بعض البلدان تُحتلّ بالمدافع، وبعضها تُحتلّ بالأقلام.
وتونس، تلك الجغرافيا التي تتنفس التاريخ والبحر، لم تسقط تحت جنازير الجيوش، بل تحت مداد الأقلام الفرنسية في قصرين متباعدين زمنًا وقريبين في الخيانة: باردو (1881) والمرسى (1883).
في الأولى فُتحت أبواب البلاد، وفي الثانية أُغلقت أبواب السيادة إلى الأبد.
ولأن الشعوب لا تُستعبد دفعة واحدة، فقد صيغت وثائق الاحتلال بعبارات "الحماية" و"الإصلاح" و"الصداقة"، فبدت كالدواء وهي في الحقيقة سمٌّ دبلوماسيٌّ بارد.
معاهدة باردو ، حين أُهينت الدولة باسم الحماية
في ربيع سنة 1881، كانت تونس دولةً متعبة.
اقتصادها منهار بسبب الديون، والقبائل في الجنوب متمرّدة، والباي محمد الصادق محاصر بالضغوط من كل صوب.
وفي باريس، كان رئيس الحكومة جول فيري يخطّط لتوسيع “المجال الحيوي الفرنسي” في شمال إفريقيا بعد احتلال الجزائر (1830) وموريتانيا.
الهدف التالي: تونس، المفتاح الجغرافي للمتوسط.
في 25 أفريل 1881، دخل الجنرال بريس دو سان أرنو الأراضي التونسية على رأس أكثر من 30 ألف جندي فرنسي، متذرّعًا بمطاردة قبائل الخمير على الحدود الجزائرية.
لكن الحقيقة أن فرنسا كانت تُنفّذ خطة تطويق البحر المتوسط من الشرق إلى الغرب.
التوقيع في باردو:
وصلت القوات الفرنسية إلى مشارف العاصمة، وأُجبر الباي محمد الصادق على استقبال القائد الفرنسي الجنرال بريمون في قصر باردو.
تحت تهديد المدافع، ووسط صمت الوزراء، فُرضت معاهدة باردو في 12 ماي 1881.
لم تُطلَق رصاصة واحدة، لكن رصاصة السيادة خرجت من القلم.
أبرز بنود المعاهدة:
المادة الأولى: تتعهّد فرنسا بحماية تونس من أي عدوان خارجي.
المادة الثانية: يُسمح للقوات الفرنسية باحتلال النقاط العسكرية الضرورية.
المادة الخامسة: تلتزم فرنسا بمساعدة الباي في "إصلاح الإدارة".
المادة السابعة: لا يجوز للباي عقد أي اتفاق خارجي دون موافقة فرنسا.
بكلمات أخرى: لم تعد تونس دولة ذات سيادة، بل أصبحت محميّة فرنسية رسمياً.
من المستفيد؟
الباي محمد الصادق لم يكن يدرك أنه يوقّع على شهادة وفاة الدولة الحسينية.
أما الذي رتّب للصفقة، فهو مصطفى بن إسماعيل، وزيره الأقرب ومستشاره المفضّل، الذي قبض ثمناً باهظًا من القناصل مقابل تسهيل التوقيع.
كان بن إسماعيل يؤمن أن فرنسا “ستحمي العرش”، لكنها حمت نفسها فقط.
وحين انتهت مهمّته، لفظته باريس كما يُلفظ الحجر من فمٍ مريض، فنُفي إلى إيطاليا ومات في العزلة سنة 1887.
بين باردو والمرسى: عامان من الإذلال المقنّن
بعد التوقيع، أصبحت البلاد تُدار بسلطة مزدوجة: الباي من جهة، والمقيم العام الفرنسي من جهة أخرى.
لكن التوازن لم يدم طويلًا.
في باريس، رأى بول كامبون، أول مقيم عام، أن الحماية “شبه شكلية” لا تمنح فرنسا السيطرة الكاملة، فرفع تقريرًا إلى جول فيري يقترح فيه “تعديل العلاقة مع الباي على أساس وصاية قانونية كاملة”.
أي أن فرنسا أرادت أن تحكم لا أن تنصح، وأن تدير لا أن تحمي.
وهكذا بدأ التحضير لما سيُعرف لاحقًا بـ اتفاقية المرسى (1883).
اتفاقية المرسى ، حين صيغ الاحتلال في قصرٍ صيفي
ثمانية جوان 1883، في قصر المرسى المطلّ على البحر، جُمع الوزراء التونسيون وكبار رجال الدولة.
في القاعة المقابلة للبحر الذي شهد أساطيل قرطاج، جلس الباي علي باي مريضًا وضعيفًا، وإلى جانبه بول كامبون ممسكًا بوثيقة من عشر مواد.
ما جرى في باردو بالقوة، جرى في المرسى بالحيلة.
بنود الاتفاقية:
نصّت اتفاقية المرسى على ما يلي:
تتعهد فرنسا بمواصلة “إصلاح الإدارة التونسية” على طريقتها.
لا يجوز للباي اتخاذ أي قرار مهم دون موافقة المقيم العام الفرنسي.
تُعيّن فرنسا مستشارين أجانب في كل الوزارات.
تتكفل فرنسا بإدارة المالية والجمارك والتعليم والأمن.
تتولى حماية الأسرة الحسينية “في حال اضطرابات داخلية”.
وهكذا تحوّلت الحماية إلى احتلال قانوني ناعم، وبدأ عهد الإدارة الفرنسية المباشرة دون إعلانٍ رسمي للاستعمار.
نتائج المرسى:
منذ تلك اللحظة، صارت البلاد تُدار من قصر المرسى لا من باردو.
تحوّل المقيم العام إلى الحاكم الحقيقي، وصار الوزراء مجرّد مترجمين لأوامره.
أنشأ بول كامبون نظامًا إداريًا جديدًا، وألغى صلاحيات الدواوين التونسية، وفرض اللغة الفرنسية كلغة المعاملات.
ثم أصدر قانون الأراضي لسنة 1885، الذي سمح للمستوطنين الفرنسيين بشراء الأراضي الفلاحية “غير المسجّلة” باعتبارها “أراضي دولة”.
بهذا القانون وحده، فقد الفلاح التونسي أكثر من 900 ألف هكتار من أجود الأراضي في أقل من عشرين عامًا.
ردّ الفعل: صمتٌ يابس وخيانة داخلية
لم تعلن المقاومة المسلحة في البداية لأن الدولة نفسها شُلّت.
أما النخبة التونسية، فكانت منقسمة بين إصلاحيين مهزومين ومحافظين مذهولين.
الشيخ محمد الصادق النيفر كتب في رسالةٍ خاصة:
“لم يعد لنا سلطان على أرض ولا على بحر، فقد أصبحنا رعية في أرضنا.”
أما خير الدين التونسي، الذي كان قد أُقصي قبل الاحتلال، فكتب من منفاه بإسطنبول:
“أرادوا إصلاح الدولة ففقدوها، وأرادوا التمدّن فاستُعبدوا.”
كانت تلك الجملة إعلان وفاة باكرًا لدولةٍ ستُدار بعدها قرنًا ونصفًا من وراء الستار.
بين باردو والمرسى: من خيانة إلى منهج
الفرق بين المعاهدتين ليس في المضمون، بل في الأسلوب.
في باردو استُخدم الحديد، وفي المرسى استُخدم الحبر.
في الأولى سقطت السيادة السياسية، وفي الثانية سقطت السيادة القانونية.
وبينهما وُلد نظام استعماري فريد في العالم العربي: الاستعمار المقنَّع بالقانون.
فرنسا لم تُعلن تونس مستعمرة حتى 1956، لكنها كانت تحكمها كما تحكم باريس.
المقيم العام كان يعيّن الوزراء، ويتحكم في القضاء، ويصدر المراسيم باسم الباي.
لقد حوّلت فرنسا تونس إلى دولة شكلية داخل مستعمرة واقعية.
نهاية المسرحية: من باردو إلى الاستقلال… عبر باريس
حين أعلن بورقيبة الاستقلال سنة 1956، لم يكن يحرّر تونس من الاحتلال فحسب، بل من وثيقتين عمرهما 75 عامًا.
لكنه فعل ذلك دون مراجعة الحدود ولا الملفات الاقتصادية التي رافقت تلك المعاهدات.
بل إن كثيرًا من الاتفاقيات اللاحقة، وخاصة البحرية، جاءت بنَفَسٍ شبيه بروح المرسى:
“نوقّع لأننا صغار، ونقبل لأننا ضعفاء.”
تونس التي بيعت بالتوقيع
في باردو، بيعت السيادة.
في المرسى، بيعت الإدارة.
وفي كليهما، لم تُطلق رصاصة واحدة لأن البنادق كانت موجهة إلى الذاكرة لا إلى الجسد.
لقد دخلت فرنسا من باب الدين، واستقرت عبر الاقتصاد، وخرجت من الباب ذاته بعد أن تركت خلفها إدارة تشبهها وخرائط تخدمها.
لم تغادر فعلاً، بل تركت أبناء المعاهدتين يديرون المشهد بنفس اللغة ونفس الذهنية: “القرار من الخارج، والتنفيذ من الداخل.”
لم تُحتل تونس في يومٍ واحد، بل في سطرٍ واحد.
في باردو تمزقت الخريطة، وفي المرسى جُرّدت الذاكرة.
ومنذ ذلك الحين، يعيش التونسي داخل حدودٍ ليست له، ويردد تاريخًا لم يكتبه.
ولأن الاستعمار الأذكى هو الذي يُقنعك بأنك حرّ، فقد صيغت معاهدتا باردو والمرسى لتكونا سلاسل من ورق، لا تُرى ولكنها لا تُكسر.
تونس لم تُخلق صغيرة…
بل صُغِّرت بالحبر.
وما لم نراجع تلك الأوراق القديمة، سنبقى نعيش في خرائطٍ كتبها أعداؤنا وصدقناها نحن.
الاحتلال العسكري يرحل حين تنتهي المدافع،
لكن الاحتلال الإداري يبقى حين يرثه الوطنيّون ويظنّونه دولة.
تونس لم تتحرّر تمامًا سنة 1956، بل غيّرت أزياء السلطة فقط:
خرج المقيم العام الفرنسي من قصر المرسى، ودخل مكانه موظف تونسي بربطة عنق باريسية.
أما الإدارة، والخرائط، والقوانين، والمصالح… فقد بقيت كما هي.
هكذا، ورثت الجمهورية نظام “الحماية” بكل تفاصيله الدقيقة: من دفتر الأراضي إلى هيكلة الوزارات، من عقل الدولة إلى لهجة النخبة.
من بول كامبون إلى الحبيب بورقيبة: انتقال ناعم للسلطة
حين كتب بول كامبون سنة 1883 تقريره إلى باريس، قال حرفيًا:
“إن هدفنا ليس فقط السيطرة على البلاد، بل جعلها قادرة على أن تحكم نفسها كما نحكمها نحن.”
كانت تلك الجملة دستور “الاستعمار الذكي”.
ولم يكن بورقيبة بعيدًا عن هذا المنطق، إذ رأى أن الدولة الحديثة لا تُبنى على الهدم بل على “التدرّج”، فاحتفظ بالبنية الفرنسية نفسها:
الوزارات كما تركها كامبون.
الإدارة الإقليمية كما رسمها الفرنسيون.
القضاء الثنائي (فرنسي–تونسي) أُعيدت صباغته بلون وطني فقط.
التعليم العمومي ظلّ يدرّس في بعضه التاريخ الفرنسي حتى أواخر الستينات.
لقد خرجت فرنسا رسميًا، لكنّها تركت نسخة من نفسها داخل الدولة التونسية.
الجمهورية الأولى: الاستقلال المُدار
حين أعلن بورقيبة الاستقلال، لم يكن في الواقع يُعيد تأسيس الدولة، بل يُدير ما تبقّى من مشروع كامبون بلباس جديد.
تمّ الإبقاء على أغلب كبار الموظفين الذين تخرّجوا من المدارس الفرنسية، وتمّ توقيع اتفاقيات التعاون العسكري والثقافي والمالي مع باريس في نفس سنة الاستقلال (1956).
بل إنّ الفرنك الفرنسي ظلّ يُستخدم في المعاملات البنكية الكبرى حتى أوائل الستينات.
كانت الجمهورية الأولى، في عمقها، استمرارًا إداريًا للحماية بوجه جمهوريّ.
ولذلك قال أحد المستشارين الفرنسيين آنذاك:
“لم نغادر تونس، بل غيّرنا المفاتيح.”
إدارة الدولة… كما علّمها المستعمر
منذ معاهدة المرسى، تمّ تفكيك النظام التقليدي الذي كان يقوم على الوزير الأكبر والدواوين، واستُبدل به نظام بيروقراطي متمركز حول العاصمة.
وحين ورث بورقيبة الدولة، وجدها منظمة على النمط الفرنسي الحديث:
المحافظات (الولايات) نسخة من الـ Départements.
البلديات منسوخة من Communes.
الشرطة والإدارة المحلية مهيكلة على النظام الفرنسي الصارم.
لم يغيّر بورقيبة سوى الوجوه، بينما بقيت الآلة نفسها.
وهكذا، أصبح التونسي يخضع لسلطة أكثر “عصرية” لكنها بنفس المنطق القديم:
سلطة تعرف كل شيء، تراقب كل شيء، وتمنح الحقوق بالقطارة.
الاقتصاد: من القروض إلى التبية
فرنسا كانت قد صممت خلال فترة الحماية نظامًا ماليًا يجعل تونس عاجزة عن الفكاك من باريس.
فالبنوك الكبرى مثل Société Générale وBanque de l’Algérie et de la Tunisie كانت تدير كل القروض والمعاملات، ومعها الشركات الفلاحية الفرنسية التي امتلكت الأراضي الخصبة.
بعد الاستقلال، لم تُؤمم هذه البنوك فورًا، ولم تُسترجع كل الأراضي.
بل جرى “تعويض” أصحابها تدريجيًا، بموجب اتفاقيات وقّعها الوزير أحمد بن صالح تحت إشراف مباشر من المستشارين الفرنسيين في وزارة الاقتصاد.
النتيجة: تونس خرجت من الاحتلال لكنها لم تخرج من التبعية.
ظلّ اقتصادها مربوطًا بالفرنك ثم باليورو، وسياستها التجارية مرهونة بالسوق الأوروبية.
التعليم: المدرسة التي علّمتنا كيف نحب فرنسا
منذ إصلاحات الحماية، فُرض نظام تعليمي مزدوج:
مدارس دينية تقليدية للشعب، ومدارس عصرية للنخبة.
وحين جاء الاستقلال، لم يُلغَ هذا التقسيم، بل تمّ تطويره في شكل جديد:
مدارس النخبة الحكومية التي تدرّس بالفرنسية، ومدارس الشعب بالعربية.
وهكذا، استمرّ الانقسام الطبقي والمعرفي نفسه الذي أراده الاستعمار:
النخبة تتحدث لغة الحاكم السابق، وتفكر بعقله، وتستمدّ منه معايير النجاح، بينما يعيش عامة الناس على هامش الدولة.
إنها “حماية ثقافية” مستمرة، أذكى وأخطر من الاحتلال العسكري.
الخرائط التي لم تتغير
الحدود التونسية التي نعرفها اليوم، من بن قردان إلى طبرقة، ليست تراثًا من الحفصيين ولا من الحسينيين، بل من القلم الفرنسي الذي رسمها سنة 1888 بالتنسيق مع الجزائر المستعمَرة وليبيا العثمانية.
فرنسا هي التي حدّدت خطوط الرمال في الجنوب، وأين يبدأ “المجال الفرنسي” وأين ينتهي “المجال الإيطالي”.
ولم تراجع الجمهورية الأولى هذه الحدود أبدًا.
بل تبنّتها كما هي، حتى أصبحت “مقدّسة”، مع أنّها كانت في الأصل حدود حماية عسكرية فرنسية.
ومن هنا نشأت هشاشة الدولة في الجنوب، وضعف حضورها في الأطراف، لأن الخريطة لم تُرسم لتوحّد البلاد بل لتقسّمها وظيفيًا.
ذاكرة المرسى التي لا تموت
قصر المرسى لم يعد اليوم مقرّ المقيم العام، لكنه ما زال رمزًا لمعنى السلطة الذي ورثناه:
السلطة التي ترى نفسها وصيّة على الشعب لا ممثّلة له.
من كامبون إلى بورقيبة، ومن بورقيبة إلى ما بعده، ظلّ النظام السياسي في تونس يعيش على منطق “الرعاية”: الدولة تحمي، والشعب يطيع.
ذلك هو جوهر معاهدة باردو واتفاقية المرسى، وإن تغيّر الزمان والوجوه.
لقد نجحت فرنسا في أخطر ما يمكن أن يفعله مستعمر: أن يزرع في عقل المستعمَر نسخته الإدارية، وأن يتركه يحكم بها نفسه.
النتيجة: استقلال في الشكل، تبعية في الجوهر
الاستقلال لم يكن خطًّا فاصلًا بين زمنين، بل استمرارًا بوجه وطنيّ.
منظومة المرسى لم تسقط، بل انتقلت من الفرنسي إلى التونسي، من الحماية الأجنبية إلى الحماية الإدارية، من الاحتلال إلى البيروقراطية.
ولذلك، بعد أكثر من قرن ونصف على باردو والمرسى، ما زالت تونس تحكمها عقلية الوثيقة القديمة:
القرار يُتخذ في العاصمة، والمصالح تُدار من الخارج، والشرعية تأتي من “التنظيم لا من الشعب”.
لم تُغادر فرنسا تونس يوم 20 مارس 1956…
بل تركت فيها نسختها الأذكى: الدولة التي تشبهها أكثر مما تشبه شعبها.
ومنذ ذلك اليوم، نعيش في “جمهورية المرسى” لا “جمهورية قرطاج”، نحكم أنفسنا بأدواتٍ لم نصنعها، ونعيش في حدودٍ لم نرسمها.
لقد تحرّرنا من علم فرنسا، لكننا لم نتحرّر بعد من قلمها.
وتلك هي معركة السيادة الحقيقية التي لم تبدأ بعد.
“لم نغادر ...بل غيّرنا المفاتيح
2025-11-04
1165 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن