في اللحظات التي ينهار فيها جدار الحضارة من الداخل، لا ينقذه أبناء قصوره، بل ينقذه رجل يأتي من الخارج… من الأطراف. الأطراف التي يحتقرها المركز وهو لا يعرف أنها خزّان النجاة كلما تعطلت الدولة. هكذا ظهر شيشناق: رجل خرج من تونس قبل أن تُسمّى تونس، من أرض لم تكن صحراء كما يتوهم الجهّال، بل كانت فسيفساء من الواحات الخصبة والمدن القديمة، من قفصة التي كانت مركز استقرار بشري وزراعي، ومن تخوم تبستي التي امتدّت فيها قبائل المشواش كأذرع لزمن جديد سيولد ضد إرادة التاريخ.
تونس لم تكن يومًا “صغيرة” كما يرغب البعض في تصغيرها.
تونس كانت وما زالت عقدة جغرافية، منصّة حضارات، وجسرًا بين المتوسط والصحراء الكبرى.
بلدٌ تصنعه الجغرافيا لتكون أصغر من أن تُحتل، وأكبر من أن تتجاهل.
بلد أنتج حنبعل، وماسينيسا، ويوغرطة، وشيشناق… ولا يزال قادرًا على إنتاج ما لا تتوقعه الخرائط.
خرج شيشناق من رحم المشواش، قبيلة تُشبه الريح: لا تنتمي إلا للمسار الذي ترسمه.
لم يأتِ إلى مصر بخيول الجراد، بل بحكمة رجل يعرف أن الدولة تسقط حين يضعف عقلها.
ومصر يومها كانت متورّمة: دولة ضخمة، متعبة، غارقة في الطقوس، محكومة بكهنة يرون أنفسهم آلهة، وبملوك يرون أنفسهم ظلالًا لملوك مضوا. دولة بلا يقين… بلا مشروع… بلا قائد.
شيشناق دخل مصر كعالم اجتماع لم يتعلم في جامعة، وكخبير دولة لم يتخرّج من معهد. فهم ببساطة ما لم يفهمه الملوك:
أن الشرعية مثل النهر… إذا ركدت نتنت.
وأن الدولة مثل الجسد… إذا تضخمت ماتت من سوء التغذية التاريخية.
وأن الحكم ليس نسبًا، بل قدرة على إعادة ترتيب القوى حين تنفلت.
أعاد الرجل توزيع السلطة، خفّض منسوب الكهنوت، أعاد الجيش إلى وظيفته، وقصّ أجنحة نخبة كانت تعتقد أن مصر ملكية خاصة لها. ثم صعد إلى العرش في عام 945 قبل الميلاد مؤسسًا الأسرة الثانية والعشرين. لم يزعم أنه مصري، ولم يتنكر لأصله، بل كتب نسبه على جدران الكرنك بثقة ملك يعرف أن الأرض لا تنجب الملوك… بل الأزمات هي التي تنجبهم.
لكن الأهم ليس ما فعله، بل ما تكشفه سيرته عن علاقة تونس بمصر.
العلاقة بينهما ليست علاقة “كبير وصغير”، بل علاقة مركز ثقيل وهامش ذكي.
مصر دولة نهر، دولة قوة عارية، دولة تستمد عظمتها من كتلتها البشرية وجيشها.
وتونس دولة فكرة، دولة مفترق طرق، دولة تُنتج رجالًا أكبر من جغرافيتها.
وحين تنهار مصر، لا يعيدها أبناؤها… بل يعيدها الغرب.
الغرب التونسي، لا الأوروبي.
الغرب الذي يجمع بين الصحراء والبحر، بين الانضباط والخيال، بين القبيلة والدولة.
هذه الحقيقة التي يخشاها الجميع، والتي لا تُقال في المدارس ولا في الإعلام، لكنها مسجّلة على جدران الكرنك بحجم تاريخ لا يكذب.
واليوم؟
اليوم نحن نعيش المشهد ذاته، بأسماء جديدة، وخرائط تتظاهر بأنها ثابتة.
مصر تبحث عن يقين في زمن يسقط فيه اليقين.
وتونس تبحث عن دولة في زمن تتساقط فيه الدول حولها.
ومع ذلك، يخطئ من يظن أن تونس هامش… ويخطئ أكثر من يظن أن مصر ما زالت مركزًا مطلقًا.
إن الفراغ العربي الذي نعيشه اليوم يشبه الفراغ الذي سبق صعود شيشناق:
نخب متعفّنة، شرعية متآكلة، مؤسسات أضخم من وظائفها، إعلام يتحول إلى كهنوت جديد، وجيوش تبحث عن “مشرّع” سياسي بعدما سقطت الشرعية في يد البيروقراطية.
الشرق اليوم يحتاج إلى رجل من الأطراف… وليس من المركز.
رجل يأتي من مكان لا يخاف منه أحد. من بلد يُستهان به، لكنه يُفكّر أكثر مما يتكلم.
قصة شيشناق ليست حكاية ملك أمازيغي… بل جملة اعتراضية في تاريخ الشرق:
حين يشيخ المركز، ينهض الهامش.
حين يسقط النيل، تنهض الواحات.
وحين تصمت القصور، تتكلم تونس.
ولعل التاريخ يهمس هذه الأيام:
إن الشرق العربي، بأزماته الحالية، ينتظر "شيشناقًا جديدًا".
لكن السؤال الذي يرعب الجميع هو:
من سيكون؟
ومن أي أرضٍ سيأتي؟
ومن سيحتمل صدمة الحقيقة حين يكتشف أن الخلاص كما في كل مرة قد يأتي من الغرب، لا من النيل؟
هذا هو الدرس الذي لا تريد الأنظمة سماعه… ولا يريد المؤرخون الاعتراف به.
لكن التاريخ، مثل الصحراء، لا يرحم من ينسى قوانينه.
الملك شيشناق
2025-11-14
813 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن