في تونس، الدولة لم تعد جسدًا حيًّا، بل خرائط متراكبة من الإدارات، ووزارات تتكاثر مثل الطحالب. لكل إدارة ظلّ، ولكل ظلّ إدارة.
الهيكل الإداري تحوّل إلى غابة بيروقراطية تُنبت الوظائف كما تُنبت الرطوبة الفطر، وتعيش من نفسها لا من المجتمع.
ولأن الدول التي لا تُعيد هيكلتها تموت واقفة، فإن تونس لا تحتاج إلى تعديل وزاري جديد، بل إلى جراحة تاريخية في دماغ الدولة.
الغاية من إعادة الهيكلة ليست التجميل الإداري، بل تحويل الدولة من جهاز حراسة إلى جهاز إنتاج،
من إدارةٍ تستهلك الضرائب إلى مؤسساتٍ تولّد الثروة.
هذه الهيكلة الجذرية تقوم على أربع فرضيات صلبة:
تونس لم تعد تحتمل 23 وزارة متداخلة ومتكررة الوظائف.
الكفاءة ليست في عدد الوزراء بل في وضوح القرار.
المركزية الإدارية مقبرة التنمية.
الدولة يجب أن تتحول من منظومة سلطة إلى منظومة أداء.
دولة الأقطاب الأربعة
1. القطب السيادي
يتكوّن من:
رئاسة الجمهورية (مجلس الأمن القومي والديبلوماسية)، وزارة الدفاع، وزارة الداخلية، وزارة العدل.
هدف هذا القطب هو إعادة السيادة إلى معناها الأصلي: أمن الأرض، وعدالة المواطن، وكرامة القرار.
القطب السيادي يجب أن يعمل كدرعٍ موحّد، يدمج الهياكل الأمنية والاستخبارية، ويُقلّص الإنفاق الموازي على الأمن والدفاع،
ويُحدث مركز استخبار وطني واحد.
الإصلاح الجوهري:
توحيد مراكز القرار الأمني والاستخباري في “مجلس وطني للأمن والسيادة” مستقلّ عن الحسابات الحزبية.
2. القطب الاقتصادي،المالي
يتكوّن من:
وزارة المالية والاقتصاد والاستثمار، وزارة الصناعة والطاقة والانتقال الرقمي، وزارة الفلاحة والمياه والغذاء،
وزارة النقل واللوجستيك، وزارة السياحة والاقتصاد الثقافي.
الاقتصاد في تونس اليوم موزّع بين خمس وزارات لا تتحدث إلى بعضها.
وزارة تموّل، أخرى تعطل، وثالثة تؤجل، ورابعة تفرغ المشاريع من محتواها.
الحلّ هو دمجها في قطب اقتصادي واحد يقوده “المجلس الوطني للثروة والإنتاج”،
يخطّط على مدى عشر سنوات، لا سنة مالية واحدة.
الإصلاح الجوهري:
إلغاء الفصل المصطنع بين وزارة المالية ووزارة التنمية، لأن من يملك المال يجب أن يملك الخطة.
تُدار المالية العامة من مركز دراسات استراتيجي، لا من إدارة محاسبات.
3. القطب الاجتماعي،البشري
يتكوّن من:
وزارة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي، وزارة الصحة والشؤون الاجتماعية، وزارة التشغيل والتكوين،
وزارة الشباب والرياضة والثقافة.
الإنسان لا يُدار بمرسوم، بل بسياسة متكاملة.
اليوم، التلميذ الذي يغادر المدرسة يذهب إلى وزارة التشغيل فيُقال له “ارجع غدًا”.
والمريض الذي يخرج من المستشفى يعود إلى بيت فقير فتستقبله وزارة الشؤون الاجتماعية بورقة لا دواء فيها.
هذا القطب يوحّد كل ما يتعلق بالإنسان من الطفولة إلى الشيخوخة،
وتُنشأ داخله “هيئة رأس المال البشري” التي تراقب العلاقة بين التعليم والتشغيل،
وبين التشغيل والصحة، وبين الصحة والإنتاج.
الإصلاح الجوهري:
ميزانية واحدة للإنسان، لا ميزانيات متفرقة للوزارات.
التعليم والصحة والتشغيل تُعامل كاستثمارٍ اجتماعي، لا كنفقات.
4. القطب الترابي،البيئي
يتكوّن من:
وزارة البيئة والتهيئة العمرانية، وزارة التجهيز والإسكان، وزارة الحكم المحلي والتنمية الجهوية،
وزارة المياه والطاقة المتجددة، وزارة التراث والسياحة البيئية.
تونس ليست العاصمة فقط، بل دوائر من الحياة تمتد من بنزرت إلى تطاوين.
كل دينار يُصرف في العاصمة يجب أن يقابله دينار يُستثمر في الجهات.
هذا القطب سيحوّل البلديات من مكاتب عقود إلى مراكز قرار،
ويُنشئ داخله “هيئة المدن والواحات” التي تخطط عمرانيًا للقرن القادم، لا للانتخابات القادمة.
الإصلاح الجوهري:
توزيع القرار المالي على الجهات، وتمكينها من نسب مداخيلها الضريبية،
حتى تحكم نفسها بنفسها ضمن وحدة الدولة.
هيكلة المؤسسات الوطنية
لتحقيق النجاعة، يجب إلغاء العشرات من الهياكل المتكررة ودمجها في خمس مؤسسات كبرى:
الوكالة الوطنية للاستثمار العمومي: تدمج كل صناديق التنمية وتصبح ذراع الدولة للمشاريع الكبرى.
الوكالة الوطنية للحوكمة والرقمنة: توحد الأنظمة المعلوماتية للدولة وتحولها إلى منصة موحدة.
الهيئة الوطنية للشفافية والمساءلة: تراقب كل دينار عام وتنشر الحسابات ربع سنويًا للمواطنين.
المؤسسة الوطنية للثروات الطبيعية: تدير النفط والغاز والفسفاط والمياه والطاقات المتجددة تحت رقابة البرلمان.
المركز الوطني للتخطيط المستقبلي: بيت عقل الدولة، يتنبأ بالأزمات ويضع استراتيجيات لعشرين سنة قادمة.
الأهداف الاستراتيجية
خفض الإنفاق الإداري بنسبة 25 خلال ثلاث سنوات.
تقليص مدة اتخاذ القرار الحكومي من 180 يومًا إلى 30 يومًا.
رفع المردودية الإدارية بنسبة 40 عبر توحيد الهياكل.
تحويل الدولة من مركز قرار إلى شبكة تنفيذ قادرة على إنجاز المشاريع لا دفنها في اللجان.
تحرير 100 ألف موظف من البيروقراطية إلى الاقتصاد المنتج عبر التوجيه نحو المشاريع المحلية والرقمية.
هذه ليست إعادة هيكلة إدارية، بل إعادة هندسة للسلطة.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بعدد وزرائها، بل بقدرتها على تحويل الحلم إلى إنجاز.
تونس التي بنت أوّل دولة في أفريقيا قادرة أن تبني اليوم أوّل نموذجٍ إداريٍّ عربيٍّ جديد:
دولة الأقطاب الأربعة، دولة العقلانية السيادية، دولة الإنسان لا الأجهزة.
الإدارة التي كانت تُحكم بالمراسيم، يجب أن تُدار بالمؤشرات:
سرعة الإنجاز، جودة القرار، وعدالة التوزيع.
كل موظف سيُقاس بما أنجز لا بما وقّع،
وكل وزارة تُحاسب على الناتج لا على النفقات.
الدولة ليست إسطبلًا للوظائف، بل مصنعًا للسيادة.
ومن لا يجرؤ على إعادة بنائها من الأساس،
سيعيش إلى الأبد في خرائبها،
يُدير أزمةً بأدواتٍ صدئة،
ويحرس أمجادًا من ورق.
إعادة الهيكلة ليست خيارًا إداريًا، بل خلاصًا وطنيًا.
إما أن نفعله اليوم بعقلٍ بارد،
أو سيفرضه الغد علينا بنارٍ حارقة.
دولة الأقطاب
2025-11-12
580 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن