مقالات عن: مهرجان قرطاج

إنهيار الوعي في الدراما التونسية

2025-11-11 717 قراءة عماد عيساوي
1
تونس... التي كانت تكتب التاريخ على صخور قرطاج، وتعلّم المتوسط كيف يُبنى الوعي، صارت اليوم تتسوّل الذاكرة من شاشات الآخرين.
البلد الذي أطلق أول فكرة دولة في المتوسط، صار اليوم يعيش في دولة بلا فكرة.
كان التونسي يصنع الحكاية، فصار يستهلكها.
كان يرسم الوعي، فصار يشتريه.
وكانت قرطاج تُصدّر الأرجوان والعقل، فصارت تلفزاتها تُصدّر الصراخ والتفاهة.
لقد انهار الوعي في الدراما التونسية، لأنّها لم تعد ترى نفسها.
الدراما مرآة الأمة، وحين تكسر الأمة مرآتها تفقد وجهها.
وها نحن اليوم بلا وجه، بلا ملامح، بلا ذاكرة.
كان في تونس مسرح قبل المسرح، وملاحم قبل الملحمة.
في أوتيك، كانت الأسطورة تُروى على وقع الريح والبحر.
في أوذنة، كانت المدرجات تنطق بالأسئلة الكبرى عن الخلق والمصير.
في كركوان، كان اللون الأرجواني يكتب فلسفة الحياة والموت.
في مكترس وسفيتولا، كان الرومان يتعلمون من التونسيين كيف تُبنى المدن وكيف تُروى البطولات.
وفي قرطاج، كانت الحكاية وطنًا، والدراما دينًا، والصورة وعدًا بالخلود.
اليوم؟
يبيع المنتج التونسي حكاية تافهة لتلفزة مريضة، والمخرج يصوّر بلداً لا يعرفه، والممثل يتقمّص شخصيات لا تمتّ له بصلة.
تحوّلت الدراما إلى سلعة موسمية تُعرض في رمضان وتُنسى بعد العيد.
كأننا نعيش في زمن بلا ذاكرة، بلا فكرة، بلا جذر.
الدراما التي كان من المفترض أن تعيد صياغة وعي التونسي، صارت تصيبه بالعمى.
صارت مدرسة لتعليم الرداءة، وتعميم الجهل، وتمجيد الجريمة.
فيها يصبح المهرّب بطلاً، والمجرم ذكيًا، والمخدّر ملاذًا، والفتاة سلعة.
فيها تُهان القيم، ويُسخر من العلم، ويُقتل الذوق في وضح النهار.
حتى الكلمة فقدت شرفها، وصار الحوار فوضى لغوية والمشهد إسفافًا مغلفًا بالحداثة الكاذبة.
لم تعد هناك دراما تونسية...
هناك فوضى بصرية، فقر خيال، وتواطؤ عام على إسكات الوعي.
لقد مات الفن لأنّ السلطة أرادت أن تروضه، والمجتمع أراد أن ينساه.
حين تنظر إلى تجربة تركيا، تدرك حجم الجريمة.
لقد فهم الأتراك أنّ الكاميرا يمكن أن تكون جيشًا، وأنّ المسلسل يمكن أن يكون سفارة، وأنّ كل مشهد مصوّر هو مشروع نفوذ.
فبنوا وعيًا قوميًا بالصورة، وفتحوا أسواق العالم بالحكاية.
حتى كوريا الجنوبية فهمت اللعبة:
الدراما ليست تسلية، بل اقتصاد. ليست ترفًا، بل هوية.
أما نحن، فقد حوّلناها إلى صدقة موسمية تُوزّعها اللجان وتدفنها المحسوبيات.
المغرب بنى من فاس ومراكش استوديوهات خالدة.
مصر جعلت من السينما جامعة الأمة، ومن الدراما مختبرًا للوجدان العربي.
أما تونس، التي علّمت كل هؤلاء معنى الحكاية، لم تعد تعرف كيف تروي حكايتها.
أطفأت قرطاج مصابيحها، وصارت المدن الأثرية مكترس، أوذنة، كركوان، سفيتولا — تصرخ من تحت التراب:

"صوّرونا لنحيا... احكونا لنُخلّد!"

لكن من يسمع؟
في بلدٍ صار فيه المثقف متسوّلًا، والمبدع منفيًا في الداخل، والوزير لا يعرف الفرق بين الفن والدعاية،
من سيبني وعي الصورة؟

كل مؤسسة عمومية صارت خزانًا للكسل والشك والشكوى.
اللجان تقتل الأفكار قبل ولادتها.
التمويل يُمنح للأقرب لا للأجدر.
والإبداع يُعامل كجريمة، والفكر كمؤامرة.
لقد فقدت الدراما بوصلتها حين فقدت الدولة نفسها.
فالدولة التي لا تعرف ماذا تريد من ثقافتها، لا تعرف ماذا تريد من شعبها.
والمجتمع الذي لا يملك ذاكرة بصرية، لن يملك مستقبلًا سياسيًا.
لو كانت لنا دراما حقيقية، لكانت اليوم جزءًا من اقتصاد الدولة وسياستها.
لتحولت أوذنة إلى موقع تصوير عالمي.
ولتحولت سفيتولا إلى مهرجان دولي للدراما التاريخية.
ولأصبحت كركوان قبلة للسينما العالمية بدل أن تبقى جرحًا أثريًا في ذاكرة بلدٍ ينسى تاريخه كل يوم.
لو كنا نملك عقلًا ثقافيًا، لجعلنا من تونس متحفًا مفتوحًا للصورة، بلدًا تُزار معالمه لأنه صوّر وعيه.

لكننا لم نفعل.
تركنا التاريخ يُهيننا، وتركنا التفاهة تحكمنا.
لم نحسن توظيف حضارتنا، ولم نحسن الدفاع عنها.
حتى البحر الذي أنجب قرطاج صار اليوم مسرحًا لقوارب الموت، لأنّ أبناءها لم يعودوا يجدون صورة يعيشون فيها.

إنّ انهيار الدراما ليس مشكلة فنية، بل مشكلة هوية.
إنه انكسار في فكرة "من نحن".
الدراما ليست شاشة بل مرآة وطنية.
ومن لا يملك دراما، لا يملك وعيًا ولا ذاكرة ولا مستقبلًا.
نحن لا نحتاج إلى وزارة جديدة أو ميزانية إضافية.
نحتاج إلى فكرة.
إلى عقل وطني يقرر أنّ الصورة هي المعركة الجديدة، وأنّ من يربح الوعي يربح القرن.
نحتاج إلى مشروع درامي وطني يعيد رسم الحكاية التونسية كما تستحق، لا كما يُملى عليها.
نحتاج إلى جيل جديد من المخرجين يؤمن بأنّ الكاميرا سلاح،ومن المنتجين الذين يرون في المشهد مشروعًا وطنيًا لا صفقة،ومن الكتّاب الذين يفهمون أنّ القلم معول يحفر في الذاكرة لا في الجيب.
تونس قادرة أن تعود مركز المتوسط الثقافي، إن آمنت بأنّ مجد قرطاج لا يُستعاد بالنوستالجيا بل بالفعل.
أنّ مكترس وأوذنة وسفيتولا ليست مواقع أثرية، بل مواقع وعي.
أنّ الاستثمار في الحضارة ليس إنفاقًا، بل أرباح على مدى قرون.
أنّ من يزرع الضوء في الذاكرة، يحصد السيادة في المستقبل.
وربما سيأتي يومٌ...
تستيقظ فيه قرطاج من تحت الرماد، وتجد أبناءها يصوّرونها لا ينهبونها.
وربما سيأتي يومٌ، تُعرض فيه مكترس على الشاشات لا في نشرات النسيان.
وربما سيأتي يومٌ، تعود فيه الكاميرا إلى دورها الأول: أن تفتح العين لا أن تُغلقها.

وحين يحدث ذلك، سنعرف أنّ الوعي قد عاد، وأنّ الصورة استعادت معناها.
يومها فقط...
ستبتسم قرطاج، وستعود تونس إلى ما كانت عليه:
بلدًا يصنع الحكاية، لا يستهلكها.
بلدًا يكتب التاريخ بالنور، لا بالدم.
بلدًا يخلق وعيه بيده، ويصوّر نفسه قبل أن يصوّره الآخرون.

التعليقات والردود

1
فوزي
2025-11-11
مقال ممتاز
اوافق على كل هذا:
الدراما التي كان من المفترض أن تعيد صياغة وعي التونسي، صارت تصيبه بالعمى.
صارت مدرسة لتعليم الرداءة، وتعميم الجهل، وتمجيد الجريمة.
فيها يصبح المهرّب بطلاً، والمجرم ذكيًا، والمخدّر ملاذًا، والفتاة سلعة.
فيها تُهان القيم، ويُسخر من العلم، ويُقتل الذوق في وضح النهار.
حتى الكلمة فقدت شرفها، وصار الحوار فوضى لغوية والمشهد إسفافًا مغلفًا بالحداثة الكاذبة.
لم تعد هناك دراما تونسية...
هناك فوضى بصرية، فقر خيال، وتواطؤ عام على إسكات الوعي.
لقد مات الفن لأنّ السلطة أرادت أن تروضه، والمجتمع أراد أن ينساه.

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق