الأكثر قراءة   المقالات الأقدم    
 
 
 
 
تصفح باقي إدراجات محرر بوابتي
مقالات محرر بوابتي

آباء ولكنهم أذلاء: قدماء "الطحانة" وخطر فائض الانكسار

كاتب المقال فوزي مسعود - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


ما هو متوفر حول عملية الانتخابات الرئاسية لا يبشر بخير كبير. تقول المعطيات المتوفرة لحد الآن أن جل المقترعين هم ممن فوق الخمسين، وفيهم من هو في السبعين وتجده مبكرا أمام مكتب الاقتراع يسابق غيره، لكأنه يساق للجنة.

لم يعرف عن هؤلاء المبكرين اليوم للانتخابات، نشاط داعم للثورة، ولم يعرف عنهم حماس للحراك الثوري الذي امتد على طول الأشهر.

كان الناس يتصورون أن غياب هؤلاء الكهول والشيوخ عن أحداث الثورة وتأخرهم في دعمها، إنما يرجع لتقدمهم في العمر، ولكنهم أثبتوا أن الأمر غير ما فهمناه.

تقول الإحصائيات أن أكثر من صوّت للثورة المضادة في الانتخابات التشريعية هم فئة الكهول والشيوخ هؤلاء.

كما إن المعطيات المستقاة من الواقع من خلال بعض ملاحظاتي، تقول إن هذه الشريحة تفضل مرشح بقايا المنظومة القديمة وهو السبسي.

وقد رأيت من قبل، صورا لبعض الاجتماعات تظهر شيخا وهو يندفع لتقبيل أيدي السبسي، كما أظهرت أخرى شيوخا يصفقون للمنذر الزنايدي الذي ساهم في قتل التونسيين.

وإذا أردنا أن نفهم أسباب هذه الظاهرة غير الطبيعية، لنحاول أن نمضي في الزمن لنرى أحداثا أخرى، تظهر سقطات هؤلاء الآباء والأجداد وتعين على تفسيرها:

أذكر في التسعينات إبان الصراع الذي قاده خيرة أبناء هذه البلاد ضد الطاغية بن علي وشرذمة اليسار المتحلقين حوله، ممن قاد محرقة ضد هوية البلاد، أذكر ساعتها أن أحد الإخوة كان مطلوبا من أجهزة الطاغية، وكان ساعتها طالبا بالجامعة، فرجع لمنطقته واختبأ بها، وتمت ملاحقته، فاختبأ في مكان مهجور ظنه عصيا عن عيون الوشاة، ولكن الأخ المسكين، لم يكن يدر بخلده أبدا أن أباه هو من سيشي به للعسس والجلاوزة حينما جاءت للبحث عنه.

كان الأب حين فعله ما فعل، يحركه فائض الذل الذي تشبع به طيلة عقود ما بعد الاستقلال كعامة أبناء ذلك الجيل إلا القليل ممن وقع تغييبه من خلال أدوات سيئ الذكر.

كان الأب لشدة فعل أدوات غسيل المخ التي كان ضحيتها، يتصور نفسه يحسن صنعا، كان لا يتصور الخطأ على الحاكم، لكأنه ينزهه أكثر من نفسه ومن ابنه.

كان يرضى الدنيّة في ابنه ولا يرضاها في الحاكم، ولذلك سلمه لكي يعذب، ولا يهمه ذلك مادام الحاكم راض عنه.
كان يرى استحالة الثورة ضد السلطة، وإن وقعت فإنها عمل غير شرعي وخطيئة يجوز معها تسليم فلذة الكبد لكي يقطع في المعتقلات.

تلك هي إحدى تمظهرات ثقافة إنتاج العبيد، حينما يتحول السلطان المتحكم لكائن مساوي لمكانة الخالق، الثقافة المتأتية كنتاج لعمليات القصف الذهني التي صاغها سيئ الذكر من خلال أدوات تشكيل الأذهان من تعليم وثقافة وإعلام.

ثاني النماذج: أحد الإخوة الكرام ممن قضى سنوات طوال في سجون الطاغية خلال التسعينات، وخرج بعدها يتلمس طريقه للملمة شظايا حياته المبعثرة، حدثني انه حينما رجع لقريتهم الريفية حيث أهله، وجد منهم ومن أبيه خاصة قسوة ومقتا يتراوح بين اللوم و التشفي وتحميله مسؤولية ما آل بحاله، قال الأخ الكريم لي أنه قضى تقريبا سنة في قريته تلك بعد خروجه من السجن، ذاق فيها من الألم والأسى النفسي ما لم يذقه في السجن رغم أهواله.

كان الأب يتصرف بفعل فائض الذل والانكسار النفسي الذي تشبع به كعامة أبناء جيله، كان يرى أن الابن حينما تمرد على الحاكم لكأنه تمرد على الرب الأعلى وهو إذن جدير ان يمقت ويهجر.

أمثال هؤلاء هم من يسابق الريح اليوم للتصويت للمنظومة القديمة ويعمل على إرجاعها، من بعد أن عملوا على تكريسها طيلة عقود من خلال عدم مقاومتها.

إذن يجب أن نعرف أن عموم جيل الشيوخ والكهول هؤلاء هو بعض أسباب تعطل الثورة، هؤلاء الذين تربوا على الذل والسكينة ورضعوا الانكسار حد تصوره أمرا طبيعيا، لا يرتضون تغيير الواقع، لأن في تغيره هدم لمكونات أنفسهم وشخصياتهم ذاتها، ولذلك فإن دفاعهم عن الواقع دفاع عن أنفسهم، وتصديهم للثورة هو حماية لبعض أجزاء شخصياتهم.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الإنتخابات التونسية، الإنتخابات الرئاسية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 23-11-2014  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك
شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
عصام كرم الطوخى ، هناء سلامة، مراد قميزة، عبد الله الفقير، د - محمد عباس المصرى، محمود صافي ، محرر "بوابتي"، د - شاكر الحوكي ، أحمد بوادي، صباح الموسوي ، رضا الدبّابي، عزيز العرباوي، طلال قسومي، محمد أحمد عزوز، أحمد ملحم، محمود فاروق سيد شعبان، إياد محمود حسين ، أشرف إبراهيم حجاج، نادية سعد، سوسن مسعود، يزيد بن الحسين، خالد الجاف ، المولدي الفرجاني، محمود طرشوبي، فاطمة عبد الرءوف، صلاح الحريري، د- هاني السباعي، د. طارق عبد الحليم، د. محمد يحيى ، د - أبو يعرب المرزوقي، الهادي المثلوثي، د. مصطفى يوسف اللداوي، أنس الشابي، منى محروس، محمد شمام ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، شيرين حامد فهمي ، منجي باكير، د- جابر قميحة، جاسم الرصيف، صفاء العراقي، علي عبد العال، د. جعفر شيخ إدريس ، فاطمة حافظ ، عبد الله زيدان، د. صلاح عودة الله ، يحيي البوليني، د. محمد مورو ، مجدى داود، إسراء أبو رمان، فتحي الزغل، كمال حبيب، عبد الرزاق قيراط ، د- محمد رحال، عدنان المنصر، رشيد السيد أحمد، سلام الشماع، علي الكاش، حمدى شفيق ، رمضان حينوني، د. الشاهد البوشيخي، بسمة منصور، محمد العيادي، صالح النعامي ، الهيثم زعفان، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، أحمد الغريب، د - محمد سعد أبو العزم، حسن عثمان، سيد السباعي، صفاء العربي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، صلاح المختار، د. خالد الطراولي ، فهمي شراب، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - محمد بنيعيش، فتحـي قاره بيبـان، أبو سمية، أ.د. مصطفى رجب، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د - مصطفى فهمي، د - غالب الفريجات، د - احمد عبدالحميد غراب، محمد تاج الدين الطيبي، سامر أبو رمان ، كريم فارق، تونسي، عواطف منصور، د - صالح المازقي، د - محمد بن موسى الشريف ، حاتم الصولي، محمود سلطان، محمد الطرابلسي، د - المنجي الكعبي، د. محمد عمارة ، د. نانسي أبو الفتوح، محمد إبراهيم مبروك، رافع القارصي، إيمى الأشقر، د. نهى قاطرجي ، عمر غازي، محمد الياسين، عبد الغني مزوز، رافد العزاوي، فراس جعفر ابورمان، د - مضاوي الرشيد، فوزي مسعود ، خبَّاب بن مروان الحمد، الشهيد سيد قطب، حسن الطرابلسي، محمد عمر غرس الله، إيمان القدوسي، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، عراق المطيري، د.محمد فتحي عبد العال، د. عبد الآله المالكي، معتز الجعبري، أحمد النعيمي، وائل بنجدو، د. أحمد بشير، مصطفي زهران، مصطفى منيغ، حسن الحسن، د.ليلى بيومي ، سعود السبعاني، حميدة الطيلوش، د. أحمد محمد سليمان، د. الحسيني إسماعيل ، د. عادل محمد عايش الأسطل، العادل السمعلي، أحمد الحباسي، كريم السليتي، ماهر عدنان قنديل، سفيان عبد الكافي، رأفت صلاح الدين، د - الضاوي خوالدية، محمد اسعد بيوض التميمي، رحاب اسعد بيوض التميمي، جمال عرفة، الناصر الرقيق، ياسين أحمد، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سامح لطف الله، د- محمود علي عريقات، ابتسام سعد، د- هاني ابوالفتوح، سحر الصيدلي، فتحي العابد، سيدة محمود محمد، حسني إبراهيم عبد العظيم، سلوى المغربي،
أحدث الردود
انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضات من طرفه أومن طرف "بوابتي"

كل من له ملاحظة حول مقالة, بإمكانه الإتصال بنا, ونحن ندرس كل الأراء