أبو الطيب أحمد بن الحسين الجغفي الكندي الكوفي (915 ــ 965 م)، يعتبره الكثير من النقاد وعلماء اللغة بأنه من أعظم الشعراء في تاريخ اللغة العربية الحافلة بالشعراء العظام حتى في عصور ما قبل الإسلام، وفي التاريخ الوسيط، والحديث.
شاعر مجيد لقب بشاعرِ العرب، ومالئ الدنيا وشاغل الناس، له مكانة سامية لم تتح لغيره من شعراء العرب بعد الإسلام، فيوصف بأنه نادرة زمانه، وأعجوبة عصره، وظل شعره إلى اليوم مصدراً للإلهام الشعراء والأدباء. وهو شاعر حكيم، وأحد مفاخر الأدب العربي. وتدور معظم قصائده حول نفسه وحول معاناته مع الناس والسلطات. ظهرت موهبته الشعرية مبكرا، فقد قال الشعر صبيًّا، إذ نظم أول أشعاره وعمره لا يتجاوز التسعة سنوات، واشتهر بحدَّة الذكاء واجتهاده.
وبتقديري، أن المتنبي عاش معذباً، وعاني من سوء فهم الناس له، فهو لم يشأ أن يجاري المتشددين دينياً، رغم أن الوسط الثقافي يومذاك كان يعج بمن يقرض الشعر والادب وسيلة للتقرب من رجال الدين أو رجال الحكم، وهو لم يكن يرغب في أن يكون في عداد المتقربين، فينال الحظوة بالتزلف، فلم يفهمهم ولم يفهموه، فكانت له مع الحكام أياماً طيبة، ولكن أياماً أخرى مريرة.
هل كان المتنبي وجودياً في عصره المبكر ...!
الوجودي يجد مشكلته مع الناس، ومع الزمن والحياة التي تفرض إيقاعها عليه دون إرادته، فيولد من رجل وإمرأة لم يختارهما، في يوم لم يسألوا رأيه، وإيقاع حياة قاسية ومملة، ويموت في ساعة لا يختارها .. ويجد في كل هذا عبث لا يطاق، وقد فرضت عليه فرضاً ...!
المتنبي دون ريب كان ذكياً ألمعياً سابق عصره وزمانه، بدرجة مذهلة ... لا يتردد في كشف الستار السميك المسدل على دخائل الإنسان .. كبيرها وصغيرها .. فيزيح هذه الستائر بقسوة وأحياناً بفضاضة، ويسعده أن يصف حاكماً جائراً يرتعد الناس مجرد من ذكر أسمه، يسره أن يصف هذا بالوحش الغبي ... المتخلف .. وأنه لزمان سيئ تعيس أن يكون عبقري مثله تحت سلطان هذا الجائر الغاشم، بل ويستجديه الحظوة ليقاوم شظف العيس والحياة.
الشعراء والفنانين والكتاب / الفلاسفة هم إشخاص طليعيون ..عباقرة زمنهم، ربما حلوا في الحياة في الزمن الخطأ، وفي المكان الخطأ ... مشكلة زمكانية معقدة يصعب حلها، ويرهق احتمالها، وهنا ما عليه سوى احتمال الألم الناجم عن هذه المعاناة التي صورتها الأسطورة بعذاب سيزيف الي حكمت عليه الآلهة أن يحمل صخرة من السفح ليوصلها للقمة، وقبل أن يبلغها بقليل تسط هاوية للأسفل، فيعيد الكرة وليستعيد السقوط، ليكررها دون توقف ولا نهاية ...!
هل كان المتنبي سيزف عصره ...؟
حين كتب : الليل والخيل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم "
قصيدة ذاع صيتها، وتلمس الأذكياء معانيها، وحسده من يعجز أن يأتي ولو ببيت منها، راح ضحية ما كتب حين أضطر ذات يوم للأختفاء متوارياً من قسوة قطاع طرق، فأطلق عليه أحد الحاضرين سهماً ماضياً حين قال له " أتهرب وتختفي وأنت القائل " الليل والخيل والبيداء تعرفني والرمح والقرطاس والقلم " فما كان من المتنبي إلا أن قال له " قتلتني يا رجل بكلامك هذا " فأنتضى سيفه وخرج لقتال قطاع الطرق وقاتل حتى قتل .
منذ قرون كثيرة، يحتار المرء في مطالعتها، لا لقوتها الشعرية، بل لعمق المعاني التي تنطوي عليها أشعاره وإليكم أصدقائي هذه المختارات ... يصعب كثيراً أن تقول أي الأبيات أمضى من أختها ... فكلها روائع تذهل المرء بدقتها وكأن كاتبها بروفسور في علم النفس الفرويدي ....
" الظلم من شيم النفوس ..... وإن تجد ذا عفة، فلعلة لا يظلم ..! "
تأملوا رجاء ... هذا المسبار البشري الذي يخترق الأعماق ويجد الكلمات ليطلقها قنابل مضيئة .. أخترت لكم هذه الإضاءات المبهرة ... تمعنوا بها .. وفكروا.. واستفيدوا
قال المتنبي ....... أبو الطيب
ونار لو نفخت بها أضاءت ولكنك تنفخ في رماد
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
*************
سألنا ونحن أدرى بنجد أقصير طريقنا أم طويل
فكثير من السؤال أشتياق وكثير من الجواب تعليل
*************
وإنما الناس بالملوك وما تفلح عرب ملوكها عجم
لا أدب عندهم ولا حسب ولا عهود لهم ولا ذمم
بكل أرض وطأتها أمم ترعى بعبد وكأنها الغنم
يتخشن الخز حين يلمسه وكأ،ه يبري بظفره القلم
**************
أغاية الدين أن تحفوا شواربكم يا أمة ضحكت من جهلها الأمم
فأنت إن تدري فتلك مصيبة وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم
**************
الظلم من شيم النفوس وإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى يراق على جوانبه الدم
**************
على قدر أهل العزم تأتي العزائم وتأتي على قدر الكرام المكارم
وتعظم في عين الصغير صغارها وتصغر في عين العظيم العظائم
***************
يا أعدل الناس إلا في معاملتي فيك الخصام وأنت الخصم والحكم
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسمعت كلماتي من به صمم
أنام ملئ جفوني عن شواردها ويسهر الخلق من جراها ويختصم
إذا رأي نيوب الليث بارزة فلا تظن أن الليث يبتسم
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والرمح والقرطاس والقلم
أبو الطيب المتنبي شعر أم مداخلات فلسفية
2026-01-19
176 قراءة
د. ضرغام عبد الله الدباغ
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن