تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

لنكتب الخيبة: المثقف القواد

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


نكتب الخيبة بعد أن عسر الفرح. لقد بذلنا جهد المجتهد؛ راضين بالحد الأدنى من كل شيء وقلنا عسى ربك أن يجعل من بعد عسرا يسرا. لم نكفر بإرادة الله، ولكن إرادة أهل السياسة غلّقت دوننا الأبواب وقالت "لأقتلنك". وما أجرمنا إلا أنّا عقدنا الأمل في من لم يربِّ الأمل ولم يتربَّ عليه.

في سنوات القراءة قبل أن نصاب بعمش الشيخوخة المبكرة ويلتهمنا الافتراضي؛ كنت أحد الذين يطرح أسئلة عن تيار النواح الأسود المسيطر على كتابات أدبية كثيرة وعلى القاموس السياسي المهزوم الذي تروّج له النخب في الشرق خاصة (والنخب في الأعم الأغلب من اليسار الثقافي، فالأدب حرام عند الإسلاميين).

وكنت أحد الذين لم يصبروا على كم الحزن في روايات حيدر حيدر - مثلا - التي كلما قرأت منها أصابني الإحباط، وكان سؤالي: لماذا يكتب المثقف العربي كل هذه الخيبة وها قد جاءتني الإجابة تسعى؟ فالمثقف كما توهمته في دروسي خلاّق أحلام يكتبها ويصدقها ويعيش بها على أمل أن تحقق ليخلق منها أحلاما أخرى، لكن عندما واتتنا فرصة الحلم مرة أخرى وقلنا وداعا لكتابات الحزن السوداء؛ اُنِتُهِب الأمل في التغيير ولم نظفر من بلدنا إلا بخيبة أخرى، وكان النهابة طغمة المثقفين قبل غيرهم والذين خرجوا من النواح إلى النهب كالكلاب العاوية، ووضعوا أنفسهم في خدمة الأحذية العسكرية التي تمارس السياسة كأنما خلقت السياسة في بلداننا العربية لتحطم آمالنا. إنها تبدع في ذلك، وها نحن نرتد إلى الخيبة ونقول كنواحات المآتم: لعل في الرثاء تخفيف الألم.

السلطة متهم ثان

كانت الكتابات الأدبية والعلموية، وهي كتابات يسارية في مجملها لما بعد هزيمة 67، تتهم السلطة دوما، وكان مدار نقدها مسلط على الأنظمة السياسية المجرمة في حق شعوبها والعميلة للاستعمار والإمبريالية والصهيونية، وكانت قواميسها نفسها تدور حول النكبة والهزيمة والتقهقر، بينما تغفل جانبا خيانات المثقفين أنفسهم وتواطؤهم مع الأنظمة ضد شعوبهم، وسعيهم إلى المكاسب الشخصية.. لم تهتم هذه النصوص على اختلافها بمقدار سهولة ترضية المثقفين بالغنائم القليلة. لقد كان كثير مما يكتب استدرار لعطف السلطة ولفت انتباهها وعرض الخدمة عليها، فيبدأ الكاتب حزينا على الأمة لينتهي زلما لنظام غاشم. الآن وجب أن نكتب خيبتنا من النخبة المثقفة أكثر مما نكتب عن خيبتنا من الأنظمة العائدة بعد ثورات شعبية. الأنظمة توشك أن تكون بريئة ثمة مثقف قواد سعى إليها ولا يمكنها أن تقنعه بأن يكون شريفا.

المثقف القواد سرق الثورة ثانية. وليته غنم لحسابه الشخصي فقد كرر خدمة الأنظمة، وانتهى حيث انتهى الآن السيد قنديل وما أبعد اسمه عن فعله. كل المثقف العربي عبد الحليم قنديل، ولا تختلف إلا الأسماء الشكلية من تونس إلى مصر إلى سوريا. هذا المثقف هو مصدر النواح القديم وهو الذي فقد أسباب النواح بالثورة فاستعاده بالخيانة.

شرشبيل والسنافر

منذ رسم صاحب السنافر سنافره واخترع شرشبيل، وشرشبيل يجري وراء السنافر ليعد حساءه المفضل حساء السنافر.. كل صباح يقوم اليسار العربي ليعد حساءه من لحم الخوانجية، والخوانجية يجرون هربا من شرشبيل. في كل حلقة تحدث معجزة ينجو السنافر ويستعيد شرشبيل برنامجه حساء السنافر.. خمسون عاما والسنافر يهربون، وشرشبيل يجري والديمقراطية مؤجلة والأنظمة متربعة على رقاب الخلق وترسم خريطتها ليهتدي شرشبيل إلى مساكن السنافر ونحن خلق الله ننتظر أن تنتهي المعركة.. لنبدأ بناء الديمقراطية ويبدو أن حساء السنافر مهمة أزلية فأي دور لشرشبيل إذا قبض على السنافر وأعد الحساء.

شرشبيل هو المثقف الخائن، والسنافر خونة آخرون يفضلون الهرب على خوض المعركة حتى النهاية مع شرشبيل لحسم النزاع.. ما دامت هذه المعركة مستمرة، فإن الأنظمة ستجد لها دورا، وسيجد مثقفون كثر دورا في رسم الخريطة للأنظمة لكي تهتدي إلى قرية السنافر.

نحن الضحايا

نحن ضحايا ولا نجد مهربا إلا في النواح الثقافي. نحن ننوح لأننا عجزنا دون فض النزاع بين شرشبيل والسنافر، ولدينا وعي كاف بأن معركتهم ليست معركتنا، بل هي معركة تضيعنا فنيا وسياسيا. إن أحد أهم مصادر خيبتنا هو هذا الصراع اليساري الإسلامي الذي يمنع المثقفين الملتزمين بالتغيير من النجاة من المعركة المزيفة لبدء معركة ضد التخلف الحقيقي الذي يكبل شعوبا تعرف ما تريد، وتنتظر قيادة ثقافية مستنيرة تحملها إلى بر الأمان الثقافي والإبداعي حيث تنطلق عملية بناء بدائل جذرية خارج الصراع: كفر ضد إيمان أو تقدمية ضد رجعية.

شروط هذا الصراع المزيف هو الذي جعل مثقفي اليسار في تونس يقفون مع مفردات/ مكونات النظام المنهار لينقذوه من انهياره؛ فيستعيد بقدرتهم قدرته على البقاء في السلطة، وهو نفس الصراع الذي جعل اليسار المصري بشقيه القومي واليساري يقف مع العسكر ليحررهم من الإخوان، لكن النتيجة عودة النظام القديم بكل مكوناته وأساليبه، بما في ذلك منع كل عملية إبداعية خارج النواح الثقافي المهزوم.

الثورات فرصة فرح

في الخيال الحالم لمثقف مؤمن بالثورة، الحلم يبدأ مع الثورة وينمو بها، ويبدع بها حتى يصير كل نص ثورة. في ظل صراع السنافر وشرشبيل الذي تتمتع الأنظمة بحسائه؛ ضعنا وكتبنا الرثاء، ونوشك أن نستأنف النصوص الجنائزية لما بعد هزيمة 67. اليسار العربي ينتج الهزيمة والرثاء، والإسلاميون الهاربون من الفن هروبهم من الشيطان يستمتعون بوضع الضحية الذي يحب من ينوح عليه قبل موته، ونحن بينهم ننتج حزننا على الأوطان التي ضاعت والثورات التي غدرت والأحلام الكبيرة التي أجلناها حتى تضع الثورة أوزارها ونبدأ الكتابة السعيدة للأجيال، فنربيهم على الفرح الغامر في الأوطان السعيدة.

ليس لنا مطالب شخصية غير فرح أبنائنا وسعادتهم في أوطانهم. لم نطلب غنائم، طلبنا طبقة سياسية منتصرة للتغيير العميق لبناء أوطان أخرى غير التي أورثنا إياها الاستعمار الغاشم. لم تفلح طبقتنا السياسة في الخروج من أزماتها، فارتدت بنا إلى جنائز الأمل. نحن الآن في جنازة الألم العربي الكبير الذي يدفن فرصة تغيير عبقرية فجّرتها الشعوب "الغبية"، فالتقف المثقفون الحزانى مسيرتها وحرفوها إلى بيت العزاء الأبدي الذي يحبون العيش فيه؛ في انتظار أن يأتي السنافر على شرشبيل فتصفو الغابة منه أو يأتي شرشبيل على السنافر فيطبخ حساءه العبقري.

لن يموت السنافر ولن يفرح شرشبيل ولا قطه هرهور، نحن فقط من يحزن والأنظمة فقط من يغنم، والغابة في الصورة جميلة لكنها في الواقع تشكو حزنها وبثها إلى الله، فهي لم تعد صالحة للعيش المشترك إلا أن يكون جنازة، وما أكثر جنائز الأمل في الغابة العربية التي تضم رفاتنا ونحن أحياء بعد. ليرحمنا الله فليس أمامنا إلا قصيدة أبي البقاء الرندي: لنبك أوطانا لم نحافظ عليها مثل الرجال؛ ولنكتب الخيبة.

---------
وقع تحوير جزئي للعنوان
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، بقايا فرنسا،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 3-10-2017   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
حاتم الصولي، د. أحمد محمد سليمان، أنس الشابي، العادل السمعلي، حسن عثمان، منجي باكير، وائل بنجدو، د - مصطفى فهمي، محمود صافي ، إياد محمود حسين ، المولدي الفرجاني، رمضان حينوني، فاطمة عبد الرءوف، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، عزيز العرباوي، مجدى داود، محرر "بوابتي"، طلال قسومي، يحيي البوليني، د- جابر قميحة، محمد شمام ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عبد الله الفقير، أحمد بوادي، كريم فارق، أحمد الغريب، محمد إبراهيم مبروك، محمود فاروق سيد شعبان، سوسن مسعود، خالد الجاف ، إيمى الأشقر، الهادي المثلوثي، د. نهى قاطرجي ، سامح لطف الله، سيد السباعي، الناصر الرقيق، د- هاني ابوالفتوح، محمد أحمد عزوز، د. محمد يحيى ، حميدة الطيلوش، أبو سمية، د - مضاوي الرشيد، رافع القارصي، سلوى المغربي، د. صلاح عودة الله ، عصام كرم الطوخى ، صلاح المختار، محمد العيادي، د - صالح المازقي، د. خالد الطراولي ، فاطمة حافظ ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عبد الله زيدان، شيرين حامد فهمي ، علي الكاش، محمد الياسين، إيمان القدوسي، مصطفى منيغ، هناء سلامة، عواطف منصور، محمد الطرابلسي، سحر الصيدلي، د. الحسيني إسماعيل ، كريم السليتي، د. نانسي أبو الفتوح، فوزي مسعود ، عبد الرزاق قيراط ، سعود السبعاني، تونسي، حسن الطرابلسي، د. الشاهد البوشيخي، نادية سعد، د - محمد بن موسى الشريف ، عراق المطيري، محمود طرشوبي، ياسين أحمد، فهمي شراب، إسراء أبو رمان، د. محمد مورو ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حسن الحسن، د.محمد فتحي عبد العال، رأفت صلاح الدين، د. عادل محمد عايش الأسطل، د - محمد بنيعيش، صفاء العربي، د- محمد رحال، حسني إبراهيم عبد العظيم، صفاء العراقي، حمدى شفيق ، أحمد الحباسي، د - محمد عباس المصرى، سفيان عبد الكافي، د. جعفر شيخ إدريس ، د- محمود علي عريقات، د - أبو يعرب المرزوقي، الهيثم زعفان، علي عبد العال، د - المنجي الكعبي، كمال حبيب، ماهر عدنان قنديل، رافد العزاوي، محمود سلطان، خبَّاب بن مروان الحمد، الشهيد سيد قطب، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أشرف إبراهيم حجاج، د - الضاوي خوالدية، جاسم الرصيف، فتحي الزغل، مصطفي زهران، رشيد السيد أحمد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. عبد الآله المالكي، د. أحمد بشير، د. محمد عمارة ، د - شاكر الحوكي ، منى محروس، د. ضرغام عبد الله الدباغ، مراد قميزة، محمد اسعد بيوض التميمي، سامر أبو رمان ، رحاب اسعد بيوض التميمي، معتز الجعبري، د.ليلى بيومي ، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. طارق عبد الحليم، أحمد النعيمي، عمر غازي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عدنان المنصر، د - محمد سعد أبو العزم، بسمة منصور، فتحي العابد، فتحـي قاره بيبـان، محمد عمر غرس الله، ابتسام سعد، د - احمد عبدالحميد غراب، جمال عرفة، أحمد ملحم، صلاح الحريري، سلام الشماع، د - غالب الفريجات، رضا الدبّابي، صباح الموسوي ، صالح النعامي ، محمد تاج الدين الطيبي، عبد الغني مزوز، سيدة محمود محمد، يزيد بن الحسين، د- هاني السباعي، أ.د. مصطفى رجب، فراس جعفر ابورمان،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة