لن أطيل في المجاملات، فالسياحة في تونس اليوم ليست قطاعاً عادياً، بل قطاعاً حرجاً يقف على عتبة خسارة تاريخه ومستقبله معاً. ومن موقعي كباحث ، أقول لكم بوضوح: نحن لا نعيش أزمة عابرة، بل أزمة فلسفة، أزمة رؤية، أزمة دولة اختزلت السياحة في “غرف” ونسيت “الوجهة”.
كيف يمكن لبلد بحجم تونس، بتاريخها، بصحرائها، بتراثها، بمدنها العتيقة، بعمقها المتوسطّي، أن يتحوّل إلى مجرد “حقل تجارب لنموذج سياحي فاشل”؟
كيف تُترك هوية البلاد بين يدي منظومة All Inclusive التي تعيش على مفهوم واحد: حجز السائح داخل فندق وعزل البلد عنه؟
السياحة تُبنى على “التجربة”، لا على “الغرفة”.
على “الاكتشاف”، لا على “الاستهلاك”.
على “التفاعل مع المجتمع”، لا على “العزلة”.
والحقيقة أن نموذجنا الحالي دمّر أربعة أعمدة رئيسية:
الأول: الاقتصاد المحلي الذي يعيش خارج الفنادق.
الثاني: الحرفيون والصناعات التقليدية الذين أصبحوا ينتجون جميلًا لا يراه أحد.
الثالث: المدن التي تحوّلت من وجهات حية إلى واجهات صامتة.
الرابع: المنتوج السياحي التونسي الذي لم يتطور منذ عشرين عاماً.
إنّ بنية القطاع اليوم لا تنتج قيمة، بل تخلق تبعية.
تستورد الطعام، تستورد الترفيه، تستورد الإدارة، وتُصدر العملة الصعبة.
وبينما يربح المزوّدون الأجانب وتنتعش الشركات الأوروبية، يبقى التونسي حرفياً وحرفياً آخر من يستفيد:
تونس اليوم لا تبيع منتوجاً سياحياً… بل تبيع “سعر غرفة”.
بينما الدول الناجحة تبيع قصة، تجربة، ذاكرة، معنى.
المغرب يبيع مدينة: مراكش.
تركيا تبيع هوية كاملة: حمّامات، مطبخ، أسواق، تاريخ.
المكسيك تبيع رؤية: التنوع والاحتفالات والروح اللاتينية.
أما نحن، فما زلنا نبيع “إقامة مع فطور”.
هذا ليس اقتصاداً… هذا انتحار تدريجي.
ولذلك، أدعوكم إلى إعادة بناء السياحة التونسية من الأساس عبر خطة تتعامل مع القطاع كبنية استراتيجية، لا كصيفٍ وموسم:
أولاً: إيقاف نزيف الصناعات التقليدية
– فرض شراكات ملزمة بين الفنادق والحرفيين.
– تحويل اللوبيات، المدن العتيقة، وأسواق الصناعات التقليدية إلى “محطات رسمية” ضمن المسارات السياحية.
– إنشاء شهادات جودة للحرف التونسية لرفع قيمتها العالمية.
الحرفي ليس بائع تذكارات… الحرفي هو “حامل هوية”، وبدونه لا منتوج ولا ذاكرة.
ثانياً: خلق منتوجات سياحية موضوعاتية جديدة
– السياحة الذوّاقة (Gastronomy Tourism) وإحياء المطبخ التونسي كقيمة عالمية.
– السياحة الثقافية المرتبطة بالموسيقى والسينما والفرجانات.
– منتوج “تونس الصحراء” كوجهة عالمية مستقلة.
– السياحة العلاجية والرفاهية (Wellness) بتوظيف العلاج بالمياه الساخنة، الأعشاب، والزيوت المحلية.
– السياحة الرياضية وسياحة الاستكشاف والمغامرة.
الدول التي تكسب اليوم ليست تلك التي تبني فنادق، بل تلك التي تبني منتوجات.
ثالثاً: تحييد احتكار الـ All Inclusive
– تحديد مناطق يسمح فيها ونقاط تمنع فيها.
– فرض إلزامية “نسبة خروج” للسائح: على الأقل 30 من النزلاء يجب أن يزوروا المدينة عبر شراكات مع مرشدين، أسواق، مطاعم، وحرفيين.
– فرض نسبة من مشتريات الفنادق تكون من منتجات تونسية حقيقية (لا مقلدة ولا مستوردة).
رابعاً: تحويل المدن إلى وجهات
تونس ليست سواحل فقط.
سوسة يجب أن تصبح مدينة آثار وحرف بحرية،
نابل عاصمة الفخار والزليج،
مدنين بوابة الجنوب،
توزر مزرعة نخيل عالمية ومتحف للصحراء،
القيروان عاصمة للتراث الديني والفنون الإسلامية.
هذا ليس حلماً؛ هذه صناعة قائمة في دول كثيرة.
خامساً: إعادة هندسة المسارات السياحية
من العبث أن يأتي السائح إلى تونس ولا يرى المدينة العتيقة في تونس، أو أسواق نابل، أو قصور مطماطة، أو جربة العتيقة.
يجب خلق “جسور” بين المنتجعات وبين المدن… وإلاّ ستظل السياحة محاصرة داخل الإسمنت.
سادساً: الاستثمار في الترفيه والثقافة
لا سياحة بلا موسيقى، بلا مسارح، بلا مهرجانات، بلا حياة ليلية مصقولة، بلا عروض تُباع.
السائح لا يعود من أجل الفندق… يعود من أجل التجربة الإنسانية.
سابعاً: إنشاء وكالة وطنية للابتكار السياحي
مهمتها: تطوير المنتج، تدريب الفاعلين، مراقبة الجودة، وابتكار أفكار تنافسية مثل “القرى الحرفية”، “الأسواق المفتوحة”، “الطريق المتوسطية للطهي”، “طريق الزيت”، وغيرها.
السياحة ليست علماً بسيطاً… هي هندسة نفسية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، وسياسية.
والدول التي فهمت قيمتها حوّلتها إلى أداة نفوذ قبل أن تكون أداة مال.
انظروا إلى تركيا: الترفيه هو دبلوماسية.
انظروا إلى المغرب: الحرف هو قوة ناعمة.
انظروا إلى المكسيك: التنوع هو ماركة مسجّلة.
وانظروا إلى تونس: كل شيء موجود… إلا القرار.
لدينا كنز اسمه تونس… لكنه مدفون تحت “نموذج سياحي فقير”.
ومهمّتكم اليوم هي رفع الغطاء عن هذا الكنز، لا ترقيع الخيمة.
وأقولها بلا تردد:
السياحة التونسية لن تنهض بفنادق جديدة، بل بفكرة جديدة.
لن تنهض بزيادة عدد الغرف، بل بزيادة عدد القصص التي ترويها تونس للعالم.
ولن تنهض إذا بقي السائح يزور الفندق… ولا يزور الوطن.
أزمة دولة اختزلت السياحة في “غرف” ونسيت “الوجهة
2025-11-16
525 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن