق

فاستحسنه أبو علي، واستعاده، وقال:

لمن هذا البيت؟ فإنه غريب المعنى، فقال ابن جنى: للذي يقول:

أزورهم وسوادُ الليل يشفعُ لي***وانثنى وبياضُ الصبح يُغرى بي

فقال والله هذا حسن بديع جدًا، فلمن هما؟ قال للذي يقول:

أمضى إرادتهِ فسوف له قدٌ***واستقرب الأقصى فثَم له هُنا

فكثر إعجاب أبي علي، واستغرب معناه، وقال لمن هذا؟ فقال ابن جني: للذي يقول:

ووضع الندى في موضع السيف بالعلا***مضرُّ كوضع السيف في موضع الندى

فقال وهذا والله، وقد أطلت يا أبا الفتح، فأخبرنا من القائل؟ قال هو الذي لا يزال الشيخ يستثقله، ويستقبح زيه وفعله، وما علينا من القشور إذا استقام اللب؟

قال أبو علي: أظنك تعني المتنبي؟ قلت نعم.

قال والله لقد حببته إلي”[1].

وقد أثمرت هذه الخطة وتوطدت العلاقة بين أبي علي الفارسي والمتنبي بعد ذلك وكان ينزل عنده أحيانا، وقد منح أبو علي الفارسي المتنبي شرف إدراج شعره في تذكرته التي لا يكتب فيها إلا مختاراته ومنتقياته، والأبيات هي قول المتنبي:

سأطلبُ حقي بالقنا ومشايخ***كأنهمُ من طُول ما التثموا مُردُ

ثقال إذا لاقوا خِفافٍ إذا دُعوا***كثير إذا شَدُّوا قليل إذا عُدُّوا”

وقد قال الربعي بعدما سرد قصة كتابة البيتين في التذكرة: “فهما مثبتان في التذكرة بخطي، قال: وهذا من فعل الشيخ أبي علي الفارسي عظيم، قال الربعي: وكان قصد أبي علي الفارسي نفعه لا التأدب والتكثّر، وأيّا قصد فهو كثير”[2].

وقد كان ابن جني أحد أبرز رواد حلقة أبي حمزة البصري التي كانت صالونا أدبيا بمفهومه المعاصر خاصا بشعر المتنبي، صالونا أقامته الطبقة الوسطى من المثقفين في بغداد لما جاء المتنبي قادما من مصر وأساءت الأوساط الرسمية في بغداد استقباله، وفيها أملى الشاعر آخر نسخة منقحة من ديوانه إذ كانت وفاته بعد ذلك بسنين معدودة.

وحين توفي المتنبي كان صاحبه أبو الفتح حريصا على أن يوفيه حق الصحبة بعد موته، فوقف مدافعا عنه في وجه الحملة الشرسة التي كان خصوم المتنبي يقودنها، وكان ابن جني أول من شرح ديوان صديقه في كتابين أحدهما: “الفسر الكبير” والثاني: “الفسر الصغير، وقد ترك الفسران أثرا بالغا في الشروح التي جاءت بعدهما، فلم يستطع أحد من شراح ديوان المتنبي تجاوز ما كتبه أبو الفتح ابن جني عنه.

تلك إطلالة موجزة عن العلاقة بين اثنين من عباقرة القرن الرابع الهجري ألفت بينهما العبقرية وإن باعدت بينهما مجالات الاشتغال ومسارات الحياة، فقد كان أبو الفتح عالما يأنس بالتنقيب عن حل العويصات وبنشر العلم والمعرفة، بينما كان المتنبي شاعرا يجد أنسه في ضجيج موائد البلاطات ومواكب الأمراء.

---------
[1] ـ الصبح المنبي عن حيثية المتنبي 161
[2] ـ بغية الطلب في أخبار حلب 2/671


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

ابن جني، المتنبي، البلاغة، اللغة العربية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 3-07-2019   المصدر: إسلام أو لاين

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
أحمد النعيمي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، عزيز العرباوي، د. محمد عمارة ، فوزي مسعود ، د. عبد الآله المالكي، العادل السمعلي، منجي باكير، د- هاني ابوالفتوح، سوسن مسعود، محمد تاج الدين الطيبي، د - المنجي الكعبي، رحاب اسعد بيوض التميمي، سحر الصيدلي، د - غالب الفريجات، محمد اسعد بيوض التميمي، د.محمد فتحي عبد العال، ابتسام سعد، حسن الطرابلسي، نادية سعد، جاسم الرصيف، صفاء العربي، د. نانسي أبو الفتوح، جمال عرفة، د- محمد رحال، الهادي المثلوثي، حميدة الطيلوش، سيد السباعي، علي الكاش، إياد محمود حسين ، عراق المطيري، د- جابر قميحة، أبو سمية، د - أبو يعرب المرزوقي، يحيي البوليني، عواطف منصور، محمد الطرابلسي، د - محمد بنيعيش، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - محمد عباس المصرى، ماهر عدنان قنديل، سفيان عبد الكافي، د - محمد سعد أبو العزم، د - مصطفى فهمي، تونسي، د. جعفر شيخ إدريس ، أحمد الغريب، محمود طرشوبي، حسن الحسن، خبَّاب بن مروان الحمد، ياسين أحمد، محمود صافي ، أحمد ملحم، مصطفى منيغ، محمد عمر غرس الله، عبد الرزاق قيراط ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، رأفت صلاح الدين، د - صالح المازقي، صفاء العراقي، مصطفي زهران، كريم فارق، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. الشاهد البوشيخي، د. نهى قاطرجي ، شيرين حامد فهمي ، د. محمد مورو ، صلاح الحريري، سيدة محمود محمد، د. خالد الطراولي ، عدنان المنصر، رشيد السيد أحمد، إسراء أبو رمان، د. الحسيني إسماعيل ، منى محروس، د - شاكر الحوكي ، أنس الشابي، أحمد الحباسي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمود فاروق سيد شعبان، رافع القارصي، وائل بنجدو، حسن عثمان، صباح الموسوي ، عبد الله زيدان، إيمى الأشقر، صالح النعامي ، بسمة منصور، يزيد بن الحسين، سامح لطف الله، أحمد بوادي، محمد شمام ، محمد أحمد عزوز، سلام الشماع، فتحي العابد، محمد الياسين، عبد الله الفقير، د- محمود علي عريقات، د. طارق عبد الحليم، خالد الجاف ، رافد العزاوي، محرر "بوابتي"، فاطمة عبد الرءوف، فاطمة حافظ ، عصام كرم الطوخى ، محمد إبراهيم مبروك، فتحـي قاره بيبـان، سامر أبو رمان ، حمدى شفيق ، الهيثم زعفان، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد العيادي، د. مصطفى يوسف اللداوي، طلال قسومي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عبد الغني مزوز، مراد قميزة، مجدى داود، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سلوى المغربي، د - محمد بن موسى الشريف ، فراس جعفر ابورمان، د - احمد عبدالحميد غراب، عمر غازي، د. محمد يحيى ، رمضان حينوني، المولدي الفرجاني، صلاح المختار، علي عبد العال، محمود سلطان، د - مضاوي الرشيد، رضا الدبّابي، سعود السبعاني، الشهيد سيد قطب، أ.د. مصطفى رجب، الناصر الرقيق، حسني إبراهيم عبد العظيم، إيمان القدوسي، د. صلاح عودة الله ، د - الضاوي خوالدية، د.ليلى بيومي ، كريم السليتي، د. أحمد بشير، د- هاني السباعي، أشرف إبراهيم حجاج، فتحي الزغل، معتز الجعبري، هناء سلامة، حاتم الصولي، فهمي شراب، د. أحمد محمد سليمان، كمال حبيب،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة