تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الإمارات والانقلاب الفاشل الآخر في تونس

كاتب المقال محمد هنيد - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


مع إقالة مدير العلاقات الخارجية بوزارة الداخلية التونسية تكون كل الأدلة قد اكتملت لتؤكد أن انقلابا كان يطبخ في تونس وخارجها من أجل إيقاف المسار الديمقراطي والدفع بالبلاد نحو التقاتل والحرب الأهلية. فشل الانقلاب الأمني الذي كان يدار من داخل كواليس الغرف الخليجية المغلقة كالعادة بعد فشل منظومة الأحزاب والمنصات الإعلامية التي دعمتها الإمارات بسخاء خلال السنوات الماضية في تحقيق أهدافها.


في جزيرة جربة بجنوب تونس اجتمع وزير الداخلية التونسي برئيس المخابرات الإماراتية كما يذكر تقرير فرنسي ووضعا اللمسات الأخيرة للإطاحة بحكومة يوسف الشاهد وعزل رئيس الجمهورية ووضع كل الطيف المعارض في السجون. قبل ذلك كانت لزيارة وزير الداخلية التونسي للسعودية حيث التقى بملكها وبقيادات أمنية يرجح أنها مكنته من الضوء الأخضر لعملية الانقلاب خاصة أنه على خلاف البروتكول عاد إلى تونس في طائرة ملكية خاصة لا عبر الخطوط التونسية كما جرت عليه الأعراف. لكن معلومات وصلت إلى القيادات التونسية عبر الأجهزة الألمانية والجزائرية حول الخطة فسارع رئيس الوزراء إلى عزل وزير الداخلية والقيادات الأمنية المتورطة في الخطة وهو ما أجهض انقلابا آخر على التجربة التونسية الفتية من قبل محور الاستبداد العربي.


هذه المحاولة الانقلابية تصنف في خانة الجرائم البشعة لا ضد الأشخاص بل ضد الدول والشعوب وضد السلم الأهلي والسلم الدولي فهي بكل الصفات تدخل إجرامي في شأن خارجي وفي سيادة دولة عضو بالأمم المتحدة. لكن لا شك أن وراء الأكمة ما وراءها خاصة أن الدول المعادية لثورات الشعوب وأحلامها والمتشبثة حد الموت بكراسيها وعروشها مستعدة لكل الجرائم من أجل أن تبقي الجماهير داخل حظيرة الطاعة تنوء بفقرها وبسلب سيادتها وبيع أوطانها.


عدوان الإمارات لم يقتصر على ثورات ربيع الشعوب بل تجاوزها إلى ضرب خطوط إمداد الثورات وتهديد استقرار كل الدول التي وقفت إلى جانب الجماهير الثائرة ورفضت الانقلاب عليها مثل الانقلاب الفاشل ضد تركيا والانقلاب الأفشل ضد قطر. في مصر مولت الإمارات الانقلاب الدامي على الرئيس المنتخب ديمقراطيا وولغت في المجازر التي ارتكبها في حق شعبه وخاصة في مجزرة رابعة الرهيبة وهي المسؤولة عن كل الحملات الأمنية البشعة التي تمت في حق المدنيين والتي زجت بالآلاف منهم في السجون والمعتقلات والمنافي. في ليبيا وفي اليمن لاتزال الإمارات تدفع بالسلاح والعتاد لتدمير البلاد وللتمكين لكل مغامر من أجل أن يصل إلى الحكم ويصادر حرية شعبه كما يفعل الانقلابي حفتر ضد الثورة الليبية.


أما تونس فمشكلة أخرى كبيرة لأسباب عديدة تجعل من معركتها معركة تحد وعناد لكل أنياب الثورات المضادة ومخالبها. تونس هي مهد الربيع العربي وشرارته الأولى التي أوقدت النار في مزارع الحطب الجاف العربية وهي بهذه الرمزية والقدرة على الفعل صارت هدفا رمزيا لكل المنظومة الاستبدادية والقمعية العربية.


إن ذبح الربيع العربي في تونس يمثل أسمى وأغلى مطامح عصابات الثورة المضادة لأنه يجهز على مهد الثورات ونقطة انطلاقها. هذا الهدف يستمد قيمته من ثلاثة أسباب رئيسية:


أولها إلحاق التجربة التونسية الوليدة بمنوالات الفشل الأخرى في ليبيا ومصر وسوريا واليمن حتى يكتمل النصاب وتستوي النظرية الاستبدادية العربية التي توهم العرب والمسلمين بأن الاستبداد قدرهم وأن الديمقراطية والحرية وهم وسراب كبيران. هذا الهدف هو الركيزة الأساسية التي تتأسس عليها فرضية تأبيد الاستبداد والقمع والتسليم بأن العرب والمسلمين شعوب همجية لا يُحكمون إلا بالحديد والنار وأحذية العسكر.


بناء عليه فإن نجاح التجربة التونسية في إرساء نظام عادل ديمقراطي وتعددي يمثل صفعة كبيرة للمشروع الاستبدادي الذي تمثل دول الخليج رأس الحربة فيه وخاصة دولة الإمارات. وهو نظام قائم على منع الأحزاب السياسية والاستفراد بالحكم ورفض كل تشكيل برلماني قد يمكّن الشعب من المساهمة في صناعة القرار أو في صياغته بل ويقوم على تبديد الثروة ومنع قيام نهضة حقيقية ومحاربة كل التجارب الناجحة كما هو الحال مع تركيا أو مع قطر.


آخر الأسباب إنما يتمثل في تعبيد الطريق أمام الصفقات المرعبة التي يعتزم محور الاستبداد العربي إبرامها على حساب القضية الفلسطينية وخاصة صفقة القرن والتفريط في القدس وردم الحق الفلسطيني إلى الأبد. فالربيع العربي جدد أحلام الجماهير في الحرية والتحرر وأعاد الحياة لأم القضايا العربية وأهمها حيث جلب إلى الواجهة دور الجماهير في مقارعة الاستبداد بما هو أول حصون الاحتلال. لا يمكن إذن تمرير المشاريع الاستعمارية الجديدة دون إغلاق ملف الثورات العربية.


ليس العداء للإسلاميين ولحركة النهضة التونسية هو سبب دعم الانقلابات ولا هو سبب الانقلاب الدامي في مصر بل إن السبب الحقيقي هو منع الشعوب من التحرر ومن الخروج من أغلال القمع والوصاية ومصادرة إرادة الفرد والمجموعة. إن العدو الحقيقي لقوى الثورة المضادة هي الحرية بما تتضمنه من انعتاق للإنسان العربي المسلم ومدخل لبناء الإنسان السوي القادر على النهوض وعلى بناء مجده ومجد أمته.


لن تجدي الانقلابات نفعا ولن تذهب الأموال التي دفعت فيها إلا أدراج الرياح ولن تعود على أصحابها إلا بالخزي والعار لأن الحرية شرط وجود الإنسان وشرط إنسانيته. ثورات الربيع هي الموجة الأولى لرياح تغيير عاتية لن تترك مستبدا عربيا واحدا مهما حاول المجرمون دفنها أو تأجيلها.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، لطفي إبراهم، الإنقلاب،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 16-06-2018   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
العادل السمعلي، الشهيد سيد قطب، حسن الحسن، د - محمد سعد أبو العزم، سوسن مسعود، د. عبد الآله المالكي، محمود سلطان، طلال قسومي، حسن عثمان، سلوى المغربي، محمود صافي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، فتحـي قاره بيبـان، سامح لطف الله، إياد محمود حسين ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، منجي باكير، د. الحسيني إسماعيل ، ماهر عدنان قنديل، أحمد بوادي، د - مصطفى فهمي، كريم فارق، د - احمد عبدالحميد غراب، حميدة الطيلوش، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. جعفر شيخ إدريس ، مصطفي زهران، خالد الجاف ، مصطفى منيغ، فتحي الزغل، د - محمد عباس المصرى، د- هاني ابوالفتوح، هناء سلامة، مراد قميزة، محمد الياسين، علي الكاش، محمد الطرابلسي، إيمان القدوسي، محمود فاروق سيد شعبان، د- هاني السباعي، وائل بنجدو، محمد شمام ، د.ليلى بيومي ، فاطمة عبد الرءوف، صفاء العراقي، كمال حبيب، عواطف منصور، إسراء أبو رمان، د- محمد رحال، أشرف إبراهيم حجاج، عزيز العرباوي، رضا الدبّابي، صفاء العربي، د- محمود علي عريقات، الناصر الرقيق، سيد السباعي، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد تاج الدين الطيبي، أحمد الغريب، د. نانسي أبو الفتوح، خبَّاب بن مروان الحمد، د - أبو يعرب المرزوقي، د. طارق عبد الحليم، رشيد السيد أحمد، سيدة محمود محمد، عدنان المنصر، د. خالد الطراولي ، سعود السبعاني، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمد أحمد عزوز، د - مضاوي الرشيد، د. كاظم عبد الحسين عباس ، أحمد ملحم، سحر الصيدلي، رحاب اسعد بيوض التميمي، الهادي المثلوثي، مجدى داود، عبد الله زيدان، صالح النعامي ، حاتم الصولي، محمد إبراهيم مبروك، ياسين أحمد، د. أحمد محمد سليمان، محمد اسعد بيوض التميمي، حسن الطرابلسي، رأفت صلاح الدين، معتز الجعبري، عبد الرزاق قيراط ، د. محمد عمارة ، فراس جعفر ابورمان، حسني إبراهيم عبد العظيم، سامر أبو رمان ، د. صلاح عودة الله ، رافع القارصي، سفيان عبد الكافي، فاطمة حافظ ، د. عادل محمد عايش الأسطل، أ.د. مصطفى رجب، د.محمد فتحي عبد العال، د. نهى قاطرجي ، أنس الشابي، أحمد النعيمي، عبد الله الفقير، د - شاكر الحوكي ، عبد الغني مزوز، الهيثم زعفان، منى محروس، إيمى الأشقر، علي عبد العال، صلاح الحريري، جمال عرفة، كريم السليتي، د. الشاهد البوشيخي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سلام الشماع، حمدى شفيق ، صلاح المختار، نادية سعد، محرر "بوابتي"، د - محمد بنيعيش، محمود طرشوبي، د - محمد بن موسى الشريف ، محمد العيادي، يزيد بن الحسين، د - المنجي الكعبي، أحمد الحباسي، عمر غازي، يحيي البوليني، المولدي الفرجاني، محمد عمر غرس الله، صباح الموسوي ، د - غالب الفريجات، د. محمد مورو ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، بسمة منصور، عصام كرم الطوخى ، د - الضاوي خوالدية، د- جابر قميحة، د. محمد يحيى ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عراق المطيري، فهمي شراب، شيرين حامد فهمي ، أبو سمية، رمضان حينوني، تونسي، فتحي العابد، رافد العزاوي، ابتسام سعد، د. أحمد بشير، جاسم الرصيف، د - صالح المازقي، فوزي مسعود ،
أحدث الردود
انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة