مقالات عن: تونس

لم تعد تونس التي نعرفها

2025-11-02 726 قراءة عماد عيساوي
تونس اليوم ليست كما كانت تُروى في كتب الجغرافيا والسياسة.
لم تعد بلدًا يصنعُ أحلامه، بل صار سوقًا ضخمةً يبيع فيها الجميع كلّ شيءٍ للجميع: من القهوة إلى الضمير، من الدواء إلى الأمل، من الهاتف المقلّد إلى الشهادة الجامعية بلا معنى.
بلدٌ يلبس قناع الدولة، لكنه في العمق بازار فوضوي مفتوح على الفساد والتهريب والغشّ.
المقاهي صارت أكثر من المدارس، والمطاعم أكثر من الورشات، والسيبارات أكثر من المخابر.
من الشمال إلى الجنوب، تتكاثر هذه المشاريع كالنبات الطفيلي الذي يخنق ما تبقّى من التربة.
كل شارعٍ أصبح مرآةً لعجزنا، وكلّ محلٍّ جديدٍ يبيع المهرّب هو إعلانُ وفاةٍ لمشروعٍ حقيقي لم يولد بعد.
في تونس الجديدة، التهريب أصبح نظامًا اقتصاديًا، والمزوّر صار رجل أعمال، والمهرّب صار قدوة، والمستهلك صار ضحيةً راضية.
الناس يركضون وراء الربح السريع، بلا صناعة، بلا فكرة، بلا روح إنتاج.
الكلّ يبيع شيئًا: السياسي يبيع خطابًا، والإعلامي يبيع رأيًا، ورجل الأعمال يبيع الوهم، والمواطن يبيع يومه كي يشتري غده، والغد لا يأتي.
لقد تحوّل الاقتصاد إلى اقتصاد المقهى رأسمال صغير، ربح سريع، عقل غائب.
بلدٌ يعيش من القهوة والسجائر المهرّبة والعطور المقلّدة، ويُقنع نفسه أنه في حالة «نمو».
لكن أيّ نمو هذا الذي لا ينتج؟ أيّ تطوّر هذا الذي لا يزرع ولا يصنع؟
لقد أصبحنا نعيش في اقتصاد بلا عرق، في بلدٍ يستهلك أكثر مما يفكّر، ويتكل على الخارج أكثر مما يثق بنفسه.
نعم، تونس صارت تستهلك الوهم.
فمنذ أن توقفت عن الإنتاج، صارت تصدّق الأكاذيب:
أنّ التجارة الصغيرة تصنع الثروة،
أنّ المقاهي تخلق فرص العمل،
أنّ المهرب يستحق التعاطف لأنه “ينقذ العائلة”،
أنّ الدولة لا يمكنها أن تفعل شيئًا لأن «الظروف صعبة».
وهكذا، شيئا فشيئا، غُسلت العقول بالمبررات، وغُسلت الأيدي من المسؤولية، حتى صار الفساد عادةً، والغشّ «شطارةً»، والتهريب «ضرورةً».
لكن الحقيقة أكثر مرارة:
ما نراه اليوم ليس صدفة، بل نتيجة سنواتٍ من الإهمال، من التخلي، من غياب الرؤية.
لقد تركت الدولة المواطن وحده، فترك المواطن الدولة خلفه.
هرب من البيروقراطية إلى السوق السوداء، من الفكرة إلى الربح، من الحلم إلى المقهى.
كلّ شابٍّ كان يمكن أن يكون مهندسًا أو مخترعًا، صار صاحب مشروعٍ صغيرٍ لبيع السجائر أو القهوة أو الملابس المستوردة بلا فاتورة.
الذكاء تحوّل من اختراعٍ إلى “تحيّل”، والطموح من فكرةٍ إلى صفقة.
نحن اليوم نعيش أزمة وعي قبل أن تكون أزمة اقتصاد.
لقد تغيّر ميزان القيم: من يعمل يُهان، ومن يزوّر يُكافأ، ومن يتهرّب يُحتفى به على أنه “ناجح”.
صار الصادق ساذجًا، والمخلص مغفّلاً، والمغشوش ذكياً.
تلك هي المأساة التي نعيشها بصمت، بينما يصفّق البعض للرداءة ويعتبرها واقعية.
تونس التي كانت تزرع الزيتون وتصدّر الفسفاط وتُنتج العقول، صارت تزرع المقاهي وتصدّر البطالة وتستورد كل شيء حتى الوعي.
بلدٌ كان يُدرّس في جامعاته الفكر والفلسفة والعلوم، صار اليوم يدرّس «فنّ التسويق على إنستغرام» و«حيلة المربوح السريع».
إنه الانحدار الذي لا يُحدث ضجيجًا، لأن الناس تتعوّد عليه كما يتعوّد المريض على ألمه.

ومع ذلك، لا يزال هناك بصيص ضوء في آخر هذا النفق الطويل.
فالأمم لا تموت دفعةً واحدة، بل تسقط حين تستسلم.
ما زال في تونس شبابٌ يفكرون، يبتكرون، يحلمون بالزراعة الذكية، بالتكنولوجيا، بالصناعة النظيفة، بالمدرسة التي تُعيد الاعتبار للعقل والعلم والجهد.
ما زال في تونس من يرفض أن يتحول إلى بائع في سوق الفوضى، ومن يؤمن أن الكرامة لا تُقاس بالأرباح بل بالإنتاج.
لكن هؤلاء يحتاجون دولةً تصدّقهم لا تُحبطهم، قوانينَ تحميهم لا تُرهقهم، وإدارةً تخدمهم لا تبتزّهم.
يحتاجون وطنًا يؤمن بالعمل أكثر من الشعارات، وبالمصنع أكثر من المقهى.
حينها فقط يمكن أن نغلق سوق الفوضى ونفتح باب المستقبل.
إنّ تونس لن تقوم بمشاريع استهلاكية ولا بشعاراتٍ زائفة.
ستقوم يوم تُعيد للعقل مكانته، ولليد العاملة احترامها، وللإنتاج قيمته.
لن تُبنى بالتهريب ولا بالمظاهر، بل بالتصنيع والبحث والتعليم والابتكار.
يومها فقط، لن نكون سوقًا تأكل الدولة، بل دولةً تُنظّم السوق وتبني الإنسان.

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق