لم تكن المسيرة الحاشدة التي شهدتها البلاد يوم 10 جانفي 2026 مجرد تجمع احتجاجي عابر، بل مثلت لحظة كاشفة لتحول عميق في الفعل السياسي المعارض، خاصة من خلال الدور المحوري الذي اضطلع به الشباب والحركات الاجتماعية في صياغة الخطاب وتنظيم الفعل وتوسيع أفق المعنى فقد برز الشباب، لا بوصفهم كتلة عددية فقط، بل كفاعل رمزي وتنظيمي أعاد تعريف العلاقة بين الاحتجاج والسياسة
من منظور سوسيولوجيا الحركات الاجتماعية، يمكن اعتبار هذه المسيرة تجلّيًا لما يُعرف بـ الجيل الاحتجاجي الجديد جيل تشكل وعيه السياسي في ظل انسداد الأفق، وتآكل الوسائط التقليدية للتمثيل، وفقدان الثقة في المؤسسات هذا الجيل لا يتحرك وفق منطق الزعامات الكلاسيكية، بل عبر شبكات أفقية مرنة، تستثمر الفضاء الرقمي بوصفه مجالًا للتعبئة، وإنتاج المعنى، وتدوير السرديات المضادة للخطاب الرسمي
وقد كان لافتًا أن الشعارات المرفوعة، وأساليب التعبير وحتى الإيقاع العام للمسيرة حملت بصمة شبابية واضحة حيث تداخل السياسي بالثقافي، والاحتجاجي بالرمزي فالشباب لم يكتفوا بترديد مطالب جاهزة، بل أعادوا تأطير الظلم في لغة قريبة من اليومي والمعيشي ما منح الخطاب الاحتجاجي قدرة أعلى على النفاذ إلى الوجدان الجمعي بهذا المعنى، لم تكن المسيرة فقط فعل رفض بل ممارسة تواصلية تسعى إلى إعادة بناء المجال العام من خارج قنواته الرسمية
أما الحركات الاجتماعية، بما فيها المبادرات الشبابية المستقلة ومجموعات الدفاع عن الحقوق والحريات، فقد لعبت دور الوسيط بين الغضب الاجتماعي والتنظيم السياسي فهي التي حولت التذمّر الفردي إلى فعل جماعي وربطت بين قضايا اجتماعية متفرقة كالتهميش، والبطالة، والعنف الرمزي والمادي ضمن سردية جامعة ترى في الظلم بنية شاملة لا يمكن تفكيكها إلا بتغيير قواعد اللعبة السياسية
في هذا السياق اكتسب شعار “الظلم مؤذّن بالثورة” دلالة تتجاوز البلاغة، ليصبح تعبيرًا عن وعي شبابي بأن الثورة ليست حدثًا فجائيًا، بل مسارا تراكميا تصنعه لحظات الاحتجاج المتكررة وهو وعي يعكس انتقال الشباب من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفاعل التاريخي القادر على فرض قضاياه على جدول الأعمال الوطني، حتى في ظل ميزان قوى مختل
إن مسيرة 10 جانفي 2026 كشفت أن الشباب والحركات الاجتماعية لم يعودوا مجرّد وقود للاحتجاج، بل باتوا عقله الناظم وروحه الدافعة ومع استمرار انسداد الأفق السياسي، يبدو أن هذا الفاعل الجديد مرشح لأن يكون المحدّد الأساسي لشكل المعارضة المقبلة، ولمستقبل الصراع حول الشرعية والمعنى في الفضاء العام
الظلم مؤذن بالثورة: الشباب والحركات الاجتماعية في قلب مسيرة 10 جانفي 2026
2026-01-13
460 قراءة
حنان الحيدري
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن