مقالات عن: قرطاج

إيميلسي

2025-11-13 616 قراءة عماد عيساوي
في زمنٍ كان العالم يُكتب بالسيوف، وتُرسم الخرائط على أجساد الملوك، كانت قرطاج وروما كإلهين متنازعين على قَدَر البحر. كل واحدةٍ منهما ترى في الأخرى مرآتها المشوّهة.
هناك، على تخوم أيبيريا القديمة (إسبانيا والبرتغال الحالية)، حيث الفضة تسيل من الجبال كما يسيل الدم من خاصرة التاريخ، وُلدت امرأةٌ من ذهبٍ ودمٍ اسمها إيميلسي أو كما كان البونيقيون يسمونها: هين-ملكيرت، أي "ربيبة الإله ملكارت
كانت أميرة من كاستولو ، مدينة محصّنة في قلب أوريتانيا / إسبانيا الحالية، حيث الجبال تقف مثل حُرّاسٍ غامضين بين البحر والصحراء.
لم تكن مجرد امرأةٍ جميلة من سلالة نبيلة، بل كانت، كما أرادها القدر، جسرًا بين حضارتين: الأيبيرية والقرطاجية.
زواجها من حنبعل برقا لم يكن ثمرة عشقٍ عابر، بل ميثاقًا من نارٍ ودم، عقدته السياسة وباركته الآلهة، ليصير حجر الأساس في التحالف الذي مكّن قرطاج من بسط نفوذها على أيبيريا (إسبانيا والبرتغال حاليًا) قبل أن تزحف بجيوشها نحو إيطاليا عبر جبال الألب.
لكن التاريخ لا يُكتب بالحب وحده. فكل زواجٍ سياسي يحمل في جوفه بذرة التراجيديا.
حنبعل كان يحلم بروما، لا بامرأة.
وإيميلسي كانت تعرف ذلك.

في النصوص القديمة، لا نجد سوى شظايا عنها، كأنها مرّت كعطرٍ في التاريخ، لا كجسدٍ من لحمٍ ودم.
المؤرخ تيتوس ليفي لم يذكر اسمها حتى، اكتفى بأن يقول: “زوجة حنبعل كانت من كاستولو.”
أما الشاعر اللاتيني سيليوس إيتاليكوس صاحب الملاحم التي خلدت الحرب البونيقية، فهو من أعطاها اسمها وصوتها ودمعتها.
هو من جعلها تتكلم، وتبكي، وتتمرد، وتقبل، ثم تختفي.
يقول إنها كانت من نسلٍ نبيل، وإنها رافقت زوجها إلى قادس (Gades / Cdiz الحالية في جنوب إسبانيا) لتزور معه معبد ملكارت ، الإله الفينيقي الذي رافق السفن من صور وصيدا (Tyre & Sidon / لبنان الحالية) إلى قرطاج فـإسبانيا.
كانت الزيارة طقسًا مقدسًا قبل الحرب، لكن خلف الطقوس كان الخوف يرفرف كطائرٍ أسودٍ فوق قلب المرأة.
كانت تشعر أن تلك الرحلة إلى المعبد ليست إلا وداعًا طويلًا.
وعندما طلب منها حنبعل أن تبقى في قادس مع ابنهما، أدركت أن الرجل الذي أحبّته لا يعود من حروبه أبدًا.
قالت له كما نقلها الشاعر:

“هل ترفض أن أرافقك؟ هل نسيت أن نجاتنا واحدة؟
ثق في قوة المرأة، فإن التعب لا يكسر الحب الصادق.”

لكن حنبعل، المجبول من صخرٍ وتاريخ، لم يكن يعرف أن يُحب إلا كما يقاتل: بعقله.
تركها هناك، كوديعةٍ عند الإلهة، ومضى نحو مصيره، نحو جبال الألب، نحو أسطورته.

ثم تأتي المأساة.
بعد رحيل حنبعل، تغيرت أيبيريا . تكسّرت التحالفات كما تتكسر الأواني القديمة، وسقطت المدن التي كانت تسبّح باسم قرطاج في أحضان روما .
تقول الروايات إن الطاعون ضرب كاستولو ، وإن إيميلسي وطفلها هاسدار ماتا في ذلك الوباء.
لكن رواية أخرى أكثر إثارة وأقرب إلى ظلال الميثولوجيا القرطاجية تقول إن هاسدار لم يمت.
بل نُقل سرًّا عبر البحر إلى جزيرة سردينيا ومنها إلى قوريني (Cyrene / ليبيا الحالية) حيث كانت المستعمرات القرطاجية القديمة.
وهناك، في الصحراء الليبية، تربّى على يد كهنة بونيقيين هاربين من بطش روما.
تقول تلك الرواية الغامضة، التي تناقلها بعض الكتّاب في العصر الوسيط، إن هاسدار بن حنبعل تزوّج لاحقًا من امرأة من قبائل الليبو أمازيغ (شمال إفريقيا الحالية)، وأن نسله استمر في الساحل الإفريقي حتى القرن الأول قبل الميلاد.
ومن هناك، امتزج الدم البونيقي بالأمازيغي، ليتحوّل إرث قرطاج في الجينات كما تحوّل في اللغة والعمارة والعقل.
هكذا، لم يمت حنبعل، بل انصهر في الذاكرة الجينية لشعوب المغرب الكبير، حتى صار كل طفلٍ يحمل بعضًا من عناده، وبعضًا من حزن إيميلسي.

خلف كل هذا الرماد، تبقى إيميلسي رمزًا لما كانت عليه قرطاج في لحظاتها الأخيرة:
حضارةٌ أنيقة تموت بصمت، وامرأةٌ نبيلة تعيش التمزق بين الولاء والحب.
لم تكن مجرد "زوجة حنبعل"، بل كانت دبلوماسية قبل أن تُولد الدبلوماسية، وجسرًا بين عالمين كانا على وشك الالتهام.
من خلالها دخل القرطاجيون قلب أيبيريا ، ومن خلالها فهم حنبعل لغتهم، وعقيدتهم، ونبضهم، فقاتلوا معه حتى عبر جبال الألب نحو روما .
وحين انهزمت قرطاج ، خانت كاستولو العهد. انحازت إلى روما، كما تنحاز الشعوب عادة إلى المنتصر.
وهكذا اختفت الأميرة بين رماد مدينتها، كأنها دفنت مع شرفها وتاريخها في التراب.

إيميلسي ليست مجرد اسمٍ في الهامش. إنها تذكير بأن النساء، في العصور القديمة، كنّ أكثر من أدواتٍ للزواج أو التحالف. كنّ لغةً للسياسة، وجسرًا للسلام، وأحيانًا وقودًا للحرب.
لقد كانت شاهدةً على زمنٍ كانت فيه قرطاج تزرع أبناءها في كل شاطئ من سواحل المتوسط، وكانت روما تحفر قبرها ببطء في قلب العالم القديم.
ولعل أجمل ما في قصتها أنها لم تُكتب من فمها.
نحن نعرفها فقط من خلال عيون الرجال المؤرخين والشعراء ومع ذلك، نجحت في أن تترك أثرها، كظلٍّ أنثويٍّ ملوّث برائحة البخور والدم، على صفحة التاريخ القرطاجي.

تلك هي إيميلسي، الأميرة الأيبيرية التي أحبّت قرطاج ولم تعرفها، والتي ودّعت حنبعل برقا على بوابة البحر، وتركته يعبر جبال الألب فيما عبرت هي جبال الحزن.
هي امرأةٌ خُلقت لتكون تحالفًا، وانتهت لتكون أسطورة.
لكن في مكانٍ ما، بين رمال الجنوب التونسي وصخور الأندلس، يسكن الدم نفسه دمٌ أحمر داكن، يحمل نيكوتين القرطاجيين وحلم البحارة الأوائل.
وفي ذاكرة المتوسط، ما زال صوتها يخرج من تحت الرماد:
“يا حنبعل... إن نسيت روما ، فلا تنس المرأة التي وهبتك بابها، ووهبت قرطاج قلبها، وورّثتك ابنًا صار أُمّة.”

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق