لم تكن تونس يومًا مجرّد بلد صغير يتسكّع على حافة المتوسط. كانت دائمًا ساحةً تُخاض فيها معارك غير مرئية بين إرادات كبرى: دولة تُصارع زمنها، شعب يهرب من خوفه، وسلطة تبحث عن مرآة ترى فيها صورتها كاملة. واليوم، يبدو أنّ البلاد دخلت مرحلة جديدة، مرحلة يسمّيها التاريخ: العودة الناعمة للإكراه الأقصى تلك اللحظة التي يتحوّل فيها القانون إلى قفاز، والمؤسسات إلى ستائر تُخفي خلفها يدًا واحدة تدير المسرح.
إنّ الشعوب التي تتعب، تلك التي أرهقتها الفوضى، تبدأ بالبحث لا عن الحرية، بل عن من يقودها. فتُعيد إنتاج “الرجل القوي” ببطء، كأنه قدر قديم يعود من أسفل الذاكرة. وتونس ليست استثناءً. فمنذ سنوات، والبلاد تتأرجح مثل حصان بريّ بين حلم الجمهورية الاجتماعية التي بَشّر بها بورقيبة، وشهوة النظام الحديدي الذي بناه بن علي، وبينهما وُلدت ثورة لم يفهمها أحد، لا الداخل ولا الخارج، فراحت تتخبط في رمال السياسة مثل سفينة فقدت بوصلة البحر.
اليوم، تتقدّم تونس نحو نموذج هجينيّ: نصفه دولة قانون، ونصفه دولة رجل، ونصفه الآخر وهو الأهم دولة تبحث عن نفسها في مرايا الآخرين. وها هي القوى تُعيد ترتيب نفسها: بيروقراطيات قديمة تخرج من سباتها، أجهزة أمنية تستعيد ثقتها، نخبة سياسية تلبس ثوب الوطنية بعد أن سقط عنها كل شيء إلا شهوة البقاء. الجميع يعود إلى المسرح، كأن البلاد على وشك كتابة دستور جديد، دستور غير مكتوب، يُدوّن في العقول قبل الأوراق: الاستقرار قبل الحرية، والفاعلية قبل المشاركة، والأمن قبل السيادة الفردية.
هذا التحوّل ليس ابن الصدفة. إنه ابن التعب، ابن انهيار الطبقة الوسطى، ابن اقتصاد فقد روحه، وابن شعب اعتقد للحظة أنّ الديمقراطية تُزرع كزهرة، بينما هي في الحقيقة غابة تحتاج إلى قرون لتنمو. ولذلك، يعود “الإكراه الأقصى” مقنّعًا ببدلة رسمية: باسم مكافحة الفساد، أو باسم إعادة هيبة الدولة، أو باسم إنقاذ تونس من الفوضى ومن محاور العالم التي لا تنام.
إنّ العالم اليوم يعيد رسم خرائطه، وتونس في قلب عاصفة جيوسياسية تبتلع من لا يفهم لغتها. أوروبا المتعبة تريد حدودًا آمنة، أفريقيا الجائعة تريد ميناءً وفسحة حياة، الشرق الأوسط يريد أذرعًا جديدة، والبحر المتوسط أصبح مسرحًا للمخابرات أكثر منه مسرحًا للتاريخ. في هذا العالم، تصبح الدول الصغيرة مثل السفن المتهالكة: إن لم تعرف إلى أين تبحر، سيُبحر بها الآخرون.
وهكذا، تدخل تونس مرحلة التهيئة الكبرى: تهيئة الذهن الشعبي لتقبّل “الحاكم الضرورة”، وتهيئة المؤسسات لتعود كما كانت: ثابتة، صلبة، بلا جدل ولا صخب. وكأن التاريخ يقول لها: إن لم تنضجي ديمقراطيًا، فسأنضجك بالقوة.
لكن الخطر الأكبر ليس في عودة الإكراه
بل في عودة الناس إلى طلبه.
حين يطلب الشعب العصا، تتشجّع السلطة على حملها.
وهكذا تبدأ رحلة الانزلاق: بخطاب مطمئن، وإجراءات قوية، ثم قوانين قاسية، ثم صمت كبير وعندها نكتشف أنّنا عدنا إلى نقطة الصفر، لكن بوجوه جديدة، وبنبرة وطنية أعلى، ورغبة جامحة في محو كل ما سبق.
تونس اليوم تقف عند مفترق تاريخي: إمّا أن تُعيد بناء الدولة الوطنية التي حلم بها روّادها، دولة عقل ومؤسسات وسيادة أو تعود إلى حضن الفرد الواحد الذي يختصر الدولة في شخصه، والوطن في ظلّه، والمستقبل في مزاجه.
وما بين الحلم والعودة
يبقى الشعب مثل سيجارة أخيرة في يد رجل متعب، تحترق ببطء، وتُطلق دخانًا كثيفًا، دون أن يعرف أحد إن كان هذا الدخان علامة حياة أم نذير نهاية.
تونس على حافة الإكراه الأقصى
2025-12-07
679 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن