الادّعـاء بأنّ ثنـائية ”يميـن/يسـار” استعارة غربية مُسقَطة على السياق التونسي يُطرح أحيانًا عن حسن نية لكنه يفضي إلى نتائج معرفيّـة مضلِّلة !..
إنّ هذا الزعم -على جـاذبيته- هو أقــــرب إلى ”الحيلة الليبراليّـة” التي تسعى إلى طمس التنـاقضـات الإيديولوجيّة الحقيقيّة داخل النخب وإيهام الناس بأنّ مدار ”الإشكال” مجرّد سوء تصرّف أو تباين في الرؤى الاقتصادية ..
ذلك أنّ هذا “الحيـاد” المزعوم يُمثّل امتدادًا لما يمكن تسميته بـ ”الجينالوجيا السياسية للّبرَلة الكونيّـة” أي المسار التاريخي الذي سعت فيه الليبراليه منذ ما بعد الحرب الباردة إلى نزع الطابع الصراعي عن الفعل السياسي وإعادة تشكيل المجال العمومي حول پراديغم “الاعتـدال”؛ ذلك الاسم الحركي التمويهي لـ”سيطرة رأس المـال على الدولة والمجتمـع”،، وقد وجد هذا المسار تعبيرته الأوضح في “الطريق الثـالث” لطوني بلير و”الديمقراطية التوافقيّـة” في أوروبا حيث تمّ دمج ”اليمين” و”اليسار” داخل منطق إداري تقني واحد يقوم على إدارة السوق بدل الصراع حول قيم العدالة والهوية ..
ولمّا كان ذلك كذلك ..
فإنّ رفض هذه الثنائية ”هنا والن” أخطـر من مجرّد موقف معرفي، إنّه تكرار محلّي لمخيال سياسي عالمي يهدف إلى تحييد السياسة وتطبيع التفاوتـات باسم العقلانية والتنمية،، بما يفضي في النهاية إلى فرض منطق توافقي/تلفيقي عابر للسرديّـات الكبرى عبر شعارات بالغة الإثارة والإغراء والإغواااء من قبيل “المشترك الوطنـي” و”الكتلة التاريخيّة”و”المصلحة العليا للشعب” ليتمّ بذلك انتزاع المعنـى والقيمـة من السياسة وتحويلها إلى إدارة تكنوقراطيّة جـافّة للواقع !..
”مـا بعد اليمين واليسار”.. نزع المعنى من السيـاسة
2025-11-12
584 قراءة
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن