مقالات عن: العلمانية

”يــا خوانجي” .. قراءة في مـا وراء الوصـم

2025-10-30 680 قراءة صابر النفزاوي
1
* تتحدّد عبارة «يـا خوانجــي» كأداة تمييـز رمزي مركّب تنتمي إلى ما يُعرف في تحليلات «إتيـان باليبـار» بـالعنصريّـة الثقـافيّة أو التفاضلية الثقافية؛ وهي شكل مستحدث من العنف الرمزي لا يقوم على الفوارق البيولوجيّة (كالعرق أو اللون) إنما على تصنيفـات الهويّة الثقافيّة حيث تستحيل الخيـارات القيميّـة والسياسيّة للفرد أو الجماعة إلى ذريعة لـالإقصاء الاجتمـاعي والسياسي ..

في هذا السيـاق لا يُكتفى بنفي الآخر المخـالف باعتبـاره خصمًـا إيديولوجيًّـا إنمـا يُعـاد توصيفه بوصفه انحرافًـا ثقافيـا أو تشوّهًـا هويّاتيًـا يستوجب الإقصـاء بل ”العزل الرمزي”،، وهكذا تنفصل الكلمة عن أصلها التنظيمـي (الموصول بجماعة الإخوان) أو مظهرهـا الفئـوي (المرتبط باللحية والنقاب) لتغدو وسمًـا شموليًـا يُلصَق بأيّ تعبيـر عن الانتمـاء الإسلامي في المجال العام ولو لم يصدر عن جهة حركيّـة أو طرف سياسي واضح ..

إنّ هذا الانزياح الدلالي للمصطلح يكشف عن آلية إفراغٍ دلالي متعمّدة، فالمصطلح لم يعد يحمل حمولةً مرجعيةً (حزبية أو فكرية) بقدر ما أصبح أداةً لإعادة التصنيف الوجودي حيث تُختزل الذات في ”خططر ثقافي”متجسّد بغض النظر عن ممارساتها السياسية أو مواقفها الواقعية؛ هذه الديناميكيّـة تعيد إنتـاج منطق «العدو الكلي» في الخطاب السياسي الحديث ..

فأن يُلصَـق هذا الوسم آليًّـا بحركة النهضة رغم ما يُبديه هذا الحزب من ”لا جذريّـة” فذلك يعني أن الوصم لا يستند إلى مضمـون جذري أو تهديد واقعي بقدر مـا يرتكز على هوس الهوية الرمزيّـة الإسلامية نفسها، وهو ما يعكس الطابع التعسفي للخطاب ويفضح حموولته الدلاليّة الثقيلة التي تتجاوز حدود الاشتقـاق في اللغة التركية (المتعلّق بالحِرفة) لتتحوّل إلى أداة تصنيف قيمي عدائي يستهدف كل من يرى للدين دورًا إشرافيًّـا توجيهيًّـا خـارج المساجد ..

بمعنى خر هذا التفصيـل يُثبت أنّ الوصم لا يستهدف السلوك السيـاسي للموصوميـن بل حضورهم الرمزي كـآخـر ثقـافي؛ فحتى لو تخلّت الحركة عن كل مرجعية إسلامية سيظلّ ”الوسم الهوياتي” مُلتصقًـا بها لأنّ وظيفته ليست وصفية بل تطهيريّـة !..

ولعلّ أخطر ما في هذا الخطاب أنه يتخفّى خلف شعـارات براقة كـ«الحداثة» و«الاختلاف» و«التعايش»، بل يتسلّل تحت مظلّة تعبيرات محلية مألوفة مثل "التتَونس" الذي يُوظَّف كسرديّة ثقافية/سيـاسية ذات جاذبيّـة وجدانية لتثبيت مشروع علمنة ناعمة، تُقصي الدين من المجال الععام لا عبر المواجهة المباشرة إنمـا عبر تجريمه ثقافيًّـا وتصويـره كغريب عن ”النموذج التونسي الأصيل” ..

إذ يُستدعى شعـار «التونســة» -بوصفه تجسيدًا أسطوريـا لـ«الاستثناء التونسي»- ليس كحقيقة تاريخيّـة قابلة للنقاش إنما كـمرجعية سابقة على النقدكنّا قد فصّلنا القول حول نقطة ”التونسـة” باعتبارها أخطر المخلّفات البنيوية للبورقيبيّـة في كتاب «المسألة الهووية في تونس» ..

هذه الآلية تُحوّل الخصوصية الثقافية المحلية إلى معيار كوني مزعوم يتم من خلاله نزع الشرعية عن أي حضور ديني ”صاخب” في المجال العام بذريعة الخروج عن الماهية التونسية،، وهكذا تُختزل الهوية الوطنية في نموذج أحادي يُقدَّم كبديل عن ”المواطنة التعدّديّـة” التي يُزعَم الاعتراف بها، بينما يُصوَّر ”الإسلام (السياسي)” -رغم كونه مكوّنًـا جوهريا في الذاكرة الجماعية- كـمكوّن شاذ ودخيل يُهدّد نقاء الهوية المحليّـة !..

ولا يقتصـر هذا الميكانيزم التحييدي على تونس؛ ففي مصر يُستخدم مصطلح «الإخوانجي» بنفس الدلالة الإقصائيّـة حتى ضد غير المنتمين لجماعة الإخوان، وفي المغرب يُوظّف مفهوم «السلفجي» لوصم كل من يتبنّى خطابـا إسلاميّـا، هذا التوازي يكشف عن بنية استعمـارية جديدة في الخطاب النخبوي العربي؛ فبينما تُرفع «الحداثة» و«العلمانيّـة» كمفـاهيم مُطلقة تُختزل الهوية الدينية في «الرجعية» و«التخلّف»، مستنسخةً بذلك التراتبيّـة الثقـافية الغربية تحت غطاء محلي !..

من المهم أن نشيـر هنا إلى أنّ إنتـاج خطاب الوصم هذا لا يقتصـر على التداول الشعبي بل يُدعّم عبر مؤسسات التشكيل الرمزي كالإعلام عبر تكريس صورة نمطية للمتدين كـ”متطرّف كامن”، ومن خلال النخب الثقافية بتحويلها لللحداثة إلى إيديولوجيا مغلقة تُقصي الدين من تعريف «المثقف» (وقد فصّلنا القول في هذه النقطة في كتاب «الدولة والدين») ، وبوساطة القانون عبر قوانين ”مكافحة الإرهـاب” الفضفـاضة التي تُستخدم لتجريـم المظاهـر الدينيّـة ..
هذا التشبيك المؤسسـاتي يُحوّل «الخوانجي» من مجرد شتيمـة إلى فئة قانونية/اجتماعية (Catégorie socio-juridique) مشروعة الإقصاء !..

وهكذا تُخـاض معركة رمزيّـة دقيقة يكون فيها «الخوانجي» هو ”الآخر الثقافي” الذي يُنتزع من حيّز ”المواطنـة المتسـاوية” ويُحمَّل وِزرا أخلاقيّـا يبرّر إقصـاءه، بينمـا يُقدَّم التوجّه العلمـاني على أنه ”الطبيعة الوطنية” و”المرجعية التونسية” التي يجب أن يحتكم إليها الجميع في عملية إخفاء محكمة للوظيفة الإقصائية الكامنة في هذا الخطاب ..

فما حدث بكل بساطة هو تحويـل ”العلمانية التونسيّـة” إلى ”ميتافيزيقـا سياسية” فوق تاريخية يُزجّ فيها بـ”الإسلام (الشامل)” في خـانة الظاهرة الدخيلة/الطـارئة ويُقدَّم على أنّـه انـزلاق تاريخي عن ”مسار طبيعـي مقدّس” !!!..

التعليقات والردود

1
فوزي
2025-10-31
حول الوصم بالاخونجي
مقتل ممتاز فعلا، استاذ صابر

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق