منذ قرنين، وتونس لا تغيّر إلا أسماء وزاراتها، أما جوهر الدولة فباقٍ كما كان: دولة الحراسة.
حراسة الحدود، حراسة الناس، حراسة الأفكار.
بلاد تحرس نفسها من نفسها، حتى كادت أن تختنق من طول الحراسة.
من عهد البايات إلى عهد الثورة، ومن زمن بورقيبة إلى زمن ما بعد الثورة،لم يتغيّر شيء في جوهر السلطة، سوى القناع.
كانت تُدعى "المحلة"، ثم أصبحت "وزارة الداخلية".
كانت ترفع سيف الباي، ثم رفعت شعار الأمن الجمهوري.
لكنها بقيت هي نفسها: عقل الدولة الذي يخاف أكثر مما يفكر.
في العاشر من نوفمبر 2025، جلس النواب في قصر باردو يناقشون مهام وزارة الداخلية لسنة 2026.
لكنّ المشهد بدا أكبر من الأرقام: كان طقسًا من طقوس الاعتراف السياسي.
البرلمان يشكر الداخلية، الداخلية تشكر البرلمان، وكلاهما يشكر الخوف الذي يوحّدهما.
الخطابات كانت مزيجًا من التبجيل والقلق.
رئيس المجلس تحدّث عن الأمن كما يتحدث المؤمن عن الله،
والنواب وزّعوا المديح كما تُوزَّع الصلوات على مذبح الدولة.
لم يتجرّأ أحد على السؤال البسيط:
هل تحمينا الدولة حقًا، أم تخاف منّا؟
في تونس، لا تُناقش وزارة الداخلية كإدارة، بل كعقيدة.
هي ليست وزارة، بل لاهوت جمهوري،
تُمنح له الميزانيات كما تُمنح القرابين للآلهة القديمة.
منذ زمن، صار الأمن في تونس دينًا بلا نبي.
لكلّ حكومة طقوسها، لكنّها تبدأ وتنتهي في المكان نفسه:
في دهاليز الوزارة التي لا تنام.
هناك حيث يُصنع القرار في الظل،وتُكتب تقارير الدولة على أوراق الخوف.
لكنّ الدولة الحديثة كما تعلّمنا من التجارب الكبرى لا تُبنى بالخوف، بل بالثقة.
والثقة، في زمننا، هي أثمن من النفط والذهب والسلاح.
هي رأس مال الأمم التي أرادت أن تكون حرة.
الوزير تحدّث عن الرقمنة والجاهزية والتصدي والردع.
كلمات مستهلكة في قاموس الدولة القديمة.
لم يتحدث عن الديمقراطية الأمنية، ولا عن الذكاء المؤسساتي، ولا عن الإنسان كغاية الأمن لا كموضوعه.
الوزير لم يكن يقدّم ميزانية، بل كان يقرأ وصية قديمة:
"احرسوا النظام، حتى لو مات الناس."
نعم، هذا هو جوهر الدولة التي لم تتغيّر:تعتبر النظام أهم من الإنسان،والأمن أهم من العدالة،والطاعة أقدس من الحقيقة.
لكنّ الدول التي بقيت واقفة في القرن الحادي والعشرين
هي التي فهمت أن الأمن لا يُقاس بعدد المراكز والثكنات، بل بدرجة الثقة في القانون.
فالسويد، مثلاً، لديها أقل عدد من رجال الشرطة في أوروبا، لكنها الأكثر أمنًا.
لأنها جعلت من المواطن شريكًا في الأمن لا موضوعًا للمراقبة.
أما نحن، فما زلنا نعيش في عقل البايات:
نعتبر المواطن خطرًا، والمعارضة تهديدًا، والاختلاف فوضى.
ولذلك كل إصلاح إداري عندنا يتحوّل إلى جدار جديد يحيط بالدولة أكثر مما يحميها.
الإصلاح لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء فلسفة الدولة.
ولهذا، إن أرادت تونس أن تخرج من أسر وزارة الداخلية، فعليها أن تغيّر السؤال:
من “كيف نحمي الدولة؟” إلى “كيف تجعل الدولة المواطن يحميها؟”.
إصلاح وزارة الداخلية ليس رفاهًا، بل شرط بقاء الدولة الحديثة.
وفي ما يلي مقترحات إصلاحية تستند إلى تجارب الأمم التي نجحت في ترويض أجهزتها الأمنية دون أن تضعفها:
1 من وزارة الأمن إلى وزارة المواطنة
إعادة تعريف الوزارة لتكون مسؤولة عن الأمن الإنساني، لا فقط الأمن المادي.
تأسيس إدارة عامة للشرطة المجتمعية، تُدرّب الإطارات على الوساطة والحوار بدل الهراوة والمطاردة.
فالأمن، كما في كندا واليابان، يبدأ من المدرسة لا من الثكنة.
2 سلطة تراقب القوة لا تخافها
إنشاء هيئة مستقلة للمساءلة الأمنية، على غرار النموذج البريطاني (IPCC)،
تضمّ قضاة وخبراء وممثلين عن المجتمع المدني،
تراقب استعمال القوة وتضمن ألا تتحوّل الدولة إلى وحش باسم النظام.
3 رقمنة الإدارة... لا رقمنة المراقبة
إطلاق منصة وطنية موحدة E-Interior لتقريب الخدمات الإدارية وربطها بالمجالس الجهوية.
الرقمنة ليست وسيلة للسيطرة، بل وسيلة لتحرير المواطن من سلطة الطوابير والمكاتب.
فالدولة التي ما زالت تطلب “نسخة مطابقة للأصل” ليست دولة رقمية، بل دولة تجهل نفسها.
4 إصلاح السلطة المحلية
إعادة تعريف دور الولاة والمعتمدين كـ مديرين ترابيين محترفين لا كوسطاء سياسيين.
نقل جزء من الصلاحيات الأمنية إلى البلديات الكبرى، لتصبح القرارات أقرب إلى المواطن.
هذه هي فلسفة الحوكمة المتعددة المستويات التي تبني بها الدول الفدرالية توازنها واستقرارها.
5 زرع ثقافة الأمن الديمقراطي
لا إصلاح دون تغيير في الذهنية.
تدريس مفهوم “المواطنة الأمنية” في الأكاديميات الشرطية.
إدماج التدريب على حقوق الإنسان، والتواصل الاجتماعي، والذكاء العاطفي، في التكوين الأساسي للأمنيين.
لأنّ من لا يعرف الناس، لا يستطيع أن يحميهم.
6 عقلنة الميزانية بالأداء
كلّ دينار يُصرف على الداخلية يجب أن يُربط بمؤشر قياس أداء واضح:
سرعة الاستجابة
نسبة الثقة المجتمعية
انخفاض الانتهاكات
ففي الدول الذكية، الميزانية عقد بين الدولة والمواطن، لا هبة بين الوزير والبرلمان.
7 من الذكاء الاصطناعي إلى الذكاء المؤسسي
اعتماد الذكاء الاصطناعي في التخطيط الاستراتيجي والوقاية، لا في المراقبة.
الآلة يجب أن تخدم العدالة لا أن تكرّس السيطرة.
تونس قادرة على أن تكون نموذجًا في إفريقيا في الأمن الرقمي، لا في المراقبة الرقمية.
في النهاية، لا تُقاس عظمة الدول بعدد جنودها، بل بقدرتها على ألا تخاف من شعبها.
تونس اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الأمن، بل إلى مزيد من العقل.
لا تحتاج إلى مزيد من المراقبة، بل إلى مزيد من الثقة.
ولا تحتاج إلى وزارة تحرسها من الفوضى، بل إلى دولة تحرس نفسها من الخوف.
فحين تتحوّل وزارة الداخلية من جهاز إلى فكرة،من سلطة إلى خدمة،ومن خوف إلى ثقة،يومها فقط يمكن أن نقول إن تونس دخلت أخيرًا القرن الحادي والعشرين.
دولة الحراسة
2025-11-11
740 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن