مقالات عن: التعليم

قمم الأبهة و الفنادق الفاخرة

2025-12-05 434 قراءة عماد عيساوي
لم يعد التعليم في تونس مجرّد قطاع، بل أصبح مرآة عارية تكشف هشاشة الدولة نفسها.
أنتم تتحدّثون عن المستقبل وكأنّه ضيف يصل غدًا بالطائرة، بينما مدارس الداخل ما تزال تعيش في العام 1975، بمخابر فارغة كأرفف دكاكين مهجورة، وبمعلّمين يحاولون صناعة العلم من الطباشير والغبار، وكأنّ المعرفة لا تحتاج إلاّ إلى الصبر والخيال.
ماذا تفعل دولة حين يصبح خيال التلميذ أقوى من مختبر الوزارة؟
وحين يصبح مستقبل البلاد مرهونًا بكرّاس قديم وخريطة تعود لسبعينيات القرن الماضي؟
وحين تصبح كلمة "تكنولوجيا" مجرّد شعار يُرفع في نشرة أخبار، لا يشبه شيئًا مما هو موجود في الواقع؟

ثمّ يظهرون على التلفاز، ببدلات حريرية، يتحدّثون عن “قمة الذكاء الاصطناعي” بينما المتحدثون أنفسهم تخطّى عمرهم السبعين.
أي مفارقة هذه!!!!!!!!!!!!!!!؟
تُصنع قمّة عن المستقبل بوجوه ظلت حبيسة الماضي؟
بأي منطق يتحدّث من لم يمسك في حياته بطاقة Arduino، عن الثورة الرقمية؟
كيف يناقش الذكاء الاصطناعي من لم يكتب في حياته سطرًا في لغة برمجة؟ وكيف تقام مؤتمرات التحديث في نزل 5 نجوم بنظام pension complète، كأنّ الإصلاح يحتاج إلى بوفيهات مفتوحة أكثر مما يحتاج إلى مختبرات في مدارس القيروان وسيدي بوزيد وقفصة؟

يُغنّون ليل نهار بمجانية التعليم.
ولكن أي مجانية؟
التعليم المجّاني لم يعد مجّانيًا منذ اللحظة التي أصبحت فيها مصاريف الدروس الخاصة تفوق ميزانية وزارة التربية نفسها.
صار التلميذ رهينة السوق وليس المتعلم الذي تعده الدولة ليُصبح مواطنًا قادرًا على الإنتاج.
صار العلم يُشترى في الليالي، لا يُكتسب في الفصول.
صار التلميذ يدفع فاتورة العجز السياسي يوميًا، والدولة تتصرّف وكأنّ المشكلة في التلميذ لا في المنظومة.

وأنتم ترفعون شعار "تحديث المدرسة"، لكن بأي أدوات؟
بأي قوانين؟ بأي أدمغة؟
لم تُصدروا يومًا تشريعًا واحدًا يعفي المتبرعين من المعاليم الجمركية لمن يجلب تجهيزات رقمية للمدارس.
لم تضعوا إجراءات تشجّع على نقل مختبرات STEM إلى المدارس العمومية.
لم تمنحوا حوافز ضريبية لمن يقتني روبوتات تعليمية أو طابعات ثلاثية الأبعاد للنوادي العلمية.
لم توفّروا حتى إطارًا تنظيميًا يشجع شركات التكنولوجيا أن تتبنى مدارس، أو جامعات، أو مسارات تكوين حديثة.
بل بالعكس، تضخون مليارات في شركات أهلية لا أثر لها على المعرفة، ولا على التشغيل، ولا على العلماء الصغار الذين ينشأون اليوم في أقسام باردة تتساقط جدرانها كما تتساقط أحلامهم.
أنتم تتحدثون عن مدينة العلوم في العاصمة، وكأنّ البلاد كلها محصورة في شارع محمد الخامس.
ماذا عن بقية الولايات؟ !!!!؟؟؟؟؟
ماذا عن أطفال جندوبة والكاف و فصة و توزر الذين لم تطأ أقدامهم قاعة محاكاة رقمية واحدة؟
ماذا عن ولايات بأكملها لم ترَ ميكروسكوبًا حديثًا منذ عقود؟ كيف نطالب شابًا في الشمال الغربي أن ينافس تلميذ سنغافورة، وهو يدرس العلوم دون مختبر، والرقمنة دون حاسوب، واللغات دون محتوى تفاعلي، والجغرافيا بخريطة صفراء فقدت ألوانها؟
أليس هذا ضربًا من السخرية القاسية؟!!؟؟؟
ألم يحن الوقت لنقول الحقيقة التي تهربون منها؟
أن التعليم في تونس لم يعد متخلّفًا بل مُهمّشًا ومُهملًا ومُستنزفًا.
أرقام البنك الدولي تقول إنّ معدل الاستثمار في تكنولوجيا التعليم في دول منظمة OECD يصل إلى 8.5% من ميزانية التعليم.
أما تونس فتكاد تلامس 0.7%. والفارق ليس رقمًا، الفارق مستقبل،الفارق قدرة على المنافسة.
في فنلندا، كل تلميذ يجري سنويًا ما بين 25 و30 تجربة علمية في مختبر مدرسي مجهّز.
في تونس، هناك آلاف التلاميذ الذين ينهون مرحلة الإعدادي دون أن يلمسوا أنبوب اختبار واحد.
في كوريا الجنوبية، يتلقى التلميذ منذ الابتدائي تكوينًا في البرمجة والروبوتيك.
في تونس، عدد المدارس التي تمتلك نوادي روبوتيك لا يصل حتى إلى 1%
هذا ليس ضعفًا هذا نزيف.
وفي الفلسفة، تدرّس جامعات العالم فلاسفة معاصرين غيّروا التفكير الإنساني زيجمانت باومان، هابرماس، فوكو، تشومسكي، هاراري بينما نحن ما زلنا ندرّس نصوصًا أكل عليها الدهر، ونعتبرها سقف الفكر.
في الاقتصاد، يدرسون اقتصاد الثورة الرقمية، واقتصاد البيانات، واقتصاد المعرفة، واقتصاد المنصّات، بينما نحن ندرّس “العرض والطلب” بنفس الطريقة التي كانت تُدرّس بها عام1973
والأدهى من ذلك أنّ هذه المناهج تُعطى في قاعات بلا أجهزة عرض ولا موارد رقمية، وكأنّ الاقتصاد علم يُفهم بالطباشير فقط.
أما في الإنجليزية، فالنتيجة صارخة، نسبة التلاميذ الذين يصلون مستوى B1 بعد الباكالوريا لا تتجاوز 12% حسب الإحصائيات، مقارنة بـ 63% في المغرب و 78% في تركيا. ومع ذلك نقول إنّ المشكلة “ثقافية” أو “نفسية”، بينما المشكل الحقيقي هو مناهج صُممت لتجعل اللغة تخيف الجبال، لا التلاميذ فقط.
كيف تطلبون من تلميذ أن يحب العلوم وهو يتعلم الكيمياء عبر حفظ النصوص؟
كيف تطلبون منه أن يثق بالمدرسة وهو يرى أن صناع القرار أنفسهم لا يثقون بها، فيرسلون أبناءهم إلى مدارس خاصة أو بعثات أجنبية؟
كيف تطلبون منه أن يحلم بوظيفة عالم أو مهندس وهو لم يجر تجربة علمية واحدة طوال العام؟
يا سادة لقد حان الوقت لقول ما يجب قوله.
إنّ التعليم اليوم ليس فقط يحتاج إصلاحًا، بل يحتاج ثورة. يحتاج قطيعة كاملة مع الذين يعتقدون أنّ المستقبل يبدأ بعد التقاعد.
يحتاج أدمغة جديدة، جيلًا جديدًا، أدوات جديدة، قوانين جديدة.
يحتاج دولة تعرف معنى أنّ مختبرًا واحدًا أهم من مئة مؤتمر، وأنّ تلميذًا واحدًا مجهّزًا أفضل من ألف تصريح وزاري، وأنّ مستقبل البلاد يُبنى في الفصل، لا في الصالونات الوثيرة ولا في الندوات الفندقية التي تحولت إلى صناعة قائمة بذاتها.
إنّ الدول التي سبقتنا لم تكن أغنى بل كانت أجرأ و كانت تمتلك شجاعة الاعتراف بأنّ التعليم لم يعد طقوسًا بل تكنولوجيا.
لم يعد تكرار دروس بل تشغيل عقول.
لم يعد حفظًا بل ابتكارًا.
أما نحن فندقنا إلى الوراء، وتركنا أبناءنا يتعلمون في مدارس تشبه متاحف التعليم، لا مؤسساته.
يا سادة هذا ليس خطابًا عن التعليم فقط ،هذا تحذير لأنّ الأمم لا تنهار حين تفقد ثرواتها، بل حين تفقد قدرتها على إنتاج المعرفة.
وما لم نفعل ذلك اليوم فلن يكون الغد ملكًا لنا.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق