مقالات عن: أحمد إبراهيم خضر‏

(6) أين ذهب الحب يا عاتكة ؟

2008-04-24 11856 قراءة د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏
‏"عاتكة بنت زيد ابن عمر" صحابية حسناء جميلة ذات خلق بارع من المهاجرات إلى المدينة تزوجها "عبد الله ابن أبى بكر ‏الصديق " رضي الله عنهما، فعشقها وأحبها حبا شديدا حتى شغلته عن الحضور للمسجد، وقيل أقعدته عن الجهاد، فأمره‎ ‎أبوه أن يطلقها، فطلقها، لكنه حزن عليها حزنا شديدا، فرق قلب أبوه له وأمره بمراجعتها، فراجعها، وأقسمت له ألا تتزوج‎ ‎أحدا من بعده، ولما خرج إلى غزوة الطائف مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصابه سهم ومات في المدينة، فبكته عاتكة ‏ورثته في أبيات عبرت فيها عن شدة كربها وحزنها ووفائها لقسمها له بعدم الزواج من بعده. طلب منها عمر ابن الخطاب ‏الزواج وهو ابن عمها وأفتاها في يمينها وأرسل إليها عشرين دينارا لتكفر بها عن قسمها لزوجها بألا تتزوج من بعده،‎ ‎فتزوجته، ولما استشهد عمر تقدم إليها "على ابن أبى طالب " رضي الله عنه للزواج، وكان قد لامها من قبل على عدم‎ ‎وفائها لزوجها الأول، فقالت له:" إني لأضن بك عن القتل "، فتقدم إليها طلحة ابن عبيد الله، فتزوجته.‏
أين ذهب حبها وقسمها لزوجها الأول بألا تتزوج من بعده ؟ لقد ذهب الحب مع وفاته.‏

لكن "عبد الله ابن أبى بكر" نفسه، الذي أحب عاتكة حبا شديدا أحب " ليلى ابنة الجودى" التى قيل عنها أنها ابنة ملك ‏دمشق ، وفضلها على نسائه، ولما لامته " السيدة عائشة " رضي الله عنها ، قال لها معبرا عن عشقه لليلى : " كأنى أرشف ‏بأنيابها حب الرمان" ، فلما أصيبت ليلى بمرض في فمها جفاها وتركها. فأين ذهب حب عبد الله ابن أبى بكر لليلى؟ لقد ‏ذهب مع مرضها في فمها.‏

هاتان القصتان اللتان رواهما "ابن الجوزى" بغض النظر عن صحتهما ونسبتهما إلى أصحابهما ،تكشفان لنا عن قاعدتين ‏هامتين في مسائل الحب أشار إليهما ابن الجوزى نفسه :‏

الأولى:" أن المحب إذا مات عنه محبوبه، ( قد) يميل عنه وينساه بأسرع مما كان، حتى وإن كان يحبه، وخاصة إذا فضل ‏عنه محبوبا سواه ".‏

الثانية:" أن المحب مع حبه وعشقه لمحبوبه ( قد) يمله ويعرض عنه، إذا ظهرت له عيوبه". ووضعنا هنا كلمة ( قد) بين ‏قوسين، لأن هاتين القاعدتين قد تتحولان إلى استثناء، إذا تمعنا في موقف " نائلة بنت الفرافصة" الخطيبة الشاعرة الشجاعة
‏ ذات الرأى زوجة أمير المؤمنين " عثمان ابن عفان". فحينما دخل المصريون على عثمان وضربه أحدهم بسيفه، ألقت ‏نائلة نفسها على عثمان، وحينما تقدم آخر وضربه في بطنه أمسكت بالسيف فتقطعت بعض أصابعها، فخرجت تستغيث وفر ‏القتلة، فذهبت إلى المسجد وخطبت خطبة طويلة، ثم كتبت إلى معاوية وأرسلت إليه قميص عثمان مضرجا بالدم ومعه‎ ‎بعض أصابعها المقطوعة. ولما سكنت الفتنة، خطبها معاوية، فرفضت وحطمت أسنانها وأرسلتها إليه، وقالت :" أذات ‏عروس ترى؟" ثم قالت قولتها الشهيرة:" إني رأيت الحزن يبلى كما يبلى السيف، وأخاف أن يبلى حزنى على عثمان،‎ ‎فيطلع منى رجل كما اطلع عليه عثمان".‏

‏ هذه القصص الثلاث تمثل نماذج لحقيقة علاقات الحب بغض النظر عن أصحابها، وما نسب إليهم. وسواء أكانت تمثل ‏قاعدة أم استثناء فلا يدرى أحد أيدخل هو ومحبوبه في دائرة القاعدة أم في دائرة الإستثناء ، ويلزمه حينئذ أن يخرج من ‏هاتين الدائرتين ويدخل تحت القاعدة الكبرى التى مؤداها:" لا عيب في أن يحب الرجل زوجته بل ويعشقها، أو أن تعشق ‏الزوجة زوجها، إنما العيب هو أن يشغل هذا الحب عن محبة ماهو أنفع ، من محبة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، أو أن ‏يزاحم هذا الحب بين الزوجين محبتهما لله ورسوله . إن كل محبة تزاحم محبة الله ورسوله بحيث تضعفها وتنقصها هي‎ ‎محبة مذمومة، أما إن أعانت على محبة الله ورسوله وكانت من أسباب قوتها فهي محبة محمودة

-------------
الدكتور أحمد إبراهيم خضر ‏
دكتوراه فى علم الإجتماع العسكرى
عضو هيئة التدريس السَّابق بجامعات القاهرة ،و الأزهر ، و أمِّ درمان الإسلامية ، و جامعة الملك عبد العزيز .

التعليقات والردود

0

لا توجد تعليقات أو ردود على هذا المقال حتى الآن

أضف تعليقك / كل الحقول بالعربية وإلا لن يقبل التعليق