لم تكن أثينا تُحكم بالقانون وحده، ولا بالساحة وحدها، بل بشيء أخطر وأقلّ وضوحًا: بالصوت.
الصوت الذي يعلو فوق غيره، لا لأنه أصدق، بل لأنه أشدّ وقعًا، والأكثر قدرة على تحريك الخوف، وتحويل القلق إلى قرار، والغضب إلى شرعية.
هكذا وُلد الديماغوجي في قلب الديمقراطية الأثينية، لا كتشوّه طارئ، بل كنتاج عضوي لنظام سلّم السلطة لمن يجيد مخاطبة الحشود أكثر مما يجيد التفكير في مصيرها.
الديماغوجي لم يكن سياسيًا بالمعنى القديم، ولا رجل دولة،بل مترجمًا للعاطفة الجماعية، يلتقط مزاج الساحة كما يلتقط الصياد اتجاه الريح، ثم يعيده إليها مضخّمًا، مشحونًا، جاهزًا للتصويت.
لم يكن بحاجة إلى مشروع طويل النفس، لأن الديمقراطية المباشرة لا تحبّ المشاريع الطويلة، ولا تثق في الزمن، بل تعيش على النشوة السريعة، وعلى قرارات تُشبه الهتاف أكثر مما تُشبه التخطيط.
بعد موت بريكليس سنة 429 قبل الميلاد، وهو آخر من حاول أن يُمسك بالبلاغة دون أن يفلت منها، انفتحت الساحة على مصراعيها، ودخلها رجال لم يروا في الديمقراطية مسؤولية ثقيلة، بل فرصة ذهبية، وكان أبرزهم كليون، الذي أدرك مبكرًا أن الشعب لا يُقاد بالحجج، بل بالأعداء، وأن أسهل طريق إلى الزعامة هو اختزال السياسة في ثنائية بدائية معنا أو ضدنا، وطني أو خائن، قوي أو ضعيف.
كليون لم يخترع الغضب، لكنه حوّله إلى أداة حكم، جعل القسوة برنامجًا، والتشدّد فضيلة، والرحمة تهمة، وفي قضية ميتيليني سنة 427 قبل الميلاد، وقف يخاطب الساحة مطالبًا بإبادة مدينة كاملة، لا لأن ذلك يخدم استراتيجية طويلة الأمد، بل لأن التراجع، في منطق الديماغوجي، يُفقد الخطاب هيبته، ولأن الديمقراطية، حين تُحرَّض، تخاف أن تبدو متردّدة أكثر مما تخاف أن تكون ظالمة.
صحيح أن أثينا تراجعت في اليوم التالي عن قرار الإبادة،لكن الضرر كان قد وقع، ليس في الدم فقط، بل في العقل.
لأن المدينة اكتشفت أنها قادرة، بتصويت واحد، على ارتكاب جريمة جماعية، ثم التراجع عنها دون محاسبة، وكأن الخطأ يذوب ما دام قد مرّ عبر الساحة.
هنا بالضبط تحوّلت الديمقراطية من نظام اختيار إلى نظام إعفاء من المسؤولية.
ومن الساحة، كان الديماغوجي ينتقل بسلاسة إلى المحكمة،لأن المحاكم الشعبية لم تكن سلطة مستقلة، بل ساحة مصغّرة، مئات القضاة يُختارون بالقرعة، لا بالتكوين، ولا بالخبرة، يُطلب منهم أن يفصلوا في قضايا خطيرة بعد خطب قصيرة، محدّدة بزمن الساعة المائية، حيث لا وقت للتدقيق، ولا مكان للتحقيق، ولا قيمة للسوابق، لأن العدالة، مثل السياسة، أصبحت رهينة اللحظة.
في تلك المحاكم، لم يكن الديماغوجي يدافع عن متّهم أو يهاجم خصمًا، بل يُعيد إنتاج خطابه نفسه باستدعاء الخوف،اللعب على الذاكرة الجريحة للحرب، تذكير القضاة بأنهم “الشعب”، وأن الحكم القاسي دليل قوة، وأن التساهل خيانة.
وهكذا أصبحت العدالة مزاجًا مشرعنًا، لا قاعدة ثابتة، وصار القانون مرآة للساحة، لا قيدًا عليها.
في هذا المناخ، لم يكن سقراط غريبًا، بل كان شاذًّا بالمعنى السياسي، رجل لا يخطب، لا يحرّض، لا يعد، بل يسأل،والسؤال في نظام ديماغوجي فعل تقويض، لأنه يُربك الخطاب، ويُعطّل التصفيق، ويجعل الجمهور يرى المسافة بين ما قيل وما فُعل.
لذلك لم يكن اتهامه سنة 399 قبل الميلاد بإفساد الشباب وازدراء الآلهة سوى غلاف رقيق لتهمة واحدة غير مكتوبة هي إزعاج الساحة.
وحين صوّت 281 قاضيًا مواطنًا لإعدامه، لم تكن تلك لحظة انحراف، بل لحظة اتساق كامل، لأن الديمقراطية التي تسمح للديماغوجي أن يقود القرار، تسمح للمحكمة أن تُكمّله،وللشعب أن يُغلق الدائرة، باسم القانون، وباسم الشرعية، وباسم ذاته.
لكن حين تعجز المحكمة عن إسكات الخصم، أو حين يكون الخصم أكبر من أن يُدان، تلجأ الديمقراطية إلى أداة أبسط،أنظف في الشكل، وأقسى في الجوهر هي الأوستراكية، النفي السياسي.
لا تهمة، لا دفاع، لا محاكمة، فقط أسماء تُكتب على شظايا فخار، وإذا بلغ الاسم ستة آلاف صوت، خرج صاحبه من المدينة عشر سنوات، بلا وصمة رسمية، لكن بلا وطن.
كان النفي يُقدَّم كإجراء وقائي، لكن الديماغوجي فهمه كأداة مثالية لإفراغ الساحة من المنافسين الأقوياء، من الرجال الذين يملكون تاريخًا أطول من الخطاب، وذاكرة لا تخضع للمزاج، وهكذا نُفي أريستيد لأنه “عادل أكثر مما ينبغي”،ونُفي ثيمستوكليس، بطل سلاميس، لأن المدينة التي انتصرت بفضل عقله لم تعد تحتمل ظله.
الديماغوجي لا يحبّ الذاكرة، لأنها تُقارن، ولا يحبّ الرجال الكبار، لأنهم لا يحتاجون إلى صوته، لذلك كان النفي، إلى جانب المحكمة، جزءًا من منظومة الحكم بالصوت، منظومة تُكافئ من يصرخ اليوم، وتُعاقب من يذكّر بالأمس أو يفكّر في الغد.
وهكذا، بين ساحة تُحرَّض، ومحكمة تُصفّق، ومنفى يُفرغ المدينة من ثقلها النوعي، كانت أثينا تسير نحو سقوطها وهي تهتف، تصوّت، وتحاكم، ظنًّا منها أنها تمارس سيادتها، بينما كانت في الحقيقة تسلّم مفاتيحها لمن يجيد إدارة الغضب.
وحين دخلت إسبرطة أثينا سنة 404 قبل الميلاد، لم تجد مدينة سقطت فجأة، بل مدينة أنهكت نفسها بنفسها، مدينة قتلت فلاسفتها، نفت قادتها، وصدّقت خطباءها، حتى لم يبقَ فيها من يحكم إلا الصدى.
وهذا هو الدرس الذي لا يُحبّ أحد سماعه،أن الديمقراطية لا تموت حين تُقمع الأصوات،بل حين تُختزل في الأصوات،وحين يتحوّل الديماغوجي من عارضٍ في الساحة إلى مهندسٍ خفيٍّ للدولة.
هكذا وُلد الديماغوجي
2025-12-18
253 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن