في خارطة الروح، هناك أمكنة لا تُصنع… بل تتكوّن. لا تُبنى… بل تتجلّى. وسيدي بوسعيد واحدة من تلك الأماكن التي لا تنتمي للجغرافيا، بل للذاكرة. للذوق. للضوء. ولتلك الهالة القديمة التي تسبق المدن وتبقى بعد زوالها.
سيدي بوسعيد ليست مجرد ضاحية، ولا مجرد قرية. هي أشبه بمقطوعة موسيقية لا تُعزف، بل تُشاهد. وأشبه برؤية صوفية نزلت من جبل المنار، تارة على هيئة محراب، وتارة على هيئة شرفة معلّقة بين زرقة السماء وخشوع البحر.
النشأة الروحية: البداية ليست هندسية، بل صوفية
على قمة الجبل، في القرن الثاني عشر، اعتكف الشيخ الصوفي أبو سعيد الباجي، القادم من باجة، تاركًا وراءه صخب المدن وبهارج الفقهاء، باحثًا عن خلوة تطلّ على البحر، وتفتح للذكر والسكينة أبوابًا.
وهناك، انغرس الجذر الأول للقرية: خلوة. ثم زاوية. ثم ضريح. ثم نور ينتشر ببطء، فيأتي الناس من كل فجّ لتلمّس الأثر. وكما تبدأ مدن العالم من الأسواق والقصور، بدأت سيدي بوسعيد من قبرٍ يتحوّل إلى مقام، ومقامٍ يتحوّل إلى ذاكرة جماعية.
لكنّ البحر ظلّ خلف الستار، يرسم حدود المكان، ويغوي الجمال بجرأة. وكأن الصوفي والبحر اتفقا على توقيع مدينة لا تشبه شيئًا.
دخان الحداثة وخوف الفنّانين: ولادة الحاجة إلى قانون
مع مطلع القرن العشرين، بدأت جحافل الحداثة تتسلل نحو الجبل. باريس تُرسل حديدها، والإدارة الفرنسية تُرسل قوانينها، والمستثمرون يفتحون شهيّتهم على التلال المطلة.
لكنّ سيدي بوسعيد لم تكن تصلح لأن تُحوّل إلى إسمنت. كانت أشبه بصورة فوتوغرافية لا تتحمل رتوشًا. وفي خضم هذا المدّ العمراني، نهض صوت نادر، أنيق، غريب الهوى، باريسي المولد، شرقي الروح: البارون رودولف ديرلانجي.
البارون الذي قرأ المدينة كما يُقرأ كتاب التصوّف
ديرلانجي لم يكن إداريًا، ولا سياسيًا، بل فنانًا يهوى الموسيقى الأندلسية، ويحلم بإحياء تراثها في بلدٍ كان يذوب ببطء تحت وقع الاستعمار. وعندما زار سيدي بوسعيد، أُغرم بها كما يُغرم الصوفي بحالٍ لا تفسير له.
ابتاع أرضًا في الربوة، وبنى عليها قصرًا سماه "النجمة الزهراء"، لم يكن قصرًا بل تأويلاً معماريًا لفكرة. وضع فيه من الأرابيسك والنحت والزليج ما يليق بأندلسٍ هجرتها قرون.
لكن الأهم من القصر، أن البارون بدأ يحرس القرية بقانون الذوق. يرفض أن يُبنى بيت بلونٍ غير الأبيض، ويُجبر البنّائين على طلاء الأبواب بالأزرق، لا غير.
اللون الأبيض رمز النقاء. الأزرق رمز البحر.
أما السقف، فكان عليه أن يرتدي القرميد الأخضر… كقبّة مقام أو حلم في انتظار المطر.
مرسوم 1915: حين يتحوّل القانون إلى صلاة جمالية
البارون، بعلاقاته، نجح في إقناع الباي في سنة 1915 بإصدار مرسوم ملكي يمنع تشويه القرية.
قانون غريبٌ في زمنه: لا يتحدث عن الضرائب، ولا عن المحاصيل، بل عن اللون والشكل والتناسق.
يمنع البناء دون احترام الطراز المعماري الأندلسي.
يمنع فتح نوافذ مربعة الشكل.
يُجرّم استخدام الإسمنت المكشوف أو الألوان القاتمة.
ويُلزم الأهالي والمستثمرين بتحقيق "وحدة بصرية مقدّسة".
إنه ليس قانونًا، بل مرآة أخلاقية للمدينة.
كأن سيدي بوسعيد وقّعت عقدًا أبديًا مع نفسها: "لن أتحوّل إلى مدينة، لن أكبر، لن أتغيّر، سأظلّ كما أحببتني أول مرة".
النتيجة: مدينة لا تكبر، لا تهرم، بل تعود دائمًا إلى ذاتها
بفضل ذلك القانون، تحوّلت سيدي بوسعيد إلى أيقونة عمرانية نادرة، حيث لا يختلّ ميزان اللون، ولا تُشذّب الشرفات، ولا يُكسر الخطّ السماوي الممتد من باب البحر إلى صهوة المقام.
تحوّلت المدينة إلى مرجع معماري في معاهد العمارة، وإلى قبلة للفنانين والأدباء والمترجمين، من الشابي إلى بول كلي.
وصارت مدينة تُزار لا للسكن، بل للتذكّر.
مدينة لا تدخلها كما تدخل المدن، بل كما تدخل محرابًا… تخلع عليك جمالية ما قبل العمران، وتجعلك صغيرًا أمام عظَمة التنسيق.
النجمة الزهراء: القصر الذي ألهم القرية... والعكس
قصر النجمة الزهراء لم يكن غريبًا عن القرية، بل امتدادًا روحيًا لها. بل هو الذي رسم للأهالي ما ينبغي أن يكون.
فيه الخشب المنقوش، النوافذ المشربية، السقوف المزجّجة، والممرات المعقودة.
فيه ما يُشبه ما حلمت به سيدي بوسعيد قبل أن تُبنى.
وفيه ما تُدرّس به الموسيقى الأندلسية اليوم.
لقد تحوّل القصر إلى مؤسسة دولة رمزية، تُدرّس فيه الهُوية كما تُدرّس الألحان.
في سيدي بوسعيد، المدينة تضع قانونها… والمواطن يوقّعه
في سيدي بوسعيد، لا يمكن أن تبني كما تشاء.
لا تستطيع أن تُضيف شرفة دون إذن.
ولا تُصلّح بابًا دون استشارة لجنة الذوق.
هناك مجلس بلدي يشبه هيئة جمالية عليا، وظيفته أن يضمن أن لا تتغيّر القصيدة.
في زمن المدن المُشوّهة، والعمارات الزجاجية، والرداءة المعمارية…
تظلّ سيدي بوسعيد استثناء.
مدينتنا الوحيدة التي رفضت النموّ العشوائي كما يرفض الصوفي كثرة الكلام.
بين القانون والمقام، بين البحر والضريح
سيدي بوسعيد ليست فقط محمية عمرانية.
إنها نموذج لما يجب أن تكون عليه الدولة حين تضع الجمال فوق المال، والهوية فوق العشوائية، والحلم فوق الربح.
سيدي بوسعيد، تلك القرية التي بُنيت على صمت البحر…
لم تُسقطها قرون، ولم تشوّهها الحداثة، ولم تُبدّدها العشوائية.
لأنها ببساطة: وضعت قانونًا يحمي الضوء
سيدي_بوسعيد… القرية التي كتبها البحر وحرستها الصوفية وقنّنتها الموسيقى
2025-11-01
547 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن