في بلادٍ يُعاد فيها اختراع الرموز كما يُعاد ترميم الأساطير، وتُصاغ فيها الذاكرة بالهوى أكثر من الوثيقة، ينهض اسم سيدي بوسعيد الباجي كجبلٍ من النور وسط ضباب النسيان.
رجلٌ واحد، عاش قبل ثمانية قرون، غيّر الجغرافيا دون أن يقصد، فأنشأ قرية من الصمت، ومدرسة من الذوق، ودولة من الضوء.
قليلون يعرفون أن سيدي بوسعيد ليست فقط ضاحية سياحية مطلة على البحر، بل هي فكرة. فكرةٌ بدأت من مقام صوفي وانتهت كأول مدينة في العالم يحكمها قانون الجمال.
الشيخ الذي أسس مدينة من النور
الاسم الكامل للرجل هو أبو سعيد خلف بن يحيى التميمي الباجي1156 م –1231م
نشأ في زمنٍ كانت تونس فيه تتهيأ لعصرٍ جديد: عصرٍ تتقاطع فيه المعرفة بالروح، والتصوف بالسياسة، والفقه بالذوق.
درّس في جامع الزيتونة، ثم شدّ الرحال شرقًا إلى الحجاز والشام، متتبعًا مدارس التصوف الأولى، متعلّمًا على أيدي رجالٍ مثل أبي مدين الغوث، ومتأثرًا بروح المشرق.
لكن حين عاد إلى تونس، لم يختر المدينة.اختار الجبل.
جبل المنار المطلّ على قرطاج، حيث يلتقي البحر بالأفق، والسماء بالأرض، والإنسان بنفسه.
هناك أسّس زاويته، وجعل من صمته مئذنة.
لم يكن شيخًا يبني مريدين، بل روحًا تبني مكانًا.
ومن مقامه الصغير بدأت الحكاية التي ستُخلّد: قرية تولد من قبر، لا من سوق.
القرية التي أكلها الزمن وولدت من جديد
كثيرون يظنون أن الشيخ من مدينة باجة المعروفة في الشمال الغربي.
لكن الحقيقة، كما يرويها علي الهواري في “مناقب أبي سعيد الباجي” وكما تثبتها دراسات المعاصرين، تقول إنه وُلد في قرية صغيرة تُعرف بـ"باجة القديمة"، كانت تقع قرب منوبة، على أطراف العاصمة.
قرية اندثرت جسدًا، لكنها بقيت روحًا. اختفت من الخرائط، لكنّها بقيت في الاسم “الباجي”، كجغرافيا رمزية ضاعت في الأرض لتُحيا في الوعي.
وهكذا، كان الشيخ ابن مكانٍ مفقود، ليصنع مكانًا خالدًا.
من “باجة القديمة” إلى “جبل المنار”، ومن الخفاء إلى الظهور، ومن النسيان إلى الخلود.
إنها الرحلة التي تلخّص تونس نفسها: بلد يولد من رماده في كل قرن.
من الزهد إلى العمران: كيف تتحول الخلوة إلى مدينة
زاوية أبي سعيد لم تكن يومًا معبدًا للعبادة فقط، بل مختبرًا للجمال.
فيها تدرّب المريدون على الذكر والنظر، على رؤية الله في اللون، والسكينة في الضوء.
وبمرور العقود، بدأت حول الزاوية تتشكل بيوت صغيرة، ثم أزقة، ثم قرية كاملة حملت اسم الشيخ: سيدي بوسعيد.
قرية لم تُخططها سلطة، بل رسمها الإلهام.
لم يبنها مهندسون، بل العرفان.
ومن بين تلك الجدران البيضاء والزوايا الزرقاء وُلدت واحدة من أجمل القرى المتوسطية، التي ستقاوم الحداثة بقانونٍ من الجمال.
من مقام إلى مصيف للنخبة
مع القرن الثامن عشر، أصبحت سيدي بوسعيد ملاذًا للنخبة الحسينية.
بنى فيها وجهاء تونس قصورهم الصيفية: ابن عياد، بن عاشور، بن مرابط، بن عبد الجليل.
كانت القصور تُشيّد بالأقواس الأندلسية والزليج الملوّن، في تناغمٍ بين الضوء الأبيض والبحر الأزرق.
لم يكن فيها ترفٌ استعماري، بل ترف روحي؛ جمال لا يفسد العين بل يطهّرها. هنا فهم التونسيون لأول مرة أن الجمال يمكن أن يكون نظامًا اجتماعيًا، وأن الذوق يمكن أن يتحول إلى سياسة.
البارون الذي قرأ التصوف بالفرنسية
حين زارها البارون رودولف ديرلانجي سنة 1909، لم يأتِ كسائحٍ بل كعاشقٍ وجد في القرية ما يشبه رؤياه.
هذا الأرستقراطي الفرنسي الألماني الأصل، الذي جمع بين عشق الموسيقى الأندلسية والرسم، قرأ المكان كما يُقرأ كتاب تصوف.
ابتاع أرضًا في أعالي الجبل، وبنى قصره "النجمة الزهراء" (1912–1922)، تحفة معمارية صاغ فيها حلمه: أن تلتقي غرناطة بقرطاج. لكن الأهم من القصر، أنه بدأ يحرس القرية بذوقه، وأنشأ أول فكرة لقانون الجمال.
رفض أن تُبنى بيوت بغير الأبيض، أو أن تُطلَى الأبواب بغير الأزرق، أو أن تُرفع الأسوار بغير روح.
الأبيض رمز النقاء، الأزرق رمز البحر، والقرميد الأخضر ظلّ الجبل.
هكذا صارت الألوان نفسها جزءًا من العقيدة الجمالية للقرية.
6 أوت 1915: حين وُلد قانون الضوء
بفضل ديرلانجي وعلاقاته، أصدر الباي محمد الناصر سنة 1915 مرسومًا ملكيًا فريدًا من نوعه في العالم العربي:
مرسوم لا يتحدث عن الضرائب أو الجند، بل عن اللون والشكل والذوق.
منع البناء دون احترام الطراز الأندلسي،ومنح القرية حماية بصرية صارمة،وحوّل الذوق إلى قانون.
منذ ذلك اليوم، أصبحت سيدي بوسعيد أول مدينة عربية تُدار بالجمال لا بالسياسة، وأول قريةٍ يوقّع أهلها عقدًا مع الضوء: “لن نتغيّر، لن نكبر، سنبقى كما أحببتنا أول مرة.”
من الصوفية إلى العمارة: جغرافيا الروح
هكذا، تحولت الرؤية الصوفية لأبي سعيد إلى عمرانٍ مادي بعد سبعة قرون من وفاته.
كان الشيخ يرى في الجمال عبادة، فجاء البارون ليحوّل العبادة إلى قانون.
الروح التي بدأت من مقامٍ صغير صارت هندسة دولة.
وما فعله ديرلانجي، لم يكن استعمارًا جماليًا، بل استعادةً لمعنى الجمال كهويةٍ تونسية أبدية.
القرية التي لم تدخل القرن الواحد والعشرين
في زمنٍ تاهت فيه المدن بين الزجاج والخرسانة، بقيت سيدي بوسعيد كأنها توقّفت عند لحظة من القرن التاسع عشر. لا يُسمح فيها ببناء شرفة دون إذن، ولا يُصلح باب دون استشارة لجنة الذوق.
مجلسها البلدي ليس إدارة، بل محكمة جمالية عليا تحمي القصيدة من القبح.
في زمن الفوضى العمرانية، رفضت سيدي بوسعيد النموّ العشوائي كما يرفض الصوفي كثرة الكلام.
النجمة الزهراء: من القصر إلى الجامعة
بعد وفاة ديرلانجي سنة 1932، تحوّل قصره إلى مركز وطني للموسيقى الأندلسية، ثم إلى مركز الموسيقى العربية والمتوسطية.
هناك تُدرّس اليوم الفنون كأنها صلاة، ويُدرّس الذوق كأنه انتماء.
صار القصر الذي ألهم القرية يتحوّل إلى مؤسسة تُعلّم كيف يتحوّل الجمال إلى هوية، والموسيقى إلى وطن.
سيدي بوسعيد اليوم: بين الذاكرة والمستقبل
في مارس 2025، أدرجت اليونسكو سيدي بوسعيد على قائمة التراث العالمي، ليس فقط لجمالها العمراني، بل لفلسفتها في مقاومة القبح.
قرية حافظت قرنًا على وحدتها البصرية والروحية، لأنها قررت أن تُبقي نفسها على حالها،
تمامًا كما قرر مؤسسها أن يعيش خارج الزمان.
إنها ليست مجرد قرية تونسية، بل وثيقة حضارية تقول للعالم إن الهوية ليست ماضيًا يُسترجع، بل ذوقٌ يُمارس.
من المقام إلى القانون، من البحر إلى الخلود
من "باجة القديمة" المنسية قرب منوبة،إلى جبل المنار المضيء فوق قرطاج،إلى مرسوم 1915،
إلى إدراج 2025 في سجلّ الخلود…
سيدي بوسعيد ليست مكانًا، بل سيرة تونس نفسها.
بلدٌ يبدأ بالروح وينتهي بالجمال.من خلوةٍ صوفية إلى دولةٍ للجماليات.من قبرٍ يطلّ على البحر إلى قانونٍ يحمي الضوء.
وهكذا، يبقى سيدي بوسعيد الباجي رمزًا لما يمكن أن تصنعه الروح حين تكتب تاريخها بيدٍ من نور.
من مقام إلى مصيف للنخبة
2025-11-06
775 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
2
الشكر كل الشكر على هذه المعلومات القيّمة حول مدينة سيدي بوسعيد ومؤسسها سيدي أبو سعيد الباجي.
كل تمنياتي أن توثّقَ هذه المعطيات التاريخية على لوحة رخامية وتوضع وسط الساحة الرئيسية لقرية سيدي بوسعيد وتكون بجل اللغات: العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، الصينية، اليابانية...
كما أقترح تقديمها لمنظمة اليونسكو للتعريف بها سياحيا وحضاريا وثقافيا إلى جانب توفير التمويل الضروري للمحافظة على طابعها المعماري والقيام بصيانتها نظرا لقرب موقعها من البحر والالجبل وكذلك لمجابهة التشوهات التي قد تلحقها من كثرة عدد زوارها.
كل تمنياتي أن توثّقَ هذه المعطيات التاريخية على لوحة رخامية وتوضع وسط الساحة الرئيسية لقرية سيدي بوسعيد وتكون بجل اللغات: العربية، الفرنسية، الإنجليزية، الإسبانية، الصينية، اليابانية...
كما أقترح تقديمها لمنظمة اليونسكو للتعريف بها سياحيا وحضاريا وثقافيا إلى جانب توفير التمويل الضروري للمحافظة على طابعها المعماري والقيام بصيانتها نظرا لقرب موقعها من البحر والالجبل وكذلك لمجابهة التشوهات التي قد تلحقها من كثرة عدد زوارها.
معطيات مهمة
عكيات تاريخية يجهلها الكثير من التونسيين