مقالات عن: الإغتيال

سيف الإسلام القذافي: الاغتيال بوصفه حلًّا سياسيًا مؤجَّلًا

2026-02-06 194 قراءة محمد علي العقربي
ليست حادثة اغتيال سيف الإسلام القذافي جريمة جنائية عابرة. هي حدث سياسي مكتمل الدلالة. حدث يكشف أن ليبيا ما تزال تختار أسهل الطرق وأكثرها دموية لحل أزماتها. الإقصاء بدل السياسة. الثأر بدل العدالة. والاغتيال بدل الاحتكام إلى الشعب.
خارج الضجيج الإعلامي يتضح أن اغتيال سيف لم يكن طارئا ولا وليد لحظة. الرجل عاش سنواته الأخيرة معزولا سياسيا. محميا عسكريا لا شعبيا. محاطا بتناقضات قاتلة. مرفوضا من خصومه وغير مرحب به من حلفائه المفترضين. لم يكن ثوريا ليحتضنه خطاب فبراير. ولم يكن قذافيا تقليديا ليطمئن له الحرس القديم. ولم يكن رجل ميليشيا ليحتمي بمنطق القوة. ولم يكن صاحب مشروع مكتمل ليستقطب النخب. كان في منطقة وسطى قاتلة. رجل مرحلة انتقال لم تُولد.
في بدايات الألفية ظهر سيف الإسلام كواجهة إصلاحية داخل نظام مغلق. تحدث عن الدستور والمجتمع المدني والعلاقات مع الغرب. لكنه أخطأ التقدير حين ظن أن نظاما لم يُبن على فكرة الدولة يمكن إصلاحه من الداخل. ثم جاء الخطأ الأكبر في لحظة 2011. حين كان أمام خيار تاريخي. إما الانحياز للتغيير وقيادة انتقال سياسي. أو الوقوف مع السلطة حتى النهاية. اختار السلطة. فخسر صورته الإصلاحية وخسر مستقبله السياسي في لحظة واحدة.
لكن المفارقة أن ما تبقى له لاحقا كان أخطر من قوته السابقة. تمسكه بفكرة الانتخابات. في ليبيا اليوم الانتخابات ليست آلية ديمقراطية. هي تهديد مباشر لكل البنى القائمة. الشرق يرفضها لأنها قد تُسقط نموذج السيطرة بالأمر الواقع. وقوى الغرب ترفضها لأنها قد تنهي احتكار الشرعية الثورية. وشبكات السلاح ترى في الصندوق خطرا وجوديا على نفوذها. في هذا السياق لم يعد سيف الإسلام مشروعا للحكم. بل تحوّل إلى عقدة سياسية. لا يمكن استيعابه ولا يمكن تجاهله ولا يمكن السماح له بالعودة إلى المشهد.
هنا يصبح الاغتيال في منطق الدولة الفاشلة حلا عمليا. إزالة المشكلة بدل حلها. حذف السؤال بدل الإجابة عنه.
طريقة التعامل مع جنازته ومكان دفنه ومحاولة التحكم في رمزيته حتى بعد موته تؤكد أن الصراع لم يكن على شخصه فقط. بل على ما يمثله. ذاكرة غير محسومة. ملف مصالحة لم يُفتح. وسؤال شرعية لم يُحسم.
اغتيال سيف الإسلام لا يجعله بطلا ولا يبرئه من مسؤوليته التاريخية. لكنه يفضح حقيقة أكثر قسوة. ليبيا ما تزال عاجزة عن تحويل الصراع إلى سياسة. والعنف إلى مسار قانوني. والعدالة إلى مؤسسة. والمصالحة إلى مشروع وطني.
ليبيا تدفع اليوم ثمن أربعة عقود من الأحقاد المؤجلة وأكثر من عقد من الثأر المفتوح. بلد بالغ الثراء لكن ثروته تحولت إلى لعنة لأن الدولة لم تُبن. ولأن الجرائم لم تُحاسب. ولأن المصالحة أُجلت باسم شعارات كبرى أُفرغت من معناها.
لا عاصم لليبيا إلا مصالحة وطنية حقيقية. مصالحة لا تبرئ من أجرم ولا تحميه. ولا تفتح باب الثأر. بل تخضع الجميع لقاعدة واحدة. من أجرم يُحاسب. ومن أخطأ يعترف. ومن يريد الحكم يحتكم إلى الشعب لا إلى السلاح.
ما دون ذلك سيظل الاغتيال لغة السياسة الوحيدة في بلد لم يتعلم بعد كيف يختلف دون أن يقتل.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق