في بلدٍ لم يكن له وجه، بل أقنعة تتبدّل كل موسم، خرج رجل من صلب القفر، من أحشاء الجبال التي لا تعرف الزيف، ولا تصنع الأقزام. لم يكن يحمل لقباً نوبلياً، ولا وشاحاً عسكرياً. كان اسمه علي. علي بن غذاهم. وذاك يكفي.
ولد سنة 1814 في أرض لا تلد غير الغبار والأنبياء المزيفين. نشأ بين قبائل "ماجر" القاحلة، ينهل الدين لا ليؤم المصلين، بل ليُعلم القبائل كيف يُعلن التمرّد بلغة الصلاة. لم يكن شيخاً، بل صار قبيلة. لم يكن قائداً، بل أصبح أُسطورة. في زمن الخوف، أصبح علي سؤالاً، وفي زمن المماليك، كان جواباً.
حين تصير الدولة وحشاً ينهش أبناءه
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كانت تونس دولة ممزّقة بين خزينة مفلسة وبايٍ يستدين من مرابين أوروبا، ثم يُلقي بالفلاح في نار المجبى. كانت الدولة تبيع نفسها باسم الإصلاح، وتشتري سَخط القبائل بعملة الذلّ. ضريبة واحدة... المجبى... كانت تكفي لتشعل برميل البارود. رفعوها إلى 72 ريالاً، فاحترقت البلاد. ليس لأن الرقم كبير، بل لأن الكرامة كانت أصغر مما يجب.
القبائل فهمت الرسالة: السلطة لا تفهم إلا لغة السلاح. تحرّك عرب الفرشيش، وصرخ أولاد مساهل، ونطقت ماجر بلهجة النار. وسُمِع الاسم: علي... علي بن غذاهم. وحد القبائل كما لا توحدها إلا المصائب الكبرى. صار يُنادى بـ"باي الشعب"، في بلاد لا تعرف غير البايات العملاء.
الثورة: لا تبدأ من القصر، بل من أحذية الفقراء
لم تكن ثورته بياناً سياسياً. لم يكن خلفه حزب ولا إعلام ولا قناصل. كان خلفه الجوع والغضب. مشى على التراب لا على السجاد. دخل القيروان، لا كفاتح، بل كغاضب باسم التاريخ. ومن هناك، توهّجت الأرض. رفض الاستعمار، سَخِر من رسائل فرنسا، تجاهل عيون الأتراك. لأنه كان يعرف أن الثورة ليست هدنة مع العواصم، بل انفجار في قلب البلاد.
الصادق باي: حين يتحوّل الحاكم إلى كومبارس في مسرحية العار
في باردو، كان الباي يحصي أنفاسه. المماليك ارتعدوا. استعانوا بجنرالات الغدر، وكتبوا للثوار صكوك التهدئة، ثم مزّقوها بدم. فاوضوا علي، ثم قرّروا اغتياله بالخيانة. فأرسلوا خلفه زروق، رجل الجزارين. فدخلت الثورة مرحلة الدم.
فرّ علي إلى الجزائر. وكانت الجزائر بدورها عاصمة للخيانة. فرنسا اعتقلته، وقدمته هدية للباي، كما تُقدّم الذئاب إلى الأسود المريضة. حُكم عليه بالصمت. ومات بالصمت. لم يُشنق، بل سُمّم. لأن صوته كان أخطر من سيفه.
الجريمة: حين تتحوّل الثورة إلى طقس تعذيب جماعي
بعد سقوط الثورة، بدأت حفلة الذبح. لم يكن زروق قائداً، بل جلاّداً. قطع البلاد مثل ماكينة. اعتقل الشيوخ، جرّ النساء، سلب الأراضي. فرض غرامات تساوي دماء الناس. قيل إن تونس بكت في تلك الأيام من عينها الوحيدة. سُمّيت تلك المرحلة بـ"العشرية السوداء" قبل أن تعرف تونس العشرية السوداء.
الأسطورة: لم يُدفن بل توزّع رماده على الحكايات
اليوم، نذكر علي لا كمقاتل، بل كمرآة. كل مرة نسأل من يحكم هذه البلاد؟ يخرج من رماده ويجيب: نفس الزمرة. نفس السلالة. فقط بدل السيوف، صاروا يملكون البنوك. بدل الضرائب، صاروا يملكون الشركات.
علي بن غذاهم ليس ماضياً. هو اختبار أخلاقي لنا جميعاً. هل ما زلنا قادرين على الغضب؟ هل يمكن للفلاح أن يصرخ دون أن يُشهر في وجهه عقدُ قرض من البنك الدولي؟
نحن اليوم نعيش في وطن صُمّم ليكون قبراً أنيقاً، لا دولة. علي حاول كسر المعادلة. فدُفن تحتها.
لكن الشعوب لا تنسى الذين قالوا "لا". تكتب أسماءهم على الحيطان، وترويهم لأبنائها حين تنطفئ الكهرباء.
علي بن غذاهم... الرجل الذي حاول أن يحكم شعبه من خارج القصر، فأعدمه القصر، وخلّدته البلاد.
علي بن غذاهم: باي الشعب في زمن الضباع
2025-11-01
762 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن