حول كتاب "الأمة الممكنة" لمحسن مرزوق
حملة صحفية كبيرة صاحبت صدور كتاب محسن مرزوق "الأمّة الممكنة" الأمر الذي دفعني إلى اقتناء الكتاب خصوصا لمّا نجد أنّ عنوانه يوحي بأنّه سيبحث مسألة الأمة التونسية وعلاقتها بمحيطها اللغوي والديني وتشكّلها عبر التاريخ إلا أنّ شيئا من ذلك لم يحدث فالكتاب ليس إلا برنامجا حزبيّا صاغه صاحبه في شكل حوار لذا كانت قراءته بالنسبة لي مقلقة ومملّة لأنّ العادة أن الكتابات الفكرية تتابع فيها المفاهيم والمعاني وتحلل وتناقش بما يأخذك إلى النتيجة التي يرغب المؤلف في الوصول إليها غير أنّه في حالتنا هذه تجد محسن يتحدث عن الشأن الثقافي إلا أنه يكتفي بتناول المحامل فالتراث لديه ليس إلا السياحة والمردود المالي المتأتي منها وكذا الأمر بالنسبة للطعام واللباس التقليدي وغيرها، وأغفل تماما المسألة الثقافية بوصفها هوية الوطن والأمة وتعرّضها منذ سنة 2011 إلى هجمة جاهلية جهلاء قلّصت من دور وزارة الثقافة بتحويل قسم من ميزانيتها إلى وزارة الشؤون الدينية الأمر الذي أثر تأثيرا كبير على مختلف الصناعات الثقافية كالكتاب والمسرح والسينما كلّ هذا فضلا عن تكفير المثقفين الأحرار والاعتداء عليهم بمنع عرض مسرحياتهم أو الهجوم على قاعات السينما، هذا الانهيار لم يلاحظه محسن ولكنه يقترح إنشاء "هيئة عليا للطعام" للمحافظة على خصوصية الكسكسي التونسي وإشعاعه وتسجيله لدى اليونسكو، والغريب في الأمر أن محسن يتحدث عن الأمة ولكنه لم يتناول ما تتعرض له الأمة التونسيّة من محاولات قضاء على ذاتيتها وإلحاقها بأمم وهميّة لا وجود لها كالأمّة الإسلامية وهي أمة لا حدود لها تتّسع باتساع الإيمان بالإسلام وتضيق يضيقه بحيث يصبح الحديث عنها مفرّغا من أي معنى لأن حدودها غير ثابتة فالثبات هو الذي يمكّن من نشأة المشاعر الوطنيّة والروح القومية والانتماء لمجموعة صاغها التاريخ وعركتها الجغرافيا وتوحّدت مصالحها وآمالها المستقبليّة واللافت للنظر أن محسن يتحدّث عن الأمّة ولكنه في نفس الوقت يتناسى أنّه من بين الأعمدة التي قام عليها التوافق والأصحّ تبعيّة الباجي لحركة النهضة وهي الفترة التي غرست فيها الحركة أعوانها في مفاصل الدولة تحت نظر الباجي وموافقته، لذا لم أتعجّب لما وجدت محسن يتحاشى ذكر الحركة والجرائم التي ارتكبتها في حقّ الأمّة والانحراف إلى الحديث عن البسيسة والبيئة وغيرهما وفيما يلي جملة من الملاحظات التي جعلتني أعزف عن كتابة مقال مطوّل عن الكتاب:
1) نشر محسن في جريدة المغرب مقالا بتاريخ 31 جانفي و2 فيفري 2021 عن أجيال الحركة الوطنية أعاد نشره كاملا في كتابه هذا وصنفها إلى خمسة أجيال معتبرا أن الجيل الخامس مثّله حزب النداء وهو كلام لا يساوي فلسا في سوق المعرفة والعلم لأنّ النداء باستثناء البعض ممن انسحبوا منه بعد خيانة الباجي وارتمائه في حجر الغنوشي لم يجمع إلا شتاتا من الانتهازيين وشذاذ الآفاق وكنت قد رددت عليه بمقال كشفت فيه جهله بتاريخ تونس ورموزها وشخوصها في جريدة الشارع المغاربي بتاريخ 9 فيفري 2021 وفي الموقع الألكتروني بوابتي رابطه https://myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=9742 ورغم ذلك لم يكلف محسن نفسه في كتابه إصلاح الأخطاء التي نبهته لوجودها وأبقاها على حالها.
2) يقول محسن في الصفحة 66 ما يلي: "فهل ترضى أن يصير شبابنا في البحار على زوارق الموت يبحثون عن لقمة العيش في دول تستعبدهم وتحتقرهم؟ هل ترضى أن يصير جواز سفرك موضوع شبهة أمنيّة عالميّة بعد أن جنّد تجّار الموت بني جلدتك وصيروهم إرهابيّين عتاة"، الذي يقرأ هذا الكلام يعتقد أنّه بصدد أحد معارضي الإسلام السياسي والحال أنّ المذكور أحد أعمدة سياسة الباجي التي فرّطت في سيادة البلاد لأجل منافع السلطة ترى ما صنعت أنت وعرفك لمواجهة هذا الذي تذكر؟، يعلم الجميع أن الباجي رضخ للإرهابيين الذين رفضوا إمامة الشيخ عثمان بطيخ رحمه الله وعزله من الوزارة، التسفير كان قائما على قدم وساق لا يخفى إلا على عمي البصر والبصيرة ترى ما فعل عرفك لوقف الجريمة أو حتى الحدّ منها المرّة الوحيدة التي تجرأ فيها الباجي على فتح ملف التنظيم السري كانت لمّا التحق الشاهد بحجر الغنوشي، إنّ المتاجرة بآلام الناس لا تليق بمن يتقدم للشأن العام فذاكرتنا والحمد لله ما زالت قويّة ولن نتوقّف عن التذكير بجرائم الباجي.
3) قال محسن في الصفحة 98 ما يلي: "كما استطاعت تونس أن تنتفض ضدّ مخطط التطرف الإخواني الجهادي الذي كان يريد أن يفرض عليها مسارا خطيرا في إطار مشروع إقليمي كامل" ولكن من حقّنا أن نسأله أيّ تونس انتفضت هل هي تونس (التي تتصورها ونضعها بين قوسين لأنّ تونس لدينا تحمل معاني العقلانية والجمال والوطنية والحداثة وليست تونس التي تتحدّث عنها) التي توافقت مع حركة النهضة أو تونس التي واجهتها منذ اليوم الأوّل؟ ثم ما الفارق بين المصطلحات التي وضعتها بجانب بعضها البعض وهي التطرّف والإخواني والجهادي؟ وهل هنالك إخواني غير جهادي أو متطرّف غير إخواني أو جهادي غير متطرّف؟ هكذا يتمّ التلاعب بالمصطلحات وتعويمها وضرب المعاني بعضها ببعض للوصول إلى نتيجة معدّة سلفا وهي تبرير التوافق مع الذين يخلطون الدين بالسياسة.
4) في الصفحة 157 قال محسن: "كانت محاولة حركة النهضة أواخر 2011 حتى 2013 خاصة حكم تونس باستعمال الدين وتقسيم التونسيّين لمؤمنين وغير مؤمنين شكلا من أشكال الاستعمار الداخلي بهيمنة القسم الأوّل على القسم الثاني"، وهو ما يعني أنه بحلول سنة 2014 ووصول الباجي إلى قصر قرطاج صحبة محسن تحرّرت تونس غير أنّ الوقائع عنيدة ولا تستجيب لرغباتنا ذلك أن التاريخ يقول بأن الباجي وزمرته في إطار ما سمّي التوافق سلموا البلاد بكلّ ما فيها لقمة سائغة للنهضة التي شبّهها محسن بالاستعمار الداخلي.
غرائب وعجائب محسن في كتابه هذا لا تعدّ ولا تحصى من بينها اقتراحه توزيع الوزارات على مختلف الولايات فالثقافة في الكاف ولا أدري لماذا والسياحة في سوسة ولا أدري لماذا والمالية في نابل ولا أدري لماذا والشباب في سيدي بوزيد ولا أدري لماذا أما المفتي فيجب أن يرحل إلى القيروان لوجود قبر سيدي الصحبي فيها.
حول كتاب "الأمة الممكنة" لمحسن مرزوق
2026-01-09
322 قراءة
أنس الشابي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن