تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

"البيان رقم واحد"و الحداثيون التونسيون

كاتب المقال نور الدين العويديدي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


عمليات تعبئة وتجييش واسعة في صفحات التواصل الاجتماعي ضد "الخوانجية" (حركة النهضة)، تحاول استنساخ ما كان يحدث في تونس سنوات 2012 و2013 و2014.. حملات تتزامن مع محاولات للملمة صفوف مبعثرة، لا تتجمع حتى تتبعثر من جديد، في محاولة لا تكل لإعادة التاريخ للوراء، لكن الوقائع لا تتكرر، ولا التاريخ يعيد نفسه إلا كمهزلة..

دعوات كثيرة لتوحيد ما يسمى العائلة "الديمقراطية" التونسية.. عائلة تتعايش ديمقراطيتها مع الانقلابات العسكرية، ومستعدة للعمل مع أعتى الطغاة، ولا تحب التداول السلمي على السلطة، كما لا تحب الانتخابات، إلا تلك التي تفوز فيها هي دون سواها بكرسي الحكم، بغض النظر عن رأي الناخب واختياره الحر.

"مثقفون" و"فنانون" بعضهم معروفون وأكثرهم مغمورون، ينسبون أنفسهم للعائلة "الديمقراطية"، يوقعون "البيان رقم واحد"، كأنما يتمنون أن يستفيقوا صباحا على أنغام موسيقى عسكرية تعلن انقلابا عسكريا؛ يريح "الديمقراطيين" من الديمقراطية التي لم تناسبهم، وهزموا فيها مرة بعد أخرى حين وضعوا أنفسهم أمام اختبار الصندوق.. ورئيس يحاول لملمة حزب تشظى، وأحزاب صغرى تنشأ لمجرد أن تكون أداة لدى بعض المطرودين من أحزابهم ليعودوا إليها من موقع أقوى، بعد أن عرفوا قدر أحزابهم التي لا حضور لها بين الناس، وإن كان لأكثرها ألسنة حداد طوال تلعلع في الإذاعات والقنوات التلفزية على الدوام، ولا تجد لها من أثر في المجتمع ولا في حياة الناس، إلا كجفاء زبد تذهب به الريح في يوم عاصف.

أزمة نخبة

الثورات الناجحة في التاريخ هي تلك التي حكمتها أحزاب قوية، أو تمكنت فيها أحزاب مختلفة من إقامة وفاقات سياسية تقضي بأن يتعايش المختلفون دون صراع مفتوح يأكل الأخضر واليابس، وأن تتعاون القوى المختلفة على مواجهة آثار ما قبل الثورة من فساد ورداءة وفقر. ورغم الهزات الكثيرة، نجحت الثورة التونسية في إيجاد الائتلافات السياسية الضرورية للحفاظ على حد أدنى من الاستقرار السياسي والأمني.. حتى الآن على الأقل.

لكن نخب البلاد رفضت التوافقات السياسية على الدوام، ونجحت في تشويه التوافق وتقديمه للناس باعتباره لعنة.. "الثوريون" يرون التوافق لعنة لأنه أعاد المنظومة القديمة للحياة، وكأن الثورة نجحت في القضاء عليها وجاء من يتطوع لإعادتها للحياة. و"الديمقراطيون" يرونه لعنة من زاوية نظر أخرى؛ لأنه سمح للإسلاميين أن يكون لهم مكان تحت الشمس.. وكأن قدر الإسلاميين أن يكونوا إما في السجون، أو المنافي، أو شهداء تحت التعذيب.

المشكلة الحقيقية في تونس مشكلة نخبة اعتادت العيش تحت ظلال الحاكم "الحداثي" الدكتاتور الفاسد، تأكل من مائدته، ويوزع عليها المغانم (مادية واعتبارية) بطريقة تسمح باستمرار الحداثة المغشوشة والديكور الديمقراطي، والمعارضة الكارتونية التي قبلت لعقود بالعيش على فتات الموائد.

لكن الحاكم "الحداثي" المافيوزي هرب فجأة بعد أن قامت عليه ثورة أخرجت الآلاف من السجون، وأعادت آلافا آخرين من مهاجرهم الاضطرارية، وأتاحت فرصا متساوية للجميع أن يتنافسوا على كسب ود الشعب ورضاه.. هنا وجدت النخب التي اعتادت الاستظلال بظل الحاكم "الحداثي" الفاسد نفسها في العراء، وفي منافسة غير متكافئة، فهي قد عودت نفسها على أن تكون مجرد هامش على المتن الدكتاتوري؛ الذي جعل منها جزء من شرعيته لا منافسا قويا قادرا على مخاطبة الشعب والتعبير عن أشواقه.

لملمة الأشلاء المتناثرة

هزمت أحزاب اليسار وأحزاب "الحداثة" في الانتخابات مرة بعد مرة، ولم يعد أمامها من سبيل سوى إفساد العملية الديمقراطية.. حاولت من قبل ركوب موجة المنظومة القديمة.. تحالفت معها في سنوات حكم الترويكا، بعد انتخابات 2011، ونجح اليساريون في أبرز أهدافهم: إسقاط حكم الإسلاميين، والتوغل داخل حزب المنظومة القديمة: نداء تونس، حتى صار منهم أمين عام للحزب وأبرز قياداته كانت من اليسار. لكن المنظومة القديمة لم تكن ترغب في أن تهدي الحكم ومغانمه لليسار.. لقد اعتادت على أن يكون اليسار مجرد تابع يدور في فلكها ويحتمي بظلالها، رعبا من خصوصمه الإسلاميين، أو مخلبا لديها تخمش به وجه ذلك الخصم العنيد.

تمكنت المنظومة القديمة عبر حزبها وتحالفه مع اليسار من العودة إلى الحكم، وتمكن هذا الحزب من السيطرة على كل المناصب الحساسة في الدولة: رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة البرلمان.. ولكن بسبب من رغبة الرئيس الأب في توريث الحزب لابنه، بدأت جرثومة الانحلال والتفكك تصيب الحزب.. ومع الزمن فعلت فيه فعلها حتى صار شتاتا ومجرد أشلاء، ويُستعاد اليوم خطاب المواجهة مع الإسلاميين، الذين هزموا الحزب أخيرا في الانتخابات البلدية، لإعادة لملمة أشلاء هذا الحزب.. لكن الانقسامات فيه باتت غير قابلة للحل.

قبل أيام قليلة عاد القيادي اليساري المعروف رضا بلحاج مجددا إلى حزب نداء تونس.. ترك الأمانة العامة للحزب الذي أسسه (تونس أولا) بعد خروجه مطرودا من النداء، قبل نحو سنتين، دون أن يخبر شركاءه في الحزب بنيته تركهم.. ويحاول البعض استعادة وجوه يسارية أخرى لقيادة النداء.. لكن يبدو أن محاولة إعادة المجد القديم تبدو مثل مهزلة..

لقد تشكل النداء في أجواء لم تعد موجودة.. كان تعبيرا عن الخوف من حكم الإسلاميين أكثر من أي شيء آخر.. قدم الحزب الناشئ ساعتها وعودا خُلّبا للتونسيين سحرتهم.. أوهمهم حزب النداء بأنهم سيعيشون معه تونس الجنة.. بفضل الدعاية القوية المضللة سيطر الحزب على مناصب الحكم الرئيسية، وبأنه بعد أربعة أعوام من الحكم عجزه عن تحقيق أي شيء.. وجاءت الانتخابات البلدية الأخيرة وخسر الحزب خسارة مدوية.. لقد بدا أن أثر السحر قد طار.. وأن لملمة الصفوف لم تعد ممكنة لأن الظروف لم تعد تواتيها.. لقد أدرك الناس حجم الخديعة.

أزمة حكم

عجز عن الإنجاز وهزيمة انتخابية قاسية وانقسام حاد لحزب الحكم.. كان الانقسام حتى وقت قريب يجري في الأطراف، لذلك كان شأنا حزبيا لا يكاد يعني سوى المنخرطين فيه.. لكنه اليوم بات يؤثر على البلد تأثيرا مباشرا.. لقد بلغ انقسام الحزب مبلغا خلق أزمة سياسية في البلاد، وجعل أجهزة الحكم مقسمة بين رئيس منحاز لابنه، يرى في إقالة رئيس الحكومة الطريق الوحيد لإيصال الإرث سالما إلى نجله.. ورئيس حكومة يرغب في أن يستولي على الحزب باعتباره من قياداته.. ويرى أن ذلك هو السبيل الوحيد المتاح أمامه حتى يبقى في منصبه.

انقسام الحكم لا تبدو معالجته اليوم سهلة.. لقد انقسمت كتل البرلمان، صاحب القرار الأخير في بقاء رئيس الحكومة أو رحيله، بين مجموعات تؤيد رئيس الجمهورية وأخرى تؤيد رئيس الحكومة.. وهذا ما يجعل الأزمة مرشحة لأن تطول أكثر.. ويخشى البعض من أن تعالج أزمة الحكم خارج الأساليب السياسية والدستورية.. يخشون من أن تستخدم الأسلحة الوسخة لتحقيق ذلك.. يخشون من الفوضى ومن عودة الإرهاب.

---------
وقع التصرف في العنوان الاصلي للمقال
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، حركة نداء تونس، الباجي قائد السبسي، يوسف الشاهد،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 26-07-2018   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
فراس جعفر ابورمان، أشرف إبراهيم حجاج، د - محمد بن موسى الشريف ، طلال قسومي، محمود صافي ، رضا الدبّابي، عواطف منصور، أحمد النعيمي، د. محمد مورو ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - احمد عبدالحميد غراب، فهمي شراب، محمد إبراهيم مبروك، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. عادل محمد عايش الأسطل، سفيان عبد الكافي، يزيد بن الحسين، رافع القارصي، د. نهى قاطرجي ، فوزي مسعود ، د - أبو يعرب المرزوقي، فتحي العابد، إسراء أبو رمان، سامح لطف الله، محمد اسعد بيوض التميمي، مجدى داود، أحمد بن عبد المحسن العساف ، سوسن مسعود، شيرين حامد فهمي ، عبد الله الفقير، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، فتحـي قاره بيبـان، صلاح الحريري، د- هاني ابوالفتوح، د. نانسي أبو الفتوح، د - محمد عباس المصرى، الهادي المثلوثي، د- محمد رحال، الناصر الرقيق، علي عبد العال، إيمان القدوسي، محمد أحمد عزوز، هناء سلامة، د. الحسيني إسماعيل ، د - غالب الفريجات، د- هاني السباعي، د - شاكر الحوكي ، رحاب اسعد بيوض التميمي، سامر أبو رمان ، د. محمد يحيى ، فتحي الزغل، د. محمد عمارة ، محمد الطرابلسي، محمود فاروق سيد شعبان، محمد العيادي، محمد عمر غرس الله، د.ليلى بيومي ، العادل السمعلي، د. طارق عبد الحليم، إياد محمود حسين ، إيمى الأشقر، علي الكاش، د - المنجي الكعبي، د - مصطفى فهمي، منجي باكير، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. خالد الطراولي ، عمر غازي، ابتسام سعد، د. صلاح عودة الله ، رمضان حينوني، محمد تاج الدين الطيبي، رشيد السيد أحمد، د. جعفر شيخ إدريس ، حاتم الصولي، صالح النعامي ، فاطمة حافظ ، أحمد ملحم، مصطفى منيغ، رأفت صلاح الدين، د. أحمد بشير، د. أحمد محمد سليمان، أحمد بوادي، حسن الحسن، سلوى المغربي، عدنان المنصر، حمدى شفيق ، سعود السبعاني، حسن الطرابلسي، حسني إبراهيم عبد العظيم، ماهر عدنان قنديل، محرر "بوابتي"، سلام الشماع، د - الضاوي خوالدية، مصطفي زهران، فاطمة عبد الرءوف، عبد الله زيدان، عبد الغني مزوز، أبو سمية، يحيي البوليني، عزيز العرباوي، سيد السباعي، د. الشاهد البوشيخي، أحمد الحباسي، أحمد الغريب، محمود طرشوبي، محمد شمام ، الهيثم زعفان، صفاء العراقي، د - صالح المازقي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، ياسين أحمد، بسمة منصور، خبَّاب بن مروان الحمد، وائل بنجدو، محمود سلطان، كريم فارق، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، رافد العزاوي، محمد الياسين، د.محمد فتحي عبد العال، عصام كرم الطوخى ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، عراق المطيري، خالد الجاف ، د - محمد بنيعيش، سيدة محمود محمد، د. عبد الآله المالكي، كريم السليتي، د- جابر قميحة، جمال عرفة، نادية سعد، د - محمد سعد أبو العزم، معتز الجعبري، صفاء العربي، د . قذلة بنت محمد القحطاني، مراد قميزة، حسن عثمان، تونسي، د- محمود علي عريقات، أ.د. مصطفى رجب، صلاح المختار، د - مضاوي الرشيد، المولدي الفرجاني، كمال حبيب، الشهيد سيد قطب، جاسم الرصيف، صباح الموسوي ، حميدة الطيلوش، أنس الشابي، عبد الرزاق قيراط ، سحر الصيدلي، منى محروس،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة