تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

وجه آخر لقضية الميراث في تونس

كاتب المقال سمير حمدي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


لم يكن مستغرباً أن يثير مقترح الرئيس التونسي، الباجي قائد السبسي، تغيير قانون الميراث الضجة الواسعة في تونس، وكان لها ارتداداتها في الدول العربية، فالمسألة تتعلق بقضية جذورها دينية، وتتأصل في نصوص شرعية، غير أن القضية، في جوهرها، تتجاوز مجرد النقاش الديني نحو مشكلةٍ فعليةٍ مرتبطة بطبيعة التناول الممكن لقضايا ذات حساسية عالية في المجتمعات العربية. فما طرحه الرئيس التونسي يندرج ضمن المسلمات التي لا تقبل النقاش لدى بعضهم، ووضعها اليوم على بساط البحث لتصبح مسألة رأي عام أحدث هزّة فعلية لقوى فكرية وسياسية مختلفة، ناهيك عن علاقتها بالجانب المجتمعي نفسه الذي ترسخت بنيته التشريعية وأعرافه القانونية ضمن ضوابط محدّدة خاصة في قوانين الأسرة والأحوال الشخصية. وبعيداً عن المناكفات الإيديولوجية، ومحاولة تسجيل النقاط في المجال السياسي، فإن المسألة تحيل على درجة الحيوية التي يعيشها المجتمع التونسي بعد الثورة. حيث أصبحت كل القضايا قابلةً للبحث العام وللنقاش الواسع، وهذا أمر يُحسب للمشهد الديمقراطي التونسي. فحالة التحرّر في طرح الآراء تجاوزت مجرد الجدل السياسي أو الخلاف الفكري لتطرح قضايا تتعلق بالبنية المجتمعية والمسائل القانونية والتشريعية القريبة من حياة الناس، أعني قضايا المرأة والأسرة.

وإذا لم يكن مستغرباً أن توجد تيارات فكرية تدعم التوجهات التحرّرية في المجال الاجتماعي، وتحاول التفكير خارج المنظومة الدينية المستقرّة منذ قرون، فإن هذه الفئة تظل، في النهاية، ضمن التوجهات الأقلوية التي تعبر عنها تيارات نسوية، أو جماعات تحرّرية تعتقد أن أولوياتها تنحصر في الصراعات المجتمعية، وإعادة تشكيل النمط الاجتماعي وفق أفكار يصنفها قسم كبير من المجتمع ضمن الفكر الوافد والدخيل. وبغض النظر عن تبني رئيس الجمهورية قرارات قريبة من هذه التوجهات ضمن أجندات سياسية، وربما شخصية، في جانب منها من جهة رغبة الرئيس الحالي في تخليد اسمه على الطريقة البورقيبية الذي دخل التاريخ باعتباره من ألغى تعدّد الزوجات، وأقر قانوناً يجيز التبني، فإن السياق التاريخي في هذه الحالة يختلف عما فعله بورقيبة عشية استقلال تونس، لسببين مهمين على الأقل، أولهما أن رئيس الدولة في ظل تونس الحالية لا يتمتع بصلاحية تشريع القوانين وإنفاذها، وإنما أقصى ما يقدر عليه تقديم مبادرات تشريعية تخضع، فيما بعد، لفحص البرلمان الذي يمكنه إجازتها أو رفضها، حسب قواعد التصويت الداخلي، وأوزان الكتل المختلفة التي تؤيد التعديلات أو ترفضها، خلافاً للزمن البورقيبي، حيث كان قرار الرئيس هو نفسه قانوناً قابلاً للإنفاذ العاجل من دون نقاش أو اعتراض. السبب الثاني هو التغير الكبير الذي شهده المجتمع التونسي، من حيث طريقة التفكير، أو من جهة طبيعة التعامل مع القضايا المجتمعية، فالشارع التونسي، على الرغم من حضور نسبة لافتة من التدين فيه يميل، في جانبٍ منه، إلى نمط من الليبرالية الفكرية في تناول قضايا مجتمعية كثيرة من جهة، كما يعرف صعوداً لافتاً للفكر النسوي، مع انتشار حضور المرأة القوي في مختلف المجالات، ما يجعلها في موقعٍ يطالب بمزيد من الحقوق والإصلاحات التي تخدم حضورها وتؤيد نفوذها. على أن هذا لا يعني أن تمرير القانون في ذاته مسألة سهلة ومتاحة، بل الأكيد أن مسألة الميراث بالذات أعقد من أن يتم حسمها بمجرد مبادرة تشريعية من رئيس الدولة، فبالإضافة إلى الجوانب الدينية والثقافية، وحتى السياسية، فإن الجانب الاقتصادي يحضر في هذه المسألة، وهو ما يدفع جانباً مهماً من المجتمع نحو رفض تعديل مفاجئ لبنيةٍ قانونيةٍ مترسخة ومتجذرة في المجتمع.

يشكل فتح باب النقاش في هذه القضايا المجتمعية، على أهميته، إثارة لمشكل في غير وقته، بمعنى أنه يعبر عن نوع من التسرّع في بحث قضيةٍ ليست ملحة، على الأقل من الناحية التشريعية بالنسبة للمجتمع التونسي. وكان من الأجدى أن تبقى القضية موضوعاً للجدل والحوار والتفاعل الاجتماعي، والأكيد أن المجتمع نفسه سينحاز إلى الخيارات المناسبة للمرحلة التاريخية التي يعيشها، فترسيخ المسار الديمقراطي يقتضي مزيداً من التعميق والترسيخ، بعيداً عن كل ما يمكن أن يشوّش عليه، أو يمثل دافعاً للنكوص عنه، ذلك أن قطاعاً من الشارع أصبح في موضع المقارنة مع دول أخرى، تخضع لأنظمة استبدادية، ولا تطرح فيها مثل هذه القضايا.

وعلى الرغم من أن كل دراسة موضوعية للمسألة تكشف أن تجنب أنظمة الاستبداد الحديث في قضايا الأسرة لا يدل على إيمانها العميق بالقضايا الدينية، ولا عن رغبة في احترام المجتمع، وإنما هو يعود في الواقع الى انشغال الحاكم الطاغية بتثبيت أركان حكمه، والابتعاد عن إثارة القضايا التي قد تشكل مدخلاً ينتقده منها معارضوه، خلافاً للمشهد التونسي، حيث يمكن طرح كل القضايا وحسابات الربح والخسارة في المجال السياسي يحسمها الصندوق. وعلى هذا، فإنه على الرغم من سوء اختيار اللحظة التي طرح فيها الرئيس التونسي مقترحه، وما قد يحدثه من جدل مجتمعي وانقسام فكري وعقدي، فإنه، في النهاية، تعبير عن مدى التطور الفكري الذي تعرفه الساحة التونسية، وامتحان لمدى قدرة الشارع على تحمّل أشكال شتى من النقاشات والحوارات، تتعلق بقضايا مختلفة، حتى أكثرها ارتباطاً بمسائل الدين والمعتقد. ففي هذه الحالة، إذا تم ضمان عدم هيمنة الفكر الأقلوي عبر قوة السلطة، فالأكيد أن مجرد الجدل والبحث في الموضوع دافع لمزيد انفتاح المجتمع، وتقبله البحث في كل القضايا، حتى أكثرها تعقيداً وتأثيراً وخطورة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الباجي قائد السبسي، مسألة المواريث، إملاءات الإتحاد الأوروبي،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 24-08-2017   موقع: العربي الجديد

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
عبدالله بن عبدالرحمن النديم، محمد أحمد عزوز، صفاء العربي، د. عبد الآله المالكي، عمر غازي، عبد الرزاق قيراط ، فاطمة عبد الرءوف، حسن عثمان، فهمي شراب، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، سلوى المغربي، مراد قميزة، أحمد بوادي، فتحي العابد، د. أحمد محمد سليمان، عبد الله زيدان، سلام الشماع، معتز الجعبري، د- محمود علي عريقات، شيرين حامد فهمي ، أشرف إبراهيم حجاج، يحيي البوليني، محمود سلطان، سفيان عبد الكافي، محمد إبراهيم مبروك، أحمد بن عبد المحسن العساف ، طلال قسومي، أحمد الحباسي، فوزي مسعود ، محمود طرشوبي، سامح لطف الله، عبد الغني مزوز، د- جابر قميحة، ابتسام سعد، يزيد بن الحسين، د. طارق عبد الحليم، أحمد النعيمي، د- محمد رحال، إيمان القدوسي، صباح الموسوي ، إياد محمود حسين ، خبَّاب بن مروان الحمد، محمود صافي ، أ.د. مصطفى رجب، جاسم الرصيف، سعود السبعاني، د. جعفر شيخ إدريس ، عبد الله الفقير، رشيد السيد أحمد، فاطمة حافظ ، محمد الياسين، أحمد الغريب، مصطفى منيغ، رافد العزاوي، هناء سلامة، رحاب اسعد بيوض التميمي، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. أحمد بشير، د.محمد فتحي عبد العال، حمدى شفيق ، العادل السمعلي، د. مصطفى يوسف اللداوي، محمود فاروق سيد شعبان، د - محمد بن موسى الشريف ، صلاح الحريري، محمد عمر غرس الله، حميدة الطيلوش، الناصر الرقيق، د. خالد الطراولي ، رافع القارصي، إيمى الأشقر، صفاء العراقي، كريم السليتي، سامر أبو رمان ، سيد السباعي، سحر الصيدلي، د. نهى قاطرجي ، د - المنجي الكعبي، الهيثم زعفان، مصطفي زهران، جمال عرفة، سيدة محمود محمد، د. نانسي أبو الفتوح، عواطف منصور، د - محمد عباس المصرى، د - شاكر الحوكي ، صلاح المختار، أحمد ملحم، حسن الطرابلسي، عصام كرم الطوخى ، د - أبو يعرب المرزوقي، د - محمد بنيعيش، تونسي، منجي باكير، عزيز العرباوي، د - غالب الفريجات، د - الضاوي خوالدية، رأفت صلاح الدين، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د. الحسيني إسماعيل ، علي عبد العال، سوسن مسعود، د. محمد يحيى ، محمد الطرابلسي، فتحي الزغل، د. صلاح عودة الله ، أنس الشابي، أبو سمية، د - صالح المازقي، نادية سعد، محمد العيادي، فتحـي قاره بيبـان، صالح النعامي ، د- هاني السباعي، حسن الحسن، مجدى داود، فراس جعفر ابورمان، محمد تاج الدين الطيبي، د - احمد عبدالحميد غراب، د. محمد مورو ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، علي الكاش، ماهر عدنان قنديل، د - مضاوي الرشيد، د. الشاهد البوشيخي، رمضان حينوني، د - مصطفى فهمي، حاتم الصولي، د - محمد سعد أبو العزم، رضا الدبّابي، إسراء أبو رمان، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د- هاني ابوالفتوح، حسني إبراهيم عبد العظيم، الهادي المثلوثي، كمال حبيب، الشهيد سيد قطب، وائل بنجدو، د.ليلى بيومي ، محرر "بوابتي"، خالد الجاف ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عدنان المنصر، عراق المطيري، بسمة منصور، ياسين أحمد، د. محمد عمارة ، كريم فارق، محمد شمام ، محمد اسعد بيوض التميمي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، منى محروس، المولدي الفرجاني،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة