إذا عدنا بالزمن قرابة قرن، منذ بدايات القرن العشرين حتى اليوم، سنكتشف أن الفعل السياسي في العالم العربي – والفلسطيني خصوصاً – شهد انحداراً حاداً من موقع الفعل والمبادرة إلى موقع ردّ الفعل والاستجداء. ويمكن تتبّع هذا التراجع عبر أربعة أبعاد أساسية:
1- من حيث أفق الفعل:
في الماضي، كان الأفق السياسي مفتوحاً على أهداف كبرى: إزالة المغالِب، أي طرد المحتل أو إسقاط النظام الحاكم في حالات الصراع الداخلي. كانت المقاومة الفلسطينية تطمح لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي برمته، والمعارضة العربية تسعى لإسقاط أنظمة بكاملها.
اليوم، تقلّصت المطالب حتى صارت المقاومة الفلسطينية تسعى للاعتراف بكيان فلسطيني على جزء من الأرض، مع القبول الضمني ببقاء إسرائيل، بينما أصبحت المعارضة العربية – بما فيها الإسلامية – تعتبر قمة النجاح أن يسمح النظام بوجودها قانونياً.
2- من حيث مساحة الفعل:
كان الفعل السياسي في الماضي متعدد الأبعاد، يتحرك انطلاقاً من مشروع عقدي أو فكري متكامل يحدد نموذج الحكم وأهدافه. لم يكن النشاط مقتصراً على السياسة، بل امتدّ إلى إعادة تشكيل المجتمع والاقتصاد والثقافة، كما حدث مع الانقلابات التي أسقطت أنظمة ملكية في ليبيا والعراق ومصر، أو غيّرت البُنى الاجتماعية في تونس وسوريا والمغرب والأردن.
أما اليوم، فقد انكمشت مساحة الفعل لتقتصر على ملفات تقنية: اقتصادية، حقوقية أو سياسية شكلية، مع التسليم الكامل بالأسس العقدية التي قامت عليها الدولة وعدم المساس بجذورها.
3- من حيث أدوات الفعل:
تنوعت أدوات الماضي بين السلمي والعنيف، من المقاومة المسلحة إلى الانقلابات الثورية. اليوم، اختُزلت الأدوات في تظاهرات موسمية وبيانات إعلامية، مع الارتهان لدعم منظمات أجنبية غالباً ما تحدد هي سقف المطالب. النتيجة: فعل سياسي عاجز، شكلي، فاقد للجدوى.
4- من حيث نطاق الفعل:
كانت المقاومة ترى العالم كله ساحة معركة، تنفذ عملياتها أينما وجدت أهدافاً، ويشارك فيها مناضلون من جنسيات متعددة. الآن، حُصر النشاط في جغرافيا ضيقة، لا يتجاوز المساحة التي تحددها السلطة المحلية للتظاهر، وغالباً بإذنها المسبق.
أزمة غزة اليوم ليست فقط أزمة حصار أو قصف أو ميزان قوى عسكري، بل أزمة عميقة في البيئة السياسية التي تتحرك فيها. هذه البيئة أنتجت فعلاً سياسياً مُدجَّناً، تحت سيطرة كاملة للدول الغربية أو الأنظمة المحلية، ومكبّلاً في أفقه ومساحته وأدواته. وما يصح على غزة ينطبق على أغلب الحركات السياسية العربية: نموذج سياسي مروَّض، يعمل داخل الأسوار التي بناها الخصم.
المنهج الجذري:
ولهذا، فإن أي خطة جدية لنصرة غزة لا يمكن أن تقتصر على الدعم الإنساني أو الضغط الإعلامي، بل يجب أن تبدأ من كسر هذا النموذج السياسي المقيَّد، وإعادة تحرير الفعل السياسي المحلي أي داخل البلدان العربية في مساحته وأفقه وأدواته، وأول شروط ذلك الخروج من مسلمات الواقع.
من دون هذا التحرير وإعادة النظر في البدايات، ستظل غزة ومعها كل الحركات السياسية تدور في حلقة مفرغة، تخدم في النهاية القوى المهيمنة وتكرّس الواقع الذي يفترض أنها تقاومه.
********************************
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود
تحوّل الفعل السياسي من المقاومة إلى الاستجداء: "المنهج الجذري" لمقاربة أزمة غزة
2025-08-11
972 قراءة
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن