تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

هل انتصرت الثورة المضادّة في تونس؟

كاتب المقال محمد المولدي الداودي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


هل قدر "الثوّار" في تونس إحصاء خيبات الثورة، ورسم خطوط انكساراتها؟ ومتى يكفّ الصبيان عن البكاء؟ ليست المصادقة على قانون المصالحة الإداريّة إلاّ واحدة من حلقات مسار متعرّج ومنحرف للفعل الثوري التونسي، من حيث المنطلقات والمسارات والنتائج.

الآن، قد تبدو مفردة "ثورة" من أشكال المجاز اللغوي والتوسّع الدلالي المشحون امتداحا لحركة اجتماعيّة أسقطت رأس النظام، ولم تسقط كلّ مكوّناته العميقة، ولم يدرك "الثوّار" منذ البدايات الأولى المطالب الحقيقيّة، بل كانت الشعارات التي صاحبت تلك الحركة الاجتماعيّة الغاضبة ارتجالية وجدانيّة، رؤية ووجهة، فقد بدأت غضبا جهويّا في ولاية سيدي بوزيد، ثمّ احتقانا اجتماعيّا من خلال شعار "شغل، حريّة، كرامة وطنيّة"، ثم اكتسبت طابعا سياسيّا من خلال توسّعها جهويّا، واتّصال بعض المكوّنات النقابيّة والحقوقيّة والسياسيّة بها.

كانت تلك الحركة الاجتماعيّة الغاضبة "إصلاحيّة" لا غير، ولم يكن طموح "الثوّار" آنذاك إسقاط النظام، وإنّما إجباره على الإصلاح السياسي والاجتماعي وتوسعة فضاء الحريّات.

لم تكن الحركة الاجتماعيّة الغاضبة، أو الثورة التونسيّة، تحمل إرهاصات فكريّة واضحة، ولم تكن لها قيادة ثوريّة مدركة للمآلات، وإنّما كانت تحوّلا عفويّا في سياق تاريخي، غوامضه وألغازه كثيرة. ولذلك كانت النتائج مناسبة لحقائق المسار "الثوري" ومتجانسة مع منطق أحداثه وتغيّراته، ومتناقضة جزئيّا مع أحلام الناس وانتظاراتهم.

بعيد سقوط رأس النظام، استعاد الفاعلون السياسيون الذين وحّدهم قمع النظام معاركهم القديمة التي تعود إلى الثمانينات، تلك المعارك القديمة التي لم يعشها جيل الشباب ثلاثا وعشرين سنة، كانت الانحراف الأساسي الذي أصاب المشهد السياسي، وأسقط الكلّ في دائرة الفراغ والعبث. وحين استعاد "الثوّار" معاركهم المزيّفة الطاحنة، استعادت الدولة العميقة آليات تجدّدها وانبعاثها وسدّت منافذ انكسارها وعمّقت حضورها وفق سياقٍ جديد استوعبت تحوّلاته.

لم يكن الشعب التونسي موحّدا في مواقفه من أحداث الثورة، ولم يكن كذلك موحّدا في انتظاراته أو أحلامه "الثوريّة"، وحين تناسى "الثوّار" المطالب الاجتماعيّة، وانساقوا وراء خطاب نخبوي لا يفهمه عموم الشعب التونسي، عملت الدولة العميقة على إبراز البعد الاجتماعي، وفشل "الحكّام الجدد" في إدارة الأزمة الاجتماعيّة.

انشغل الفاعلون السياسيون الجدد بمعاركهم السياسيّة، ولم يدركوا جميعهم رهانات السياق الثوري وتحوّلاته، ولم تكن مسألة ترسيخ المكتسبات السياسية والحقوقيّة، كالتعدديّة وحريّة التنظّم وحق التعبير وغيرها هاجسا جماعيّا، وإنّما كانت، في أحيان كثيرة، مدارا للصراع بين أحزاب وقوى سياسيّة أنتجتها الثورة، إذ استعان بعض السياسيين والنقابيين والحقوقيين بمكوّنات الدولة العميقة، وأركان الثورة المضادّة، كالإعلام لإطاحة خصوم السياسة بعيد انتخابات 2011. وفي 2013، تحوّلت هذه الاستعانة الخفيّة إلى تحالف موضوعي مكشوف، بدا واضحا في اعتصام باردو، حيث ارتقى "المناضلون السياسيون" المنصّة نفسها مع جلاّدي النظام السابق، وألقوا الخطاب نفسه، وطالبوا بالمطالب نفسها.

بدأت التنازلات والبعد عن ذلك الأفق الثوري الحالم مع الفشل السياسي في إدارة مواضع الاختلاف بين الفرقاء السياسيين. ومع وضوح التدخّل الأجنبي، من خلال المخابرات والمال والإعلام، وضمن سياق عالمي، اتفق على إجهاض الحراك الاجتماعي والسياسي والثوري في العالم العربي.

أعتقد أنّ كبح جماح الثورة المضادة في العودة، واستعادة مواقعها القديمة، لن يكون بتكرار الأخطاء نفسها التي ارتكبها السياسيون والنقابيون والحقوقيون المحسوبون على الثورة، فلكل نصيب في خيانة الثورة والإيقاع بالثائرين. وأعتقد كذلك أنّ خطيئة المصادقة على قانون المصالحة الإدارية قد يقلّ جرما عن خطيئة اعتصام باردو الذي أسقط أوّل حكومة شرعيّة منتخبة بعد الثورة.

حزب نداء تونس، وهو الصورة الأوضح للثورة المضادّة في المشهد السياسي التونسي، كان شريكا ل"مناضلين" و"حقوقيين" و"سياسيين محسوبين على الثورة" كثيرين، وهو الآن شريك لحركة النهضة في تعميق العودة إلى معاقله القديمة، معاقل الحكم والسلطة.

ليس عيبا أن يجني "نداء تونس" ثمار الخصومة والعداء بين "الثوّار"، وليس عيبا أن يدرك سياسيو هذا الحزب مستوى المراهقة السياسيّة التي ميّزت "الثوّار" من سياسيين وحقوقيين ونقابيين، بل العيب كل العيب في من منعهم الصرّاح في كلّ محفل، والبكاء في كلّ مأتم عن إدراك التحذير وفهم النّصيحة، وإنّهم مازالوا يصرخون ولا يفهمون.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الثورة المضادة، بقايا فرنسا،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 22-09-2017   المصدر: العربي الجديد

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
منى محروس، د - محمد سعد أبو العزم، أشرف إبراهيم حجاج، د. محمد عمارة ، محمد الطرابلسي، رشيد السيد أحمد، خالد الجاف ، طلال قسومي، علي الكاش، حسن عثمان، د - مضاوي الرشيد، حسن الطرابلسي، أحمد الحباسي، كريم السليتي، سامر أبو رمان ، يحيي البوليني، سامح لطف الله، عراق المطيري، د- محمود علي عريقات، د. جعفر شيخ إدريس ، د. نانسي أبو الفتوح، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمد العيادي، محمد إبراهيم مبروك، صفاء العراقي، فوزي مسعود ، رافع القارصي، د. الشاهد البوشيخي، د- هاني السباعي، محمد عمر غرس الله، فتحي الزغل، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، رافد العزاوي، عزيز العرباوي، عواطف منصور، رضا الدبّابي، محمود فاروق سيد شعبان، فراس جعفر ابورمان، سعود السبعاني، محمد اسعد بيوض التميمي، وائل بنجدو، سيدة محمود محمد، د. محمد مورو ، بسمة منصور، رأفت صلاح الدين، محمد تاج الدين الطيبي، د.محمد فتحي عبد العال، كريم فارق، د - صالح المازقي، رمضان حينوني، صباح الموسوي ، صلاح الحريري، أحمد بوادي، د - المنجي الكعبي، د- محمد رحال، صالح النعامي ، سفيان عبد الكافي، د - شاكر الحوكي ، د - محمد بنيعيش، فهمي شراب، محمود صافي ، د - الضاوي خوالدية، د. صلاح عودة الله ، حميدة الطيلوش، فاطمة حافظ ، علي عبد العال، الهادي المثلوثي، نادية سعد، د.ليلى بيومي ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - غالب الفريجات، د. عادل محمد عايش الأسطل، أحمد النعيمي، مجدى داود، مصطفى منيغ، د - احمد عبدالحميد غراب، هناء سلامة، إسراء أبو رمان، محمود طرشوبي، مراد قميزة، سلوى المغربي، فاطمة عبد الرءوف، د - محمد بن موسى الشريف ، الناصر الرقيق، جاسم الرصيف، حسن الحسن، عبد الله زيدان، يزيد بن الحسين، د. أحمد محمد سليمان، د . قذلة بنت محمد القحطاني، ماهر عدنان قنديل، أبو سمية، معتز الجعبري، د. طارق عبد الحليم، د- هاني ابوالفتوح، محمود سلطان، أنس الشابي، جمال عرفة، ابتسام سعد، د. أحمد بشير، محمد أحمد عزوز، عمر غازي، رحاب اسعد بيوض التميمي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، الشهيد سيد قطب، سيد السباعي، سوسن مسعود، أ.د. مصطفى رجب، محمد الياسين، عصام كرم الطوخى ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، كمال حبيب، سلام الشماع، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد ملحم، تونسي، عبد الله الفقير، صفاء العربي، محمد شمام ، د. الحسيني إسماعيل ، المولدي الفرجاني، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. محمد يحيى ، عبد الرزاق قيراط ، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. نهى قاطرجي ، د - محمد عباس المصرى، فتحـي قاره بيبـان، الهيثم زعفان، ياسين أحمد، حمدى شفيق ، عبد الغني مزوز، عدنان المنصر، حاتم الصولي، صلاح المختار، أحمد الغريب، مصطفي زهران، منجي باكير، فتحي العابد، العادل السمعلي، د. خالد الطراولي ، خبَّاب بن مروان الحمد، إيمى الأشقر، د - مصطفى فهمي، إيمان القدوسي، شيرين حامد فهمي ، د- جابر قميحة، محرر "بوابتي"، سحر الصيدلي، إياد محمود حسين ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. عبد الآله المالكي،
أحدث الردود
... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


السلام عليكم أخ فوزي وبعد نزولا عند رغبتك، اليك المنشور موضوع التعليق ومصدره. ولم أشأ الإشارة الى ما هو أكثر من الإلغاز للأسماء، ليبقى الأهم التمثيل ل...>>

لكي يكون المقال ذا فائدة أكبر، كان يحسن ان تذكر إسم السياسي الأب المقصود، لأن الناس لا تدري ما قرأت وبما تتحدث عه...>>

نتيجة ما تعانيه بناتنا في الاتجاة نحو طريقا لانحبذة ولانرضه لكل فتاة أي كانت غنية اوفقيرة ولكن مشكلتنا في الدول العربية الفقر ولذاعلي المنظمات الاجتما...>>

من صدق مجتمع رايح فيها انا متزوج مغربيه بس مو عايشين هنا ولا ابغى ارجع المغرب رحتها يوم زواجي وماعدتها بلد دعاره بامتياز حتى الاسره المغربيه منحله الب...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة