في تاريخ الإمبراطوريات، هناك حكّام يُولدون من رحم الدولة، وآخرون يولدون من رحم العُقد.
ونيرون لم يكن ابن روما بل ابن هشاشته. خرج إلى الدنيا كأن القدَر يهزأ به طفل خجول محاصر بامرأة من فولاذ اسمها أغريبينا، امرأة كانت تعرف أنّ الحكم لعبة الوحوش، وأن ابنها الضعيف لن يبقى حيًا في قصر الإمبراطور إلا إذا حملت عنه أنيابه.
دفعت به إلى السلطة كما تُدفع جثة إلى النهر، تصنع لها طريقًا رغماً عنها. قتلت، سمّت، أزاحت، قطعت طريق كل منافس. لكنّها نسيت شيئًا
صنعت إمبراطورًا ولم تصنع رجلاً.
عندما جلس نيرون على العرش، لم يكن عرشًا، بل مرآة.
كلّ ما رآه فيها لم يكن روما، ولا أمّته، ولا مسؤولياته.
كان يرى وجهًا يريد أن يغنّي.
هنا تبدأ المأساة الكبرى،إمبراطور يبحث عن جمهور، لا عن شعب.
تولّى الحكم في السابعة عشرة، بعقل نصفه للسياسة ونصفه للمسرح. حوله رجال دولة من طراز نادر مثل سينيكا، الرجل الذي كان يستطيع أن يصنع من الرعاة حكماء، والقائد بورّوس، الذي يعرف أن روما تنام على برميل بارود.
هؤلاء حاولوا أن يجعلوا من نيرون إمبراطورًا عاقلًا.
ولكن من قال إن العاقل يُخلق؟
العقل يُزرع ونيرون أرضٌ لم تنمُ فيها شجرة واحدة.
بقيت سنواته الأولى مستقرة لأن الآخرين كانوا يسوقون السلطة باسمه. لكن كل يوم كان يشعر أن روما تقيّده، وأن العرش يمنعه من الوقوف على الخشبة التي يحب.
كان يرى الحكم قيدًا، والفن حرية.
وكان يرى مستشاريه سجّانين، لا رجال دولة.
عندما بدأ يحكم بنفسه، ظهر الوحش خلف القناع.
أمّه التي صنعته أرادت أن تستعيد دفتها فأغرقها في البحر لكن البحر لفظها حيّة. فقتلها بيد غيره وأمام جثتها قال ما لا يقوله إلا من تحطّم ضميره
"لم أكن أعلم أن أمي بهذا الحجم."
كانت جملة تشبه خنجرًا يُقطع به الحبل الأخير الذي يربط المرء بالرحمة.
من تلك الليلة، عرف الجميع أن روما تحكمها روح منفلتة، رجل يرى العالم كخشبة مسرح، والشعب ككومبارس.
قتل زوجته أوكتافيا لأنها لم تصفق له، وقتل عشيقته بوبيّا لأنها لم تتحمّل جنونه.
لم يكن يغضب كان ينتقم من الحياة لأنها لم تمنحه الموهبة التي يراها في أوهامه.
أجبر الأشراف، القادة، شيوخ روما، على حضور مسرحياته. كان يدخل المسرح كما يدخل الإله معبده، ويسأل رعاعه المذعورين:"هل أنا رائع؟"
وكان التصفيق إجبارًا مثل دفع الضرائب.
في إحدى أمسياته، أغلق الأبواب، ومنع أحدًا من الخروج، حتى النساء الحوامل. مات بعضهم اختناقًا. ولم يهتم. المهم أن يسمع الهتاف.
كان يرى كل من لا يصفق عدوًا لروما لأن روما في نظره كانت هو.
هذا ليس طيش فنان، بل عقل إمبراطور يرى الناس مرآة.
يريدهم أن يعكسوا عظمته المتخيّلة… وإلّا يُمحَون.
ثم جاء الحريق العظيم، في ليلة اشتعلت فيها روما كما لو أن الشيطان أشعلها بسخريته.
المؤرخون يختلفون:
هل أشعلها نيرون؟ أم تركها تحترق؟ أم استغلها؟
لكن المؤكد أن لهث النار أعجبه. وأعجبته المدينة وهي تحترق، لأنها تمنحه فرصة لبناء روما على هواه.
وهو جالس على شرفته، يغنّي، يعزف، يتخيّل أنه ينتصر على الخراب بالغناء.
وعندما بحث عن كبش فداء، وجدهم إنهم المسيحيون.
قدمهم للنار ليخمد نارًا أخرى أشعلها في داخله: نار الخوف من سقوط صورته.
ثم بنى "البيت الذهبي"، قصرًا يجعل القياصرة قبله يبدون فقراء. أراد أن يعيش في مدينة من ذهب، بينما روما تنام على أنقاضها.
انقلبت الجيوش، تمرد الحكام، بدأت روما تنطق بالحقيقة التي تهرب منها سنوات:أنها تحكمها فوضى تتنكر في هيئة رجل.
هرب نيرون مثل لص في الليل، بلا قصر، بلا جيش، بلا تصفيق. لأول مرة يسمع صمت العالم صمتا لم يعرفه منذ عاش في قصر أمه.
وعندما فهم أن النهاية اقتربت، وضع الخنجر على عنقه وقال
"يا لها من خسارة يا لها من فنان يموت!"
لم يقل يا لها من إمبراطورية تنهار، ولا يا لها من شعب ضاع، ولا يا لها من دم سال.
بل يا لها من فنان
هكذا كان نيرون ،رجل أحب صوته أكثر من سلطته، وأحب موته أكثر من مسؤوليته.
نيرون لم يكن إمبراطورًا شريرًا بل كان طفلًا مكسورًا يختبئ خلف تاج.
كان يبحث عن تصفيق يداوي جرحًا داخليًا لا يبرأ وكان كلما قتل، أو أحرق، أو أرهب، يصرخ داخله صوت صغير
"صفّقوا لي ارجوكم صفقوا."
نيرون ،الإمبراطور الذي أراد أن يغني فوق رماد روما
2025-12-11
307 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن