مقالات عن: فوزي مسعود

رفض الدين هو دين آخر، ورفض التناول الاخلاقي هو تقييم أخلاقي آخر: خطر معارف الإنسانيات

2025-11-21 1358 قراءة فوزي مسعود
1
القول برفض التناول الأخلاقي للفن، هو في حقيقته تناولٌ أخلاقيٌّ آخرُ متعالٍ يُعتمَد كمسطرة، ثم تُرفَض من خلالها زاويةٌ أخلاقية أخرى

أي إنّ القول برفض التناول الأخلاقي هو تناولٌ أخلاقيٌّ أيضًا، ولا يوجد عقليًا ما يجعل زاوية أحدهم أكثر ترجيحًا من زاوية تناول الآخر، فثبت أنّه رفضٌ لا قيمة عقلية له

والقول باستبعاد الدين من أن يضبط الواقع، هو في حقيقته اعتمادُ تصوّرٍ عقديٍّ آخر، أي نوعٌ من التدين، كمسطرة لتقييم درجة وزاوية تديّن الغير

أي إنّ القول برفض الدين الإسلامي في ضبط الواقع، هو دعوة إلى تصوّر عقديٍّ آخر لضبط الواقع، ولا يوجد مرجح يجعل تديّن أحدهم أكثر ترجيحًا من تديّن الآخر، فثبت أنّ رفض الدين لا قيمة عقلية له

والذي يقول باعتماد الديكولونيالية كتأطير معرفي لرفض الغرب وهيمنته، هو في الحقيقة لا يرفض الغرب وهيمنته، وإنما يعتمد بعض ذلك الغرب لرفض بعضه الآخر (يتم اعتماد بعض تفريعات الفكر اليساري كمنطلق، وغيرها من التصورات التي لا ترفض النموذجية الغربية وإنما ترفض بعض عيناتها مثل العولمة أو مركزيتها الفجّة)

فهذا التوجّه والمسار المعرفي (وليس الفكري، ولو كان فكرًا لما كان هناك انضمامٌ وتبعيةٌ له) هو تكريس لسيادة المركزية الغربية من خلال إدامة الدوران حولها وحول تحقيباتها مثل: الحداثة وما بعد الحداثة

ولكن لم يُطرح السؤال: لماذا أصلًا هذا الإلزام بهذه التحقيبات؟ قد يكون بعض سبب ذلك أنّه لا يوجد تفكير، وإنما هو عملٌ معرفيّ، أي تبعية ذهنية للغالب المؤسِّس للفكرة

ترويج هذه المغالطات يتمّ من خلال معارف الإنسانيات التي تُدرَّس في الجامعات، والتي تمثّل عمليًا مقراتٍ للإقناع بالنموذجية الغربية تحت عناوين من مثل مهمّات تدريس العلوم الإنسانية. وتُقام لذلك "الندوات العلمية" حول الثقافة والفن والدين والديكولونيالية، ويتمّ التسليم بالخلل التصوّري لتلك المفاهيم بفعل سببٍ أوّلي، وهو أنّ مستهلكي المعارف من مُدرّسين وطلبة لا يُسائلون تلك المعارف، وإنما يتعاملون معها بمعنى وجوب استيعابها لا مساءلتها

لذلك، فهذه المعارف في حقل الإنسانيات تحمل خطر تحويلها إلى وثنيّات، واحتمالية نشوء سلفيّات معرفية تشبه السلفيّات الدينية

وهذا يحوّل الجامعات ومراكزها البحثية إلى مقرات عقيمة ومتكلّسة تروّج لمعارف الإنسانيات بل لمغالطات كما ذكرتُ في أول كلامي، لكن يتم تضخيمها وتقديسها بسبب غياب التعامل الفكري معها

وهنا يُطرَح خطر معارف الإنسانيات، والسؤال: هل إنّ ذلك الخطر يوجد في المحتوى المعرفي أم في المنهج المعتمد في التعامل مع الإنسانيات وطريقة تدريسها؟

وبعض مصاديق هذا الكلام أنّ جامعات الإنسانيات بتونس مثلًا لم تُخرِج لنا مفكّرين يُسائلون الواقع وتأسيساته، وإنما رجال معرفة، أي نماذج من "شات جي بي تي"

--------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود

التعليقات والردود

1
عادل
2025-11-23
الدين والعقيدة
كلام مهم

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق