العياشي الهمامي ليس مجرد اسم في سجل النضال التونسي، بل هو حالة سياسية وأخلاقية تشكّلت عبر عقود من المواجهة الهادئة والصلبة مع كل أشكال الانتهاكات. هو رجلٌ لم يعرف الانحياز المسبق ولا الانتماء الأعمى، ولم يكن يوماً صدى لأي جهة أو أداة في يد أي قوة. بنى حضوره من صدقه قبل مهارته، ومن مبدئيته قبل موقعه، فصار عنواناً لنمط نادر من المعارضين الذين لا تتغير بوصلتهم بتغيّر الحكومات ولا تتبدل مواقفهم بتبدل المزاج العام. وفي اللحظة التي اعتُقل فيها، بدا المشهد أكبر من مجرد إجراء قضائي، لأن أثر الرجل يتجاوز شخصه ليطال رمزية عميقة في الوعي السياسي التونسي.
لقد كان الهمامي، طوال سنوات طويلة، صوتاً لا يفرز التونسيين وفق أيديولوجياتهم بل وفق ما يتعرضون له من ظلم أو تجاوز. كان يدافع عن الإسلاميين عندما تُنتهك حقوقهم، ويقف إلى جانب اليساريين إذا تعرضوا للهرسلة، ويناصر القضاة والصحفيين والطلبة والنقابيين دون أن يسألهم عن هويتهم الفكرية. كانت بوصلته واحدة ,هل وقع ظلم؟ هل حصل اعتداء على القانون؟ هل انحرفت السلطة عن دورها؟ وإذا كانت الإجابة نعم، كان صوته يتقدم الصفوف دون تردد، ودون خوف، ودون حسابات ربح وخسارة. وهذا بالضبط ما جعل اعتقاله اليوم حدثاً ليس عابراً، بل عميق الدلالة.
السلطة في كل عصر تبحث عن معارضة يمكن احتواؤها أو إدارتها أو تطويعها، معارضة تُصنع على مقاس اللحظة، وتعرف حدودها جيداً. لكن العياشي كان دائماً حالة عصية على التدجين، رجلٌ يعرف أن استقلاليته هي رأس ماله وأن صدقه هو مصدر قوته. لم يكن قابلًا للبيع، ولا قابلًا للمساومة، ولا قابلاً لأن يتحول إلى مجرد ورقة في لعبة سياسية أكبر منه. ولذلك، فإن اعتقاله ليس مجرد تنفيذ لحكم أو إجراء قانوني، بل محاولة لتأديب نموذج مختلف، نموذج لا يركع للسلطة ولا يخشى الاصطفافات ولا يساوم على مبادئه.
تاريخ الهمامي نفسه يجعل من هذا الاعتقال رسالة خطيرة. فقد ناضل الرجل من أجل استقلال القضاء حتى في أشد اللحظات قسوة، وانتصر لحرية الصحافة رغم موجات التشويه والتحريض، ودافع عن حقوق القضاة والمحامين والمواطنين حين كان الجميع يتردد. كان حضوره دائماً داخل الفضاء العام حضوراً نابعاً من يقين أن الدولة لا يمكن أن تكتمل إلا بقانون عادل، وأن الحرية ليست امتيازاً تمنحه السلطة بل حقاً أصيلاً لا يجوز المساس به. واليوم، يجد نفسه في مواجهة آلة قضائية وسياسية لم يستسلم لها يوماً، وكأن التاريخ أراد أن يختبر صلابته مرة أخرى، وأن يضع مبادئه أمام امتحان جديد.
إن اعتقال العياشي الهمامي يعكس توتراً عميقاً بين السلطة والنخب المستقلة. فهو يكشف هشاشة اللحظة السياسية في تونس، ويطرح سؤالاً كبيراً حول مدى قدرة الدولة على تحمل الأصوات الحرة، ويعيد فتح النقاش حول مستقبل الحقوق والحريات. فحين يُعتقل رجل بهذه الرمزية، فإن القضية تتجاوز شخصه لتطال طبيعة المسار الذي تسير فيه البلاد. هل نحن بصدد دولة قانون تعالج الخلاف بحوار ناضج؟ أم بصدد دولة تُضيّق على من يعبرون عن رأيهم بوضوح؟ هذه الأسئلة تصبح أكثر إلحاحاً حين يكون المعتقل شخصية قضت حياتها في الدفاع عن استقلال القضاء ذاته.
ولعل المفارقة أن الرجل الذي طالما دافع عن الدولة العادلة يجد نفسه اليوم داخل السجون التي كان يأمل دائماً أن تُحمى من التوظيف السياسي. لكن هذه المفارقة ليست علامة ضعف، بل دليل على قوة رمزيته. فالأفكار التي يمثلها الهمامي لا يمكن اعتقالها، بل ربما يتعزز حضورها أكثر مع كل محاولة لإخمادها. فالتاريخ يثبت أن الرجال الذين يقفون على مبادئهم لا تُطفئهم الزنازين، بل تُعيد صياغة حضورهم في الوعي العام، وتجعلهم أكثر وزناً وتأثيراً.
العياشي الهمامي اليوم ليس مجرد معارض آخر دخل دائرة الاستهداف. هو صوت يمثل جيلاً كاملاً من المدافعين عن دولة القانون، ورمزٌ لخطّ نادر يقوم على النزاهة والصدق والصلابة الأخلاقية. واعتقاله ليس حدثاً إخبارياً يُروى، بل علامة على أزمة سياسية تتغذى من تضييق الفضاء العام. وفي لحظات كهذه، يصبح الدفاع عن الرجل دفاعاً عن قيمة أكبر منه, قيمة الحرية، قيمة استقلال الفكر، وقيمة الوطن حين يكون أكبر من السلطة وأوسع من الخوف.
العياشي الهمامي..حين يتحول الصدق إلى جريمة سياسية
2025-12-03
812 قراءة
محمد علي العقربي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن