في أرشيف الدولة التونسية، كما في ذاكرة الأمم التي نسيت من كتب فصولها الأولى، توجد وثائق صامتة لا يتحدّث عنها أحد، لأنها تشبه المرآة حين تُظهر ملامح لا يريد أحد رؤيتها.
إحدى تلك الوثائق وُلدت سنة 1958، حين كتب رجل فرنسي يُدعى جان ديبياس ما سيصبح لاحقًا الخطة التربوية الأولى لتونس المستقلة.
خطة جاهزة... حملت اسم «الإصلاح»، لكنها كانت في جوهرها «تدويرًا ذكيًا للاستعمار» بلغة التعليم هذه المرّة، لا بلغة الجيوش.
وهنا تبدأ الحكاية.
بلاد تبني تماثيلها على الرمال
في بلادٍ تُحبّ أن تصدّق خرافاتها أكثر من وقائعها، وتُغنّي لأبطالٍ من ورق، يظلّ التاريخ يمشي حافي القدمين بين قصور البيروقراطية.
تونس، التي أرادت في منتصف القرن الماضي أن تكتب استقلالها بالحبر الوطني، سمحت لقلمٍ فرنسيٍ صغير أن يخطّ أول سطرٍ في مستقبل تعليمها.
اسمه جان ديبياس فيزيائي، مفتش، رجل ظلٍّ جاء من وراء البحر ليزرع البذور الأولى لما سُمّي لاحقًا «البرنامج الوطني»، وهو في الحقيقة لم يكن وطنيًا إلا في التسمية.
الوثيقة التي صنعت عقل التونسي
في جانفي 1958، كتب ديبياس وثيقته الشهيرة:
Projet de réforme de l’enseignement en Tunisie أي مشروع إصلاح التعليم في تونس
ستون صفحة فقط، لكنها كانت كافية لتحديد مصير أجيالٍ كاملة من أبناء البلاد.
لم يكن الرجل مصلحًا تربويًا، بل «مهندسًا للذاكرة»، صاغ مناهج التعليم الأولى بعد الاستقلال لتبقى تونس متعلّقة بحبلٍ غير مرئيٍّ يربطها بالمركز الفرنسي.
لم يُذكر اسمه في نشرات الوزارة، ولم يُوثّق رسميًا في الرائد، كأنّ الدولة اختارت الصمت، أو كأنّ التاريخ خاف من نفسه.
لكنّ الأرشيف الفرنسي لم ينسه، ولم تنسه ذاكرة الباحثين.
المسعدي... الواجهة التونسية للمخطط الفرنسي
الرواية الرسمية تنسب الخطة إلى محمود المسعدي، وزير التربية آنذاك، وتقدّمه كمهندس الإصلاح التربوي الأول.
لكنّ شهادة محمد مزالي في مذكراته «نصيبي من الحقيقة» تكشف الوجه الآخر: المشروع كان من إعداد ديبياس وفريقٍ من المفتشين الفرنسيين، والمسعدي لم يكن سوى الغطاء السياسي لتونسة الخطة.
ومنذ ذلك الحين، أصبحت المدرسة التونسية تكتب تاريخها بمدادٍ أجنبي، وتدرّس أبناءها بلغتين متخاصمتين، وتخرّج أجيالًا تبحث عن هويةٍ بين السطر والسطر.
من يمحو الأسماء من ذاكرة الشعوب؟
لماذا اختفى اسم ديبياس من السجلات الرسمية؟
لماذا لم تُنشر الوثيقة في تونس كما نُشرت في باريس؟
هل لأنّ الدولة أرادت أن تُعيد تشكيل الرواية بما يخدم صورتها؟
أم لأنّها خافت من أن يعترف الناس بأن أول إصلاح بعد الاستقلال كان فرنسيًّا في الجوهر، تونسيًّا في الديباجة؟
مهما كان السبب، تبقى الحقيقة أن هذه الوثيقة، التي تجاهلها الجميع، لا تزال تضع ملامح المنهج التربوي إلى اليوم:
لغة لا يتقنها الأطفال، مناهج لا تشبههم، وذاكرةٌ تُعلّمهم أن يفكروا كما يريد الآخرون.
صمت الوزارة... وضحك التاريخ
تتبدّل الوزارات، وتتغيّر اللجان، وتُعاد طباعة الكتب المدرسية بعناوين براقة عن «الإصلاح» و«التحديث»،
لكنّ الروح القديمة لم تغادرها بعد.
يضحك التاريخ، وربما يبتسم ديبياس من قبره البعيد، لأن وثيقته ما زالت تُدرّس في مدارس لا تعرفه.
البلاد تتحدث عن «الإصلاح التربوي»، لكنها لم تجرؤ يومًا على السؤال:
من كتب الخطة الأولى؟ ومن قرّر أن نحلم بلغةٍ لا نحلم بها؟
حين تُصبح المدرسة أداةً للاستعمار الناعم
المدرسة ليست فقط مكانًا لتعلّم القراءة والحساب.
إنها مختبرٌ للهوية، ومصنعٌ خفيٌّ لصياغة الوعي الجمعي.
ومن يكتب مناهجك... يكتب مستقبلك.
حين يُكتب المنهج بلغةٍ أجنبية، سيصبح التفكير نفسه مستعارًا.
وهكذا تُربّى أجيالٌ تحفظ أكثر مما تُبدع، وتُطيع أكثر مما تُفكّر، لأن المدرسة علّمتها منذ الصغر أن «الجواب الصحيح» يأتي من الخارج.
متى نكتب وثيقتنا الوطنية؟
اليوم، بعد أكثر من ستين سنة، لا تزال تونس تُعيد إنتاج برامج جاهزة تأتي من مكاتب باردة في باريس أو من توصيات منظماتٍ دولية.
البلاد لا تحتاج إلى إصلاحٍ جديدٍ مكتوبٍ بلغة الآخرين، بل إلى مشروعٍ وطنيٍ حقيقي،
يُكتب في مدرسةٍ في منوبة، أو في قسمٍ صغيرٍ في الكاف، أو في جامعةٍ منسية في تطاوين.
مشروعٍ يُعيد تعريف التعليم كمسألة سيادة، لا كملف إداري.
مشروعٍ يُحرّر الطفل من الكتب المترجمة، ويُعلّمه أن يحلم بلغته.
حينها فقط، سنقول إننا كتبنا «خطة ديبياس التونسية» لا لننكر التاريخ، بل لنستعيده ونصححه.
ليست الحكاية مجرّد بحثٍ في الأرشيف، بل دعوةٌ إلى مراجعة الذات.
فما من دولةٍ تنجو من أزماتها ما لم تُراجع ما كتبه الآخرون باسمها.
ولعلّ أول طريقٍ للنهضة التربوية هو أن نسأل أنفسنا بصراحة:
هل نُدرّس أبناءنا ليتحرّروا... أم ليبقوا أوفياء لوثيقةٍ فرنسيةٍ عمرها سبعة عقود؟
«ما لم نكتب نحن مشروعنا الوطني، سيبقى الآخرون يكتبون مصيرنا بالحبر الذي نشتريه منهم».
أصل الحكاية: وثيقة ديبياس ومؤامرة البرامج الجاهزة
2025-11-02
1578 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
2
ارجو فقط ان نتفق علي شكل التغيير وجوهره وان يبدأ أهل التعليم وهم ادرى بشعابها
منظومة التعليم التي صممتها فرنسا
مقال جيد يتميز بجراته في اعادة النظر في المسلمات التي تحكم تونس
نعم منظومة التعليم صممتها فرنسا ونفذها منتسبو فرنسا
نعم منظومة التعليم صممتها فرنسا ونفذها منتسبو فرنسا