لا يمكنني اختزال الانبهار الشعبي بـالشهيد ”أبـي عبيـــــــدة” في بعد واحد يتعلّق بالحق الفلسطيني أو بالمقاومه المسلّحة أو حتى بالمعجم الديني الصاخب الذي اخترق به جدار العلمنـة المعمَّمة، وإن كان ذلك كلّه روافع أساسية لسلطة كلمته،، إنّ ما يستوقفني حقًّـا هو ذلك التعامد الثلاثي بين البيـان والصّورة والصوت وتَساندهم الوظيفي في إعـادة هندسة الوجدان العربي والإسلامي بحيث أصبح الخطاب المقاوم خطابًا مؤسِّسًا للمعنى لا مجرّد أداة للتعبئة !..
محمد عابد الجابري في مشروعه حول ”العقل العربي” اقترح مفهوما محوريًّـا عن ”سلطـة البيـان” باعتبارها إحدى المرجعيّـات الثلاث الكبرى إلى جانب العرفان والبرهان، ”البيـان” عنده هو نسق معرفـي قائم على النص واللغة والبلاغة، وقد ظلّ لقرون طويلة أداة الهيمنة الرمزية على الوجدان العربي، غير أنّ المفكّر المغربي قيّد هذا الحس الخطابي بحدود جعلته في نظره عائقًا أمام العقل البرهاني، من هنا تقتضي القراءة النقديّة اليوم بعض التنسيب لموقفه؛ فالبيانيّـة التي رآها عائقًا في بعدها التقليدي ثبت لنا أنّها قوّة تحريرية حين تستعاد في سياق المقاومة وقد تخلّصت من الجمود المدرسي لتغدو صوتًا مسلّحًا بالحق و بـالرصــاص لتعيد تشكيل علاقة الجمهور باللغة والهوية !..
لقد كان خطاب الناطق الرسمي باسم القسّام يُستقبل بشغف لأنّه يحرّك في اللاوعي الجمعي العربـي ذلك الحنين إلى سلطة البيـان الأولى؛ سلطة الكلمة التي كانت في بدايات الحضارة الإسلامية أساسًا لبناء الأمّـة ووسيلةً لتأطير الجهاد ومجالًا لتأسيس الشرعيّـة،، بهذا المعنى وعلى هذا المعنى يصبح ”القول البلاغي” هنا أكثـر من مجرد "عرض فنّي"؛ إنّه سلطة رمزيّـة تستمدّ مشروعيتها من النص القرآني ومن السيرة الجهادية وتترسّخ بوساطة الإعلام الحديث ..
ولئن كان الجــابري قد أشار إلى ”وجدان عربي” تشكّل تحت وطأة البيان فإنّ الحالة الراهنة تكشف أنّ هذا الوجدان لم يُمحَ أو لم يُتجاوَز بالكلية، إذ إنه أثبت قابليتَه للاستدعاء متى وُجد خطاب أصيل يوظّف اللفظ في بعده الوجداني التعبوي، الفارق أنّنا الن في هذه اللحظة الكونيّة المعاصرة أمام تزاوج بين البيان التقليدي وتقنيات الصورة والصوت الحديثة؛؛ فالصورة تمنح الخطاب قوّة تجسيديّـة تجعل المتلقّي يرى في المتحدّث تجسيدًا للبطولة الجماعيّـة، ونبرة الصوت تمنح الكلمة وزنًا انفعاليًّـا يذكّر بالمنبر والقصيدة والخطبة القديمة ولكن عبر وسائط رقمية تصل إلى الملايين !..
ولمّا كان ذلك كذلك ..
فإنّ احتفاءنا بالملثّـم أكثـررر من مجرّد احتفاء بشخص أو ببلاغة، إنّه افتتان بعودة ”سلطة الحرف” إلى مركز المشهد العربي بعدما حاولت العلمنـة السياسية والثقافيّـة دفعَـه إلى ”الهـامش”، واللغة بالتحـامها بمقاومة مسلّحة وصورة مدروسة وصوت مؤثّر تُعيد ترتيب سلّم الشرعيّـة في الوجدان الجمعي المأزوم لتؤكّد أنّ المعركة ليست عسكريّـة فحسب، إنما هي أيضًا معركة خطاب حيث الرمـز و المعنى والذاكرة والانتمـاء، غير أنّنا نحتاج إلى من يذكّرنا دائمًـا بضرورة تحصين ”الخطاب المقـاوِم’’ من خطر الانحبـاس داخل ”#سلطــان_العبـارة” بما يَشغلنا عن وصله بالفعل المادي الذي يحوّل الرمزيّه إلى واقع والبيـان إلى إنجاز واللسان إلى تـاريخ ممهـور بالعرق والدم ..
رحم الله الشهيد البطل حذيفة سمير عبد الله الكحلوت (أبا إبراهيم) وأسكنه فسيح جنّـاته وجعل دمَه الطاهر نبراسًا يضيء طريق المجاهدين وذخرًا للأمّة في كل مكان :
«ولا تحسبنّ الذين قُتلوا في سبيل الله أمواتـا بل أحياءُ عند ربِّهم يُرزقـون».
أبـو عبيدة .. ”البيـان” بين اللغة والرصـاص !
2025-12-31
332 قراءة
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن