حينما تكتب أو تتحدث عن الانقلاب وخطر ما يحدثه في تونس منذ سنوات، يرد البعض بسؤالك حول ما إذا كنت انتخبت قيس في دورة 2019 أم لا
أولا أرد على من يتعقّب لمعرفة من انتخب فوزي مسعود، فلْيعلم أنني انتخبت "سيف الدين مخلوف" وليس قيس سعيد، بل أنني كتبت ساعتها مستغربا من إقبال الناس على هذا المترشح المغمور، وحذرت من خطر وصوله السلطة، وبعض من عائلتي الآن يذكّرون بما قلته تلك الأيام، ولعلهم يقرّون لي بما يشبه" الفراسة" (*)
لكن الموضوع أهم من اختياري الانتخابي الشخصي، وهذا ما لايريد إستيعابه أمثال من يطرح هذه الأسئلة
هذه الردود التي تسألك عن اختياراتك الشخصية، لها دلالات عديدة
أولا علينا إدرك أن مواضيع الشأن العام وكل ما يتجاوز عوامل وجوده الفرد، فإنه مستقل في مستوى صوابيته عن المتكلم، وبالتالي فلا أهمية لموقف المتكلم واختياراته نسبة لصوابية الفكرة
مثلا حينما يتحدث الزاني أو الزانية، عن خطر الزنا وعن أهمية العفاف، فكلامه سليم، رغم أن المتكلم هنا يقول عكس ما يفعل، لأن صوابية الفكرة مستقلة من حيث وجودها عن المتكلم
الآن أن يكون ذلك المتكلم "منافق" وأن القرآن ذم من يقول ما لايفعل، نعم، ذلك كلام سليم، لكنه موضوع آخر
أي أن الكلام في خطر الانقلاب والبحث في مسار وصول المنقلب السلطة ثم انقلابه، أمر مستقل في صوابيته عن المتكلم
وهذا معنى محورية الفكرة ومحورية العينة، وتحويل الحديث من محورية الفكرة لمحورية العينة، خلل متداول خطره أنه يحرف مساحة الحديث من أفق رحب حول الفكرة نحو أفق ضيق متعلق بالفرد
ثانيا هذا السؤال يعكس عقلية لاتستطيع التعامل مع الفكرة وإنما بغرض الاستيعاب، يلزمها دوما ربط الفكرة بعينات شخصية واقعية، وهذا يحصل من أثر ضعف القدرات التجريدية التي تعيق تمثّل فكرة ما باستقلال عن عينات الواقع
أي أن الضعف التصوري الذي بعض مؤشراته ضمور قدرات التجريد، يضطر هؤلاء للالتصاق بعينات الواقع لاستبعاب الحدث ودلالاته
خطر هذا الضعف التجريدي أنه يجعل الفرد تابعا بالضرورة لأحداث الواقع ويعجز عن تمثّل وفهم منوالها التأطيري الأعلى الموجه لها
لذلك من تكون قدرات التجريد لديه ضعيفة فإن مواقفه تكون لاحقة عن الأحداث، فهو منفعل دوما بالموجود، لأن غياب قدرة التجريد تمنع من استباق الحدث الذي يفترض وجود تصورات وبناء ذهني أعلى
لذلك فإنه يلاحظ أن شيوع التناول بمحورية العينة والفرد، يلازمه خلل آخر وهو الفعل السياسي الذي يقبل ويسلم بتأسيسات الواقع في بداياته ولايتأتّى له مساءلتها، لان هذا التسليم هو أيضا بعض نتائج ضعف قدرات التجريد لدى الفواعل السياسية (النخب)، حيث يمنعهم ذلك الفقر التجريدي، من مغادرة المجال المفاهيمي الضابط، ولا إدراك المركزية العقدية الحاكمة والمؤطرة لمجمل مساحات الواقع
(*) في الدور الثاني انتخبت قيس، وهو اختيار اضطراري بين أفضل السيئين، ومازلت لحد الآن اعتبر قيس على علاته، أفضل من منتسبي فرنسا ومنهم المترشح نبيل القروي، بل هو أفضل من عموم الحداثيين ورواد السفارات
لذلك السؤال الأهم يجب أن يكون حول الإختيار التلقائي أي الدور الأول، وهو لماذا وكيف تم إيصال قيس لان يكون بتلك القوة التي جعلته يمر للدور الثاني
-------
فوزي مسعود
#فوزي_مسعود
تتحدث عن "المنقلب قيس" فيسألك: وأنت من انتخبت في 2019
2025-04-19
961 قراءة
فوزي مسعود
التعليقات والردود
0لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن