في بلادٍ تتناسل فيها العروش كما تتناسل الديون، ويُوزَّع المجد بوراثة الدم لا بوراثة العقل، يظهر رجلٌ بلا ماضٍ… ليُصبح وزيرًا للمستقبل.
ذلك هو أحمد زروق، مملوك خرج من العدم، من سوق العبيد، من رطوبة القصور، من العبودية التي علّمته الحساب والطاعة، لا الحرية ولا التاريخ.
اشتراه البلاط الحسيني كما تُشترى الخيول، ودُرِّب على خدمة السادة، ثم أُطلق في دروب السلطة ككلبٍ مُدرّب على الطاعة.
ومن يجرؤ أن يسأل من أين أتى؟ قبرص؟ اليونان؟ أم من ظلال البحر الذي ابتلع آلاف الأرواح؟ لا أحد يعرف، لأن التاريخ لا يدوّن أسماء العبيد، بل يطمرهم كما يطمر الرمل آثار الأقدام.
ثم شاءت اللعبة الكبرى أن يُعتَق، ويُزَوَّج من زنيخة بنت الباي حسين الثاني، فيتحول العبد إلى صهرٍ للعرش، ويدخل القصر من بابه الذهبي لا من بوابة الخدم.
هل هي قصة نجاح؟ لا. إنها قصة اختراق ناعم، اختراق دولة بعبدٍ مطيع، لا يفكر، لا يحلم، ولا يتردد في إطاعة الأمر ولو كان قتل وطن.
بين الخزندار وخير الدين: خيانة على أنغام السلطة
كان أحمد زروق جنديًا ثم جنرالًا، ثم وزيرًا، في بلاطٍ تآكلت أخلاقه وتضخمت بطون رجاله.
كان يدور في فلك مصطفى خزندار، الوزير الأكبر، عدو الإصلاح وحليف القناصل والديون.
في عهده، كان الوطن يُدار كدفتر حساب، والشعب كأرقام تُجبى لا كأرواح تُصان.
وحين اندلعت ثورة علي بن غذاهم سنة 1864، لم تكن ثورة خبز فقط، بل ثورة كرامة ضد المجبى وضد المماليك الذين نسوا لهجتهم ونَسَبهم.
لكن الدولة لم تسمع سوى صدى طبولها.
فأُطلق زروق ليخمد النار بالحديد، وليعيد النظام بالعذاب.
فكان أن حرق القرى، جلد الشيوخ، وعلّق الرؤوس في الطرقات كما تُعلّق الزينة في الأعياد.
كان يجبي الحبوب والزيت والذهب والدم بنفس اليد، وكان الباي يعدّ الغنائم… ويضحك.
هكذا تحولت تونس إلى مسلخٍ باسم الدولة، وسوقٍ للولاء الأوروبي.
الدولة كدكان… والجنرال كجابي ضرائب من الجحيم
حين ضاقت خزائن الدولة، وجد زروق حلاً عبقريًا: سرقة الشعب.
لم يكن يُقاتل فقط، بل يُحاسب، يُصادر، ويُرسل الغنائم إلى باردو كما تُرسل الطرود.
كان يجمع حتى جلود الماشية، لأن الجوع لا يهم، والموت لا يُكلّف شيئًا.
في تلك المرحلة، كانت القناصل الأوروبية تبارك الجريمة بصمت، لأن الدم المحلي هو وقود القروض الأجنبية.
لقد كان زروق لسان الدولة في السوق، وسيفها في الريف، ووجهها القبيح في مرايا الفقراء.
قصره في المرسى… تمثال من رخام الفساد
في ذروة الخراب، شيّد قصره في المرسى، كمن يُقيم معبدًا لطغيانه.
قصرٌ أبيض بارد، نوافذه تطل على البحر الذي جلب له العبودية، وحدائقه مستوردة من أوروبا التي أرسلت إليه القناصل والسماسرة.
يقول من زاره: كل حجر في القصر له ظلّ شهيد، وكل نافذة فيها صرخة قريةٍ محروقة.
اليوم، صار القصر أكاديمية، لكن الجدران ما زالت تهمس: هنا دُفنت ضمائر دولةٍ كانت تُسمى تونس.
سقوط العبد على ركبتي التاريخ
حين جاء خير الدين التونسي، الرجل الذي أراد أن يُدخل العقل إلى قصرٍ مسكون بالخرافة، لفظ النظام زروق كما يلفظ الجسد السمّ.
أُقيل، أُهين، ثم عاد وزيرًا للبحرية في زمنٍ كانت فيه تونس تغرق… لا في البحر، بل في ديون أوروبا.
ومات كما وُلد: غريبًا، صامتًا، بلا قبرٍ معروف، بلا دمعة، بلا سطر مديح.
مات العبد الذي حلم أن يكون سيدًا، فصار عبداً للسلطة حتى موته.
حين يحكم العبيد… يُؤسَر الأحرار
أحمد زروق لم يكن حادثة في التاريخ، بل نموذجًا.
نموذجٌ لحاكمٍ بلا ذاكرة، لوظيفةٍ بلا شرف، لسلطةٍ بلا روح.
وحين تتحول الدولة إلى مؤسسة طاعة، يصبح كل زروقٍ فيها خالدًا، يتكرر بأسماءٍ جديدة، وبأزياءٍ مدنية.
تونس، التي لم تكن بعد مستعمرة فرنسية، كانت مستعمرة لنخبها، لعبيدٍ يلبسون الحرير ويحملون الأوامر في جيوبهم.
ذلك هو المرض الذي ورثناه: عبيدٌ بوجوه أسياد، وأحرارٌ مكبلون بخطابات الوطنية الزائفة.
من قبرص إلى المرسى، من القصر إلى القبر، ظلّ أحمد زروق يرمز إلى مأساة وطنٍ لم يخرج بعد من عباءة مماليكه.
ولعلّ التاريخ حين يُعيد نفسه، لا يفعل ذلك صدفة… بل يسخر.
الجنرال زروق
2025-11-05
1182 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن