يكتب منصف المرزوقي حول قيامه بالاتصال بمنظمة العفو الدولية لتحريضها ضدّ النظام الحاكم في تونس، في مناسبتين متباعدتين: مرة سنة 1991 ومرة سنة 2025، وهو يستنتج ويقول كلامًا مفاده أنّ ذلك بسبب الحكّام السيئين الطغاة
أعتقد أن هناك تفسيرًا آخر لما عاشه ولاحظه المرزوقي طيلة عقود
أوّلًا: هناك طرفان في معادلة المغالبة في تونس: السلطة ثم المتغالبون معها. والمرزوقي وصحبه من المجموعات المتصدرة للفعل السياسي، ومنها حركة النهضة وخاصة شقّ الخارج، يتعاملون مع المعادلة بطريقة قاصرة، إذ يتحركون كأنّ المعادلة تضمّ طرفًا واحدًا هو السلطة؛ أي إنهم لم يفكروا في أنّ المشكل وسبب تواصل فشل الفعل السياسي قد يكون موجودًا أيضًا لدى مَن يعارض السلطة، إضافةً إلى وجود جزء منه لدى السلطة الحاكمة
ثانيًا: أرى أنّ سبب الفشل السياسي المتواصل منذ عقود، في أهم أبعاده ومكوّناته، يوجد لدى مَن يعارض السلطة، وهو سببٌ متعدّد المستويات.
فالمشكل يوجد ابتداءً في المشاريع الفكرية للأحزاب، التي تتحرك بفرضية التسليم بتأسيسيات تونس الحديثة في بنيتها وتصميمها وأفق تحركها العقدي والفكري، ممّا يجعل فعل المجموعات السياسية مقتصرًا على المساحة التقنية من تنازع سياسي وحقوقي وحوكمة واقتصاد
وبالمقابل، فإنّ كل التشكيلات السياسية في تونس تُقِرّ بالمركزية العقدية الحالية التي تضبط الفعل في تونس، ويقبلون بعملية التحويل القسري التي حصلت لتونس منذ عقود، من بقايا مركزية إسلامية نحو أفق المركزية الغربية، ويقبلون أن تواصل منظومات التشكيل الذهني، بدوائرها الثلاث: التعليم والتثقيف والإعلام، أدوارَ الترويج لعملية التحويل العقدي تلك
ثالثًا: إنّ اكتفاء المجموعات السياسية بالتحرّك في المستوى التقني من حقوق واقتصاد وتفريعاتها، يحوّلها إلى أدوات لتكريس الواقع والإقناع بفضائل التبعية للغرب
رابعًا: من ضمن أسباب فشل المعارضات وعبثية مجهوداتها طيلة عقود، وتفريعًا عن الفساد المنهجي الناتج عن التسليم بتأسيسيات تونس الحديثة، هو لجوء رموز المعارضة ـ ومنهم المرزوقي نفسه ـ إلى الغرب كي ينصرهم ضدّ النظام الحاكم في البلد (إما من خلال التعامل مع المنظمات الغربية التي هي الوجه الثاني للاجهزة الغربية، أو من خلال الإتصال مباشرة بالمؤسسات الرسمية الغربية)، وهذا خطأ فادح:
1. لأنّ هذا يُضعف شرعية الفعل المعارض ما دام يتعامل مع طرف أجنبي، إذ يُلغي بُعد المبدئية عن الفعل
2. ولأنّ هذا يجعل الفعل المعارض يتحرك في مساحة التبعية للأجنبي، ممّا يكبّله ويحوله إلى ملحقٍ بالغير، وهذا يأكل من رصيد الفاعل السياسي المعارض، لأنه يضيّق مساحة ممكنات الفعل لديه بتحكم الأجنبي في بعضها، ولا يترك له إلا التحرك بما لا يصادم الغرب ومن يدعمه
3. وإذا عرفنا أنّ التشكيلات التونسية المعارضة تتعامل بدرجة أولى مع الدول الغربية ومنظماتها، وعرفنا أنّ تلك الدول هي السبب الأول لخرابنا وهي بمثابة العدوّ الكامن، فإنّ ذلك يجعل قوى المعارضة تلك آليًا في صفّ العدو
خامسًا: حين نعيد النظر في المشاريع الفكرية، وحين نرفض تأسيسيات تونس الحديثة التي فُرضت علينا من خلال منظومات التشكيل الذهني، فإنّ الفعل التقني، أي أساليب المعارضة، سيتغيّر بالضرورة
مع التذكير بأنّ منصف المرزوقي تحديدًا يُعدّ أحد أهم رموز إنتاج العقم السياسي، ومن أبرز مَن يسعى لتثبيت الواقع وتأسيساته، وضمنيًا يمثل واجهة ترويج للنموذجية الغربية ومركزيتها، من خلال اعتماد مصطلحات فضفاضة مثل “القيم الكونية” وتفريعاتها واختزال الفعل التغييري في البعد الحقوقي، وهو الوجه الآخر للقول بوحدانية النموذجية الغربية في أبعادها العقدية العليا التي لا يراجعها المرزوقي وإنما يسلم ضمينا برفعتها ونموذجيتها، وينقل للتونسين تلك المعاني من خلال نشاطه السياسي الذي تحول عمليا لنشاط دعائي للغرب وقيمه
أحد رموز العبث السياسي يتساءل عن دورانه لعقود في المكان نفسه
2025-12-09
847 قراءة
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن