مقالات عن: فوزي مسعود

صوابية الفكرة لا تتعلّق بمحتواها: نساء منزل بورقيبة" والعاملات الفلاحيات

2025-10-11 1357 قراءة فوزي مسعود
كنتُ اليوم، في سياق عملي، في "منزل بوريبة"، وحين مغادرتي المدينة صادف أن كان وقت انتهاء العمل بالمنطقة الصناعية، فشاهدتُ مشهداً متميّزاً:
كانت العشرات من النساء، بل لعلهن المئات، يملأن الطريق وهنّ يرتدين ألبسة مختلفة، لكن ما يجمع بينهنّ في الغالب، بل قل لعلّهنّ كلّهن تقريباً، أنهنّ يرتدين أغطية الرأس، أي الحجاب بمصطلحات أخرى

في منطقة أخرى غير الشمال، وفي فترة غير بعيدة، منذ أشهر، حين كنت راجعاً إلى منطقتي بجهة "قفصة" من الجنوب الغربي التونسي، حصل أن شاهدتُ في مناطق مختلفة، بداية من جهة "القيروان" ثم "سيدي بوزيد" وصولاً إلى "قفصة"، النساءَ اللاتي يُنقَلنَ بالشاحنات للعمل الفلاحي، وهنّ أيضاً يغطين رؤوسهنّ

--------

اليوم، لما شاهدتُ نساءَ منزل بورقيبة وهنّ يغطين رؤوسهنّ، في سلوك تلقائي وبديهيّ لهنّ، وأنه الحال الطبيعيّ عندهنّ، نمت في ذهني المعاني التالية:

من أين إذن أتى القول بأنّ غطاء الرأس والحشمة عموماً لدى المرأة التونسية سلوك وافد وغريب؟
وهو مضمون الخطاب الذي تمثّله منظومات التشكيل الذهني في تونس بدوائرها الثلاث: التعليم، والتثقيف، والإعلام، التي يتحكم فيها منتسبو فرنسا منذ عقود

أليس الإعلام في تونس يقول إنّ غطاء الرأس لباس طائفيّ يعارض "النمط التونسي"؟
أليست الكتب الدراسية التونسية الموجّهة لأطفال المراحل الأولى، حينما ترسم امرأة، تجعلها سافرة ويكاد يستحيل أن تجد إحداهنّ ساترةً مغطّاة الرأس، في معنى ضمنيّ يقول إنّ الأصل هو السفور؟

أليست منظومات التثقيف والإعلام تنتج أفلاماً ومسلسلات تدور حول معاني السفور والتهتّك، وتزعم أنّه الوضع الطبيعي؟

ولمّا كان الواقع التونسي الحالي، بل ومنذ عقود، يعارض مزاعم وفرضيات المتحكّمين في منظومات التوجيه الذهني بتونس، فمن أين لهم القول إنّ النمط التونسيّ الأوّليّ ليس من مكوّناته الحشمة وغطاء الرأس؟

إذن، لما كان هذا الذي يقوله منتسبو الغرب هؤلاء قولاً غير سليم، فهو نوع من الإلزام، أي إلزامُ التونسيّ بأمرٍ من خارجه

---------

يمكننا، بالتالي، عند معارضة هؤلاء المغالبين العقديين، الانطلاق من النظر في مدى جدارة فكرة الإلزام هذه، لأنها المساحة المشتركة الوحيدة التي يمكننا معارضتهم فيها

أي ما هي الصوابية المنطقية (صواب/غير صواب) التي تحملها فكرة الإلزام بشيءٍ ما

إذن نقاشنا مع منتسبي فرنسا ليس في تفاصيل الحجاب، وإنما قبل ذلك في صوابية فكرة الإلزام بفكرة ما، بصرف النظر عن موضوع الإلزام، حجاباً كان أو غيره

أي إنّ نقاش الصوابية يبقى سليماً منطقياً باعتباره أساس التناول، حتى وإن كان الموضوع نقاش عبادة البقر مثلا

بالتالي، يصبح الكلام مستقلاً عن محتوى الإلزام، وهو بالتالي نقاش فكريّ يدور حول صوابية الفكرة، وليس نقاشاً تفصيلياً معرفياً يدور حول تفاصيل الموضوع وصحته

في حالتنا، فإنه ليس نقاشاً شرعياً تُستدعى فيه الأحكام الشرعية حول الحجاب، ولا دخل فيه لـ"أهل الاختصاص" كما يُقال كلّ مرة، لأنّ مغالبك لا يمكنك إلزامه بصوابية مرجعيتك، وهي وجوبية الحجاب
فهو نقاش سابق على المستوى المعرفي.

إذن النقاش يدور في معنى الصوابية (قيمة منطقية ثنائية إلغائية)، وليس في معنى الصحة (حقل قيم يُقاس كمياً وبقياسات متنوّعة)، لأنه تناول فكريّ وليس تناولاً معرفياً (*)

نقاشات الصوابية فيها عاملان: دواعي الصوابية ثم مبرّرات الصوابية

أمّا الدواعي، فإنّ صوابية فكرةٍ ما تكون منطلقة من مركزيّتك العقدية؛ أي إننا، في حالتنا، نرفض إلزامنا بالسفور انطلاقاً من المركزية الإسلامية

لكن في مستوى نقاش الصوابية مع المغالب، لن نستدعي الأحكام الشرعية لأنها تفاصيل معرفية لاحقة عن الإقرار بحقل الصوابية، وهذا غير متحقق مع المغالب

وإنما نستدعي معه ما يجمعنا به، وهي القواعد العقلية البحتة الأولية، مثل أنّ الإلزام مصادرة لا تصحّ، وأنّ القول بالقبول بـ"تونس الحديثة" هو أيضاً إلزام بتأسيسات سابقة لم نشارك فيها، وغيرها من البراهين الفكرية لا المعرفية

--------

نلاحظ إذن أنّ الصوابية لا يهمّها "صحة" الفكرة التي تدافع عنها من عدمها بالنسبة للمغالب، لأنّ الصحة (أي الأحكام الشرعية في حالتنا) لاحقة عن الإقرار بالصوابية، وفي غياب الصوابية لا قيمة لها، وهو معنى كلام كنت قلته في مناسبات سابقة: مالا يثبت وجوده / صوابيته، لاتصح تفاصيله

وإن اعتُمدت تلك "الصحة" كحجّة، فإنّ ذلك سيكون مجرّد مصادرة بالنسبة للمغالب، وكلامك لاقيمة له من زاوية نظره

وهذا الكلام الذي أقوله يصحّ كذلك، ويمكن استعارته أيضاً في النقاش الذي حصل منذ فترة حول الصلاة في المساحات العامة، فهو أيضاً نقاش فكريّ وليس معرفياً، ولا يجب أن تُستعمل في تبريره الأحكام الشرعية، لأنه يدور في مستوى جدارة الفعل / الصوابية المنطقية، وهو سابق على الإقرار بزاوية النظر التي تصحّ عندها الأحكام الشرعية

-------
(*) في كتابي المركزية العقدية، تعمقت في تبيان الفرق بين مفهومي: الصوابية والصحة

----------

فوزي مسعود
#فوزي_مسعود

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق