لمـاذا يركّـز معظم الأئمّـة الخُطبـاء في الجـانب الروحـي دون الجـانب الإجـرائـــي ؟!!!..
أو بمعنى خــر ..
لمـاذا يهمِّشـون عـاملاً مهمًّـا من عوامل النّصـر وهو الأخذ بالأسبـاب ؟!!!..
لعلّ الإجابة السهلة الجاهزة هنا هو طبيعة أدوارهم الوظيفيّـة التخديريّة المتذيّلة للسلطة السياسية إمّـا طمعًـا أو خوفًـا وطلبًا للاستقرار الوظيفـي إذ إنّ مجرّد التعمّق في الجـانب العملـي لا يخلو من محـاذير لِما يمكن أن يُفهم منه من انتقـاد مباشر لأداء النظام القائم و إدانة لتقصيره وعجزه عن الإعداد المطلـوب ..
لا شكّ أنّ هذا التفسير لا يخلو من الواقعيّـة والدقّـة غير أنّه يبقى تفسيـرًا مبتسَرًا ويجب استكماله بالإقـرار بأنّ هنـاك إشكالًا حقيقيًّـا يتعلّق ببنيـة تفكير الإمـام الخطيب نفسهـا !..
نعتقد أنّ دوَران السرد التّـاريخي المسجدي حول قوّة الإيمـان وتدفّق التقوى وثبـات المسلمين وشجاعتهم هو أحد العوامل المجهريّـة الّتي ساهمت في بثّ منـاخات مِن التواكل والتفكيـر الروحاني المتضخّم وبالتالي ”تجـذيــــــر الهزيمـــــــــة” بطريقة أو بأخرى، فقد قُدِّم النّصر في معركة ”بدر الكبرى” مثلاً كما لو كان مجرّد معـادلة غيبيّـة إيمانيّة بحتـة يختزلها ذلك الفهم المبتسَـر والمشوَّه لقوله تعالى :
«إن تنصروا الله ينصركم ويُثبّت أقدامكم»
أو «كم من فئة قليلة غلبت فئةً كثيرةً بإذن الله» ..
فإلى جـانب تقوى الله تعالى وهي شرط من شروط ”التمكيـن” مِن المهمّ لتحقيـق النصر المؤزَّر إعداد القوّة وحُسن التخطيط ومراعـاة موازين القوّة ..
«وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوّة ومن رباط الخيل ترهبون به عدوّ الله وعدوَّكم» ..
ومِن الخُلف الاكتفـاء بترديد عبـارات روحانيّة متورّمة من قبيـل :
كيف يُهزَم جيش وفيه فلان أو علاّن من الصحـابة رضوان الله عليهم جميعًـا،، فقد هُزِم جيشٌ فيه الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه ومعه كبـار الصحـابة غزوة أُحُد لسبب بسيط وعميـق وهو الإخـلال بمقتضيـات ”حُسن التصرّف” !..
صحيح أنّ خطَب الجمعة أو دروس المسجد ليست محاضرات حول استراتيجيّـات الحرب أو دقائق التاريـخ لكن من المُهمّ في رأيي تجاوز نزعة الاكتفاء بالتأثير الوجداني الصّرف في المتلقّـي والخوض ولو برقيًّـا في بعض تكتيكات هذه الحرب أو تلك بمـا مهّد للانتصـار على أرض المعركـة،، فالمسلمون في القـادسية مع سعـد أو في اليرموك مع خالد رضي الله عنهما لم يفوزوا عن قلّة بفضل التكبيـر والإخلاص للّه تعالى فقط،، فقد كـانوا أيضًـا عقـولاً تخطِّط وتدرس العدوّ الدرس العميق والمستفيـض، لأنّهم أدرى الناس بأنّ التجهّـُز للأعداء ببراغماتيّـة المحـارِب مِن الدين، فالسببيّـة ”سنّـة كونيّـة إلهيّـة” لا محيد عنهـا ولا محيـص، وللأسف الكثير من الخطباء يفتقدون إلى العمـق اللازم لفهم ”السنن الكونية” وتطبيقهـا في مجالات عمليّـة، وهو ما يجعلهم يبالغون في التركيز على العقديات والوجدانيات بمـا يُضعف قدرة الخطاب الدينـي على الاستجابة لواقع التحديات العملية التي يواجهها المسلمـون اليوم !..
ويمثّل قولُـه تعالى :
«.. إنّ خيـرَ من استأجرت القويّ الأميـن» (”القصص”-26-) من أبرز الشواهد النقليّـة على قيمة التفكيـر الواقعي في الوسـائل (”القوّة”) بعيدًا عن الانشداد الأُحادي الأجوف إلى الالتزام الأخلاقي أو الديني (”الأمـانة”)، كذلك قول النبيّ عليه الصلاة والسّلام «المؤمن القويّ خير وأحَبّ إلى اللّه من المؤمن الضعيف» فمـا الضّعف إلاّ قعـود عن استجمـاع شروط القوّة وما القوّة إلاّ نتـاج تحصيـل أسبـابهـا !..
الخطاب المسجدي ونوازع التسكين المنبري
2025-10-24
625 قراءة
صابر النفزاوي
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن