تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

العلمانيون العرب وحملات التزييف

كاتب المقال د. محمد يحيى   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


على الرغم من دعاية العلمانية في العالم العربي بأنها ترفع لواء الحرية والمساواة والتقدم إلا أن ذلك يغطي على حقائق كئيبة عديدة هي واقع تلك الدعوة. ومن هذه الحقائق التي لم تحظ بكبير اهتمام هي توجه العلمانية على وجه خاص ضد الإسلام ولصالح أقليات دينية في العالم العربي بدأت تتحرك وتنشط لتصل إلى السيطرة في وقت تتعرض فيه الأغلبيات المسلمة التي عاشت تلك الأقليات في كنفها إلى التهديد والضعف. فعندما تنادي العلمانية وبالذات في البلدان العربية الكبرى التي توجد بها أقليات غير مسلمة [ومصر هي هنا الحالة الأبرز] بفصل الدين عن الدولة وسائر نشاطات الحياة الاجتماعية والسياسية والقانونية فإنها تتجاهل حقيقة مهمة وهي أن الإسلام ليس له كنيسة أو مؤسسة دينية راسخة يستند إليها وترعاه وتحتضنه بعد إبعاده عن الحياة العامة أو على الأقل الرسمية. وعلى العكس من المسيحية مثلاً في مذهبها الكاثوليكي والأرثوذكسي بالذات [وكذلك المذهب البروتستانتي] لا توجد في الإسلام مؤسسة دينية. وما يسمى بمؤسسات دينية إسلامية يسمى على سبيل المجاز فقط لأنها في الواقع إما هيئات تعليمية دراسية [معاهد، جامعات] أو هيئات محدودة للإفتاء لكنها كلها لا سلطة فعلية لها ولا ولاية خاصة على جموع المسلمين ولا تأصيل قانوني أو دستوري لها، فضلاً عن كونها في الحالة المصرية مؤسسات ضعيفة وهي واقعة بالكامل تحت سيطرة السلطة السياسية التي تسيّرها وتسيطر عليها من خلال بعض المستويات الدنيا أو المتوسطة من الجهاز الأمني السياسي. ولا تقتصر السيطرة السياسية على تلك المؤسسات على فرض الصمت والإقصاء عليها وحصارها، بل يمتد إلى فرض مفاهيم معينة عليها في مجالات الفكر الديني والشريعة بل وحتى في بعض الثوابت الشرعية من الأحوال الشخصية إلى التعاون مع أعداء الإسلام التقليديين أصحاب التوجهات الصهيونية والصليبية العالمية.


المشكلة إذن في فصل الدين عن الدولة أو الحكم أو أي من مجالات الحياة هو أن هذه الفكرة وهي جوهر العلمانية تتجاهل أن الإسلام يختلف عن المسيحية وتتعامل مع أي دين باعتبار أن الأديان متشابهة وأنها كلها واحدة. ومن هنا فلا يشعر دعاة العلمانية بأي غرابة أو حرج في التشديد على فصل الإسلام عن الحياة لأنهم يعاملون الإسلام كالمسيحية ويثيرون أو يعتبرون أن الإسلام لن يحدث له أي ضرر من هذا الفصل بافتراض أن هناك من يحميه ويرعاه. كما رعت الكنيسة في الغرب المسيحية وحمتها داخلها في فترات المد العلماني الذي استمر حوالي القرنين إلى العقود الأخيرة حينما أدى انتشار وترسخ الاتجاه الديمقراطي إلى عودة الكنائس ومعها الدين بقوة إلى الساحة العامة على امتداد أوروبا وبالذات في الولايات المتحدة وأجزاء كبيرة من العالم.


والذي حدث في أوروبا من ارتداد المسيحية إلى الكنيسة خلال فترات الضعف والمد العلماني لتعود مرة أخرى إلى الازدهار الاجتماعي في فترات الجذر العلماني لا يمكن أن يحدث مع الإسلام لعدم وجود مؤسسة دينية يرتد إليها في حالة الاضطهاد أو في الحالة التي نحن بصددها وهي الدعوة العلمانية إلى فصل الدين عن الدولة. والدولة التي كان الإسلام هو الذي أسسها وأقامها هي في الواقع كل ما يمتلكه الإسلام من مؤسسات فإذا انقلبت هذه الدولة على الإسلام أو تخلّت عنه فما الذي يمكن أن يحدث؟ والمطلوب من الجانب العلماني ليس فقط تخلي الدولة عن الإسلام بشكل سلبي غير مؤذ بل المطلوب الفعلي هو تحرك إيجابي ضد الإسلام بالإقصاء والحصار والتطهير على كل المستويات وليس فقط على المستوى السياسي العام كما يخادع بعض العلمانيين. إذن نحن لا نواجه في الحقيقة عملية فعل سلبي سلمي كما يتصور البعض أو كما تروّج العلمانية أحياناً، وإنما نواجه عملية مطاردة وإصرار على التعقّب لتطهير وتنقية المجال العام باتساعه من الإسلام ووصولاً إلى مستويات التعليم والحياة والأسرة والسلوكيات العامة للأفراد والمجتمع. وفي هذا الوضع سواء في جانبه السلبي [الفصل] أو الإيجابي [التعقب والاستئصال] لا توجد مؤسسة تحمي الإسلام وتقف بجواره وتحتضنه وتحميه.


وحتى لو أريد إيجاد مثل هذه المؤسسة فلن يجد أحد تأصيلاً شرعياً أو قانونياً أو تاريخياً أو اجتماعياً لها. كما لا يمكن العمل على تحويل المؤسسات المسماة حالياً بالدينية إلى مؤسسة شبه كنسية تقوم بواجب احتضان وحماية الدين بعد إبعاده عن الساحة العامة بشكل أو بآخر، فهذه المؤسسات كما قلنا ضعيفة هشة وغير قادرة بحكم وضعها وتكوينها الحالي على القيام بأي مهمة من ذلك النوع بل هي غير قادرة أصلاً إلا على القيام بالمهمة التعليمية المدرسية العلمية التي تقوم فكرتها عليها مع إدراك أنها لم تعد الآن حتى قادرة على أداء هذه المهمة نفسها بسبب عوامل الهدم التي تعرضت لها على يد العلمانية من حصار وتحجيم وقطع للموارد البشرية والمادية، وأخيراً بسبب سياسات تجفيف ينابيع الدين والتدين المتبعة في العالم العربي على مدى ما يزيد عن الربع قرن. غير أن أخطر ما تعرضت له هذه المؤسسات والذي وجه لها ما يمكن أن نسميه بالضربة القاضية هو وضعها تحت سيطرة توجهات علمانية في نفس دوائر الدولة التي تسيطر عليها وهي دوائر لم تكتف بفرض السيطرة الأمنية التقليدية عليها بل فرضت عليها إلى حد كبير علمنة وتغريب المفاهيم الإسلامية التقليدية والأصلية والثابتة. ولهذا كله يصعب إن لم يكن يستحيل أن تقوم هذه المؤسسات بدورها التعليمي المدرسي في الحاضر، فضلاً عن أن تناط بها مهمة المؤسسة الدينية الشاملة والراسخة في الأسس الدينية مثل الكنيسة المسيحية.


الخلاصة إن فرض العلمانية بالمفهوم المطلوب الآن يصيب الإسلام في مقتل ويفرض عليه أزمة وجود وحياة أو موت بسبب مسألة المؤسسة الدينية أو عدم وجود [وعدم القدرة على إيجاد] مؤسسة تقوم بالدور الذي تقوم به الكنيسة في المسيحية. فالإسلام ببساطة دين مختلف عن المسيحية بوضعها الحالي. ففيه شريعة شاملة وهو كما يقال دائما [وهي المقولة التي تغيظ العلمانيين حقا] دين ودولة.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

علمانية، تنويريون، أقليات، تغريب، الغرب، خونة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 28-01-2009   islammemo.cc / islamselect.com

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
الردود على المقال أعلاه مرتبة نزولا حسب ظهورها  articles d'actualités en tunisie et au monde
أي رد لا يمثل إلا رأي قائله, ولا يلزم موقع بوابتي في شيئ
 

  28-01-2009 / 10:22:21   ابو سمية
ابرز مثال لما يذكره المقال هو تونس

احسن مثال لما يذكره الدكتور محمد يحيى من ان العلمانية سعت لمطاردة تاثير الإسلام ،حدا وصل جعل المؤسسات الاسلامية التقليدية تحت سيطرة رموز العلمانية، هو مايقع ووقع فعلا بتونس

حيث ان تاثير وسيطرة العلمانيين بتونس وصل حدا ان اصبحت جامعة الزيتونة مرتعا لرموز العلمانية، واصبحوا ينطلقون منها لنشر الهرطقات والزندقة التي يقومون احيانا بفرضها على الطلبة

ولا حول ولا قوة الا بالله
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
نادية سعد، رمضان حينوني، طلال قسومي، محمد الياسين، صفاء العربي، د. عبد الآله المالكي، د. أحمد محمد سليمان، د. محمد مورو ، عصام كرم الطوخى ، أحمد الحباسي، يزيد بن الحسين، عواطف منصور، د - احمد عبدالحميد غراب، حسن الطرابلسي، د. مصطفى يوسف اللداوي، د - مصطفى فهمي، د. الحسيني إسماعيل ، د. نهى قاطرجي ، إيمى الأشقر، د. نانسي أبو الفتوح، محمد إبراهيم مبروك، شيرين حامد فهمي ، د. عادل محمد عايش الأسطل، أحمد بوادي، سامر أبو رمان ، محمد عمر غرس الله، سيدة محمود محمد، رشيد السيد أحمد، د. محمد يحيى ، الهادي المثلوثي، د- محمود علي عريقات، إيمان القدوسي، سفيان عبد الكافي، مجدى داود، أشرف إبراهيم حجاج، إسراء أبو رمان، عبد الله زيدان، هناء سلامة، د.ليلى بيومي ، أحمد النعيمي، رافد العزاوي، د. أحمد بشير، عبد الله الفقير، حاتم الصولي، فاطمة حافظ ، يحيي البوليني، رضا الدبّابي، صباح الموسوي ، د. طارق عبد الحليم، محمد العيادي، د - محمد عباس المصرى، د- هاني ابوالفتوح، أبو سمية، عمر غازي، منى محروس، فهمي شراب، محمد شمام ، د - صالح المازقي، العادل السمعلي، د - غالب الفريجات، مراد قميزة، د- محمد رحال، د- جابر قميحة، وائل بنجدو، مصطفى منيغ، أ.د. مصطفى رجب، د - محمد سعد أبو العزم، إياد محمود حسين ، منجي باكير، سحر الصيدلي، معتز الجعبري، خبَّاب بن مروان الحمد، بسمة منصور، د. صلاح عودة الله ، عراق المطيري، أحمد ملحم، د . قذلة بنت محمد القحطاني، سعود السبعاني، عدنان المنصر، د - شاكر الحوكي ، سامح لطف الله، د. جعفر شيخ إدريس ، د - مضاوي الرشيد، محمود صافي ، محمد تاج الدين الطيبي، حمدى شفيق ، المولدي الفرجاني، علي الكاش، فتحـي قاره بيبـان، عزيز العرباوي، حسني إبراهيم عبد العظيم، ياسين أحمد، خالد الجاف ، فاطمة عبد الرءوف، د. ضرغام عبد الله الدباغ، د - محمد بن موسى الشريف ، فراس جعفر ابورمان، د - الضاوي خوالدية، عبد الرزاق قيراط ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، رأفت صلاح الدين، محمد الطرابلسي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، تونسي، فوزي مسعود ، كريم السليتي، سلوى المغربي، محمود فاروق سيد شعبان، محمد أحمد عزوز، الناصر الرقيق، د.محمد فتحي عبد العال، محرر "بوابتي"، سلام الشماع، صالح النعامي ، د - أبو يعرب المرزوقي، كمال حبيب، الهيثم زعفان، رافع القارصي، سوسن مسعود، علي عبد العال، صلاح الحريري، د - محمد بنيعيش، د. الشاهد البوشيخي، محمود سلطان، عبد الغني مزوز، د. خالد الطراولي ، سيد السباعي، جاسم الرصيف، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د. محمد عمارة ، أنس الشابي، جمال عرفة، مصطفي زهران، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمود طرشوبي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، صفاء العراقي، حسن الحسن، محمد اسعد بيوض التميمي، ابتسام سعد، د - المنجي الكعبي، حميدة الطيلوش، أحمد الغريب، صلاح المختار، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حسن عثمان، الشهيد سيد قطب، كريم فارق، ماهر عدنان قنديل، فتحي العابد، د - عادل رضا، فتحي الزغل، د- هاني السباعي،
أحدث الردود
انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة