في خريفٍ طويلٍ لا ينتهي، تنظر تونس إلى سدودها كما ينظر الأب إلى أبنائه الضائعين.
سبعة وثلاثون سدًّا رئيسيًا، وأكثر من ألف بحيرة وسدٍّ تليّ، تمتد على الخريطة كجسدٍ متعبٍ أنهكه الجفاف وسوء التدبير.
كانت يومًا مفخرة المهندسين والفلاحين، فأصبحت اليوم مرآة عجز دولةٍ لم تفهم أن الماء ليس ثروة طبيعية فقط، بل عمود السيادة الوطنية.
تحوّلت السدود إلى معابد مهجورة، تملؤها الطميّات وتغادرها الطيور.
بعضها يئنّ من الشقوق، وبعضها الآخر يختنق بالصمت.
بلغت نسبة امتلائها أقل من الثلث من طاقتها، وكأن البلاد دخلت زمن "الظمأ الوطني".
في القرى، تُروى الحقول بدموع الفلاحين بدل الماء، بينما الوزارات تكتب المراسلات وتنتظر الغيث من السماء لا من التخطيط.
لكن الحقيقة ليست في السماء، بل في الأرض.
في غياب الرؤية، في انقراض الإرادة، وفي بيروقراطيةٍ تقتل الأفكار قبل أن تصل إلى الميدان.
تونس لا تحتاج فقط إلى سدودٍ جديدة، بل إلى فلسفة مائية جديدة، وإلى دولة تفكر في الماء كما يفكر الياباني في الوقت، وكما يفكر المغربي في البحر، وكما يفكر الألماني في كل قطرةٍ يعيد تدويرها.
المطلوب ليس بناء السدود بالحجارة فقط، بل بالعقل والإرادة.
نحن بحاجة إلى عشرات السدود الجديدة في الشمال الغربي والوسط، وسدودٍ صغيرة في الجنوب لتروي ما تبقّى من نخيلٍ وصبر.
نحتاج إلى تكنولوجيا الري الذكي، إلى حصاد مياه الأمطار، إلى تحلية البحر بمشاريع وطنية تعمل بالطاقة الشمسية.
نحتاج إلى تحويل مياه الصرف الصحي إلى مصدرٍ للحياة، لا إلى مستنقعاتٍ تموت فيها الأراضي كما تموت فيها الأحلام.
نحتاج إلى عقلٍ استراتيجيٍّ يدير الماء كملفٍّ للأمن القومي، لا كميزانيةٍ بلدية.
إن إنقاذ الفلاحة ليس شعارًا عاطفيًا، بل معركة وجود.
من دون الماء لا سيادة غذائية، ولا قرى، ولا وطن.
لكن المعركة لا تُخاض بالدموع ولا بالشعارات، بل بالشراكات الذكية.
تونس اليوم مطالبة بأن تفتح أبوابها لشراكاتٍ كبرى مع الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي، الصين، اليابان، والمؤسسات الخاصة، شرط أن تظل القيادة بيدها.
شراكات لا تبيع الماء، بل تشتري الكرامة.
لقد آن الأوان لأن يتحول كل سدٍّ جديد إلى رمزٍ لسيادةٍ جديدة،
وأن تُعلن تونس «خطة السيادة المائية 2035»،
خطة تعيد توزيع المياه كما تُعاد كتابة التاريخ.
خطة السيادة المائية 2035, خمس ركائز لإنقاذ تونس من العطش
الركيزة الأولى: الأمن المائي كأمن قومي
إعلان الماء قطاعًا استراتيجيا تحت إشراف مجلسٍ أعلى للأمن المائي، يتابع تعبئة الموارد، الصيانة، وحماية السدود من التلوث والاستنزاف.
الركيزة الثانية: الثورة التكنولوجية الزراعية
اعتماد الري الذكي، والاستشعار عن بعد، والطائرات المسيّرة لمراقبة الاستعمالات المائية، بما يخفض الاستهلاك الزراعي بنسبة 30% خلال 5 سنوات.
الركيزة الثالثة: الاقتصاد الدائري للمياه
إعادة استعمال 70% من المياه المعالجة في الري والصناعة، على غرار التجارب العالمية، مع تشجيع البلديات والمناطق الصناعية على الاستثمار في الشبكات المغلقة.
الركيزة الرابعة: التحلية والتحويل الطاقي
إنشاء محطات تحلية كبرى في صفاقس، الزارات، وقابس، تعمل بالطاقة الشمسية والرياح، بالشراكة مع شركات عالمية، لتوفير 400 مليون م³ سنويًا.
الركيزة الخامسة: حصاد المياه ومقاومة التصحر
بناء 40 سدًّا تليًّا جديدًا في ولايات الوسط والجنوب (قفصة، سيدي بوزيد، قبلي، تطاوين) لإنعاش الزراعات الجافة ومواجهة زحف الرمال.
مع برنامج وطني لتشجير الواحات واستصلاح الأراضي المتدهورة بمساعدة دولية من المغرب وإسبانيا.
في النهاية، ليست معركة الماء معركة موارد... بل معركة عقول.
إننا إذا خسرنا الماء، خسرنا الوطن.
لكن تونس التي قاومت قرونًا من الجفاف، قادرة على أن تُولد من جديد،
بشرط أن نضع السيادة المائية قبل كل السيادات،
وأن نعيد إلى الماء مكانته كأقدس ما في الأرض.
حين تُحاصر تونس بالعطش...و تبحث عن سدود للكرامة لا الماء فقط
2025-10-26
531 قراءة
عماد عيساوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن