تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس.. الجريمة والقصاص

كاتب المقال محمد هنيد - تونس / فرنسا   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


تعيش البلاد على وقع أخطر كارثة صحية في تاريخها؛ فالمواطنون يموتون أمام المستشفيات ويتساقطون على الطرق والأرصفة ولا من مغيث. فلا وجود لدولة ولا لسلطات مسؤولة ولا لبنية صحية، فالمستشفيات أشبه بالمسالخ البشرية والأطقم الطبية قد تجاوزتها الكارثة وصارت هي نفسها ضحية فساد الدولة وتفشي الوباء.

الصور القادمة من تونس أكثر من صادمة، فهذا إطار أمني يتلوّى من المرض أمام مستشفى القيروان ثم يموت على الرصيف ولا من مغيث وهو الذي قضى عمره في خدمة الدولة والمجتمع. وهذا مواطن فقير يحمل أمه على عربة يجرها حصان إلى المستشفى البعيد ويقف بها في أشعة الشمس الحارقة في انتظار الموت فلا إسعاف ولا أسرّة طبية ولا أجهزة تنفس.

أين الدولة؟ أين الرئيس؟ أين الوزراء؟ أين المسؤولون؟ أين الإعانات والهبات والقروض المليارية التي قدمتها الدول الداعمة؟ أين ذهبت أموال الشعب ومن هو المسؤول عن الجريمة؟

نهاية الأكذوبة

أساطير كثيرة عششت في الوعي الجمعي التونسي وروّج لها المقاول الأكبر الحبيب بورقيبة ورسخ دعائمها الوكيل الثاني بن علي وآلته الإعلامية الجبارة، ومنها أن شعب تونس شعب مثقف وأن تونس بلد ثلاثة آلاف سنة من الحضارة وأننا خير من يمشي على حصى. أكاذيب كثيرة وأساطير لا تُحصى كانت أبواق الاستبداد تروّج لها زورا وبهتانا حتى جاءت الثورة وكشفت المستور وعرّت زيف سرديات الاستبداد ونخب العار المرتبطة به.

تونس ليست دولة ولم تكن دولة في يوم ما من تاريخها الحديث، فمنذ الاحتلال الفرنسي إلى اليوم لم تعرف البلاد استقلالا حقيقيا في قرارها وسيادتها وثرواتها وأمن مواطنيها، بل كانت دائما رهينة القوى الخارجية باحتلال ناعم إلى حدود انفجار ثورة الحرية الكرامة يوم 17 كانون الأول 2010 في ريف سيدي بوزيد الفقير.

كيف تكون تونس دولة وثرواتها تتقاسمها الشركات الأجنبية منذ قرن من الزمان بالتواطؤ مع العصابات المحلية؟ كيف تكون دولة ووطنا وشبابها لا يحلم بغير الهرب منها بحرا بعد ما عانى ويلات الفقر والبطالة والتهميش والسجن والتعذيب؟ كيف تكون دولة ولا يجد المريض فيها فراشا يموت عليه بكرامة؟

تونس منذ أكذوبة الاستقلال محميّة خاصة سيطرت عليها عائلات متنفذّة عملت وكيلا اقتصاديا وماليا وعقاريا لصالح العصابات الدولية، فاستولت على الأراضي والعقارات والثروات وهيمنت على كلّ الدورة الاقتصادية. هذا الاستنتاج هو خلاصة التقرير الذي صرّح به ممثل الاتحاد الأوروبي في تونس عندما سئل عن سبب تخلف الاقتصاد بعد الثورة.


وضَع الوكيل الاستعماري بورقيبة أسس هذا الفساد لكنّ طاعون الفساد عرف انفجاره الأكبر في عهد المستبد بن علي الذي حوّل البلد إلى مزرعة للعصابات العائلية التي تحيط به واجتهد في تدمير المؤسسات ونسف المكاسب الاجتماعية وهو الأمر الذي أوصل البلاد إلى الانفجار الكبير في 2010.

المجرمون والقصاص

بلغ الفساد في تونس مستويات مفزعة تدفع بالبلاد إلى الانهيار الكبير وهو الأمر الذي يوجب اليوم وضع الفساد موضع التهديد الأوّل للأمن القومي. تونس لا يهددها الإرهاب فهو كما يعلم الجميع صناعة دولية بأدوات محلية هدفه إفشال المسار الانتقالي وإسقاط مكاسب الثورة. الإرهاب الحقيقي والصانع الأساسي له هو الفساد بل إن الإرهاب فرع من فروع الفساد وباب من أعظم أبوابه.

لا أحد في تونس يناقش هوية المجرمين الذين تسببوا في انهيار البلاد ووصولها إلى حافة الهاوية وهم بالأساس رجال النظام القديم ومنظومة العصابات المرتبطة به بما هي المالك الحقيقي لكل ثروات البلاد تتصرّف فيها كما تتصرف في ممتلكاتها الخاصة. لم تُحاسب الثورة أحدا منهم بل آثر أهل السلطة خلال السنوات التي تلتها نهج الوفاق والمصالحة ظنا منهم بأن الثورة تجبّ ما قبلها، فتم الالتفاف على قانون تحصين الثورة ومكّنوا المجرمين من الإفلات من العقاب.

نشطت هيئة الحقيقة والكرامة في مسار تبييض الفاسدين وحققت لهم عن قصد أو عن غفلة أكثر مما كانوا يحلمون به وكذا فعلت بقية الهيئات وسط شلل تام لمنظومة العدالة الانتقالية. عادت الدولة العميقة ومنظومات الفساد أكثر شراسة للانتقام من الثورة ومن مسارها عبر الاغتيالات والعمليات الإرهابية وتعطيل الإنتاج وإرهاب المجتمع ونشر الجريمة والمخدرات وتدمير القدرات الصحية للبلاد وتعطيل الحياة السياسية ومحاولة إلغاء البرلمان. استفادت الدولة العميقة من هوس رئيس الجمهورية بالسلطة وهو المحاط بأشرس الكتل الانقلابية الأمر الذي وصل به إلى محاولة إلغاء دستور الثورة والعودة إلى النظام الرئاسي المطلق بدستور 1959.

ليس الرئيس وحده المسؤول عن تردي الوضع السياسي فهو نتاج من نتائج تردي المسار الانتقالي وهو كذلك أحد عناوينه الأبرز. نجحت الأحزاب التي كانت محسوبة على التيار الثوري في إسناد البرنامج الانقلابي كحزب التيار الديمقراطي الذي طالب بتدخل الجيش لوقف العملية السياسية أو حزب حركة الشعب القومي الذي طالب بإعادة النظام الرئاسي المطلق وإلغاء العملية الديمقراطية نكاية في خصومه من الإسلاميين. في الجهة المقابلة يكاد يكون الصف الثوري يتيما من الكلّ تمثيل إعلامي فاعل إثر تشظي الفواعل الثورية وصراعها على المناصب بدل السعي إلى تحقيق المطالب التي من أجلها سقط شهداء ثورة الحرية والكرامة.

ما هو الحلّ الممكن اليوم؟

لم يعد ممكنا المواصلة على نفس النهج بل إن الوضع الخطير للبلاد يفرض التحرك العاجل من أجل إلغاء كل مظاهر الاحتقان الاجتماعي والسياسي التي ينفخ الإعلام في نارها يوميا. لن يكون ذلك ممكنا إلا بتفعيل أدوات الحوار الوطني ومراجعة النظام الانتخابي وتركيز الآليات الدستورية أو الذهاب إلى انتخابات مبكرّة وإعادة الأمانة إلى الشعب علّه يصحح الأخطاء التي اقترفتها نخبه لمنع السقوط في منزلق لا خروج منه.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، بقايا فرنسا، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 3-07-2021   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
علي عبد العال، د - عادل رضا، ابتسام سعد، نادية سعد، محمد إبراهيم مبروك، د. محمد عمارة ، د - غالب الفريجات، أبو سمية، د - صالح المازقي، الناصر الرقيق، د. أحمد محمد سليمان، رشيد السيد أحمد، فاطمة حافظ ، د. جعفر شيخ إدريس ، د- هاني ابوالفتوح، سلوى المغربي، يحيي البوليني، حاتم الصولي، سعود السبعاني، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. أحمد بشير، د. نانسي أبو الفتوح، د- هاني السباعي، د- جابر قميحة، د - محمد بنيعيش، فهمي شراب، محمود فاروق سيد شعبان، كمال حبيب، حسن الحسن، فتحي الزغل، محمد الياسين، العادل السمعلي، أ.د. مصطفى رجب، د. كاظم عبد الحسين عباس ، سفيان عبد الكافي، وائل بنجدو، فوزي مسعود ، سيد السباعي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عبد الرزاق قيراط ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، مجدى داود، أحمد بوادي، د - مضاوي الرشيد، خبَّاب بن مروان الحمد، الهيثم زعفان، محمد الطرابلسي، محمد عمر غرس الله، د - محمد سعد أبو العزم، كريم فارق، أحمد الغريب، د.ليلى بيومي ، معتز الجعبري، بسمة منصور، محمود سلطان، رحاب اسعد بيوض التميمي، الشهيد سيد قطب، رمضان حينوني، كريم السليتي، حسن الطرابلسي، محمد اسعد بيوض التميمي، صباح الموسوي ، علي الكاش، د. نهى قاطرجي ، صفاء العراقي، منجي باكير، جمال عرفة، د - احمد عبدالحميد غراب، مراد قميزة، عبد الله الفقير، د - محمد عباس المصرى، محمود طرشوبي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د. الشاهد البوشيخي، جاسم الرصيف، عبد الله زيدان، حميدة الطيلوش، هناء سلامة، عبد الغني مزوز، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، ماهر عدنان قنديل، إسراء أبو رمان، سلام الشماع، د - الضاوي خوالدية، سيدة محمود محمد، د. محمد يحيى ، محمد شمام ، د. خالد الطراولي ، المولدي الفرجاني، يزيد بن الحسين، عراق المطيري، منى محروس، د - شاكر الحوكي ، د- محمد رحال، ياسين أحمد، سوسن مسعود، فتحي العابد، الهادي المثلوثي، د. عبد الآله المالكي، مصطفى منيغ، د- محمود علي عريقات، محمد أحمد عزوز، صالح النعامي ، خالد الجاف ، د.محمد فتحي عبد العال، أحمد ملحم، سليمان أحمد أبو ستة، أشرف إبراهيم حجاج، رافع القارصي، عمر غازي، محمد تاج الدين الطيبي، محمد العيادي، د. عادل محمد عايش الأسطل، تونسي، عواطف منصور، حسن عثمان، د - مصطفى فهمي، رضا الدبّابي، د - المنجي الكعبي، د. محمد مورو ، سامر أبو رمان ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، محرر "بوابتي"، محمود صافي ، د - محمد بن موسى الشريف ، إيمى الأشقر، عصام كرم الطوخى ، عزيز العرباوي، صفاء العربي، رأفت صلاح الدين، د. ضرغام عبد الله الدباغ، رافد العزاوي، سامح لطف الله، د. طارق عبد الحليم، د. الحسيني إسماعيل ، صلاح الحريري، عدنان المنصر، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، إياد محمود حسين ، د. صلاح عودة الله ، فاطمة عبد الرءوف، صلاح المختار، إيمان القدوسي، حمدى شفيق ، أنس الشابي، سحر الصيدلي، فراس جعفر ابورمان، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد النعيمي، طلال قسومي، د. مصطفى يوسف اللداوي، شيرين حامد فهمي ، ضحى عبد الرحمن، أحمد الحباسي، مصطفي زهران، فتحـي قاره بيبـان،
أحدث الردود
انا اماراتي وتزوجت مغربيه على زوجتي الاولى مع ان الاولى ماقصرت فيني لكن ماعرف ليه خذتها اعترف اني كنت راعي بارتيات وهي كانت ربيعتي وربيعه الكل معرف كي...>>

انا من الامارات وفعلا للاسف اغلب المغربيات اللي شفتهن هناك يا دعاره يا تصاحب خليجين وقليل اللي شفتها تشتغل ومحترمه حتى الشغل العادي خلوه دعاره يعني تش...>>

مقال ممتاز
لكن الاصح ان الوجود الفرنسي بتونس لم يكن استعمارا وانما احتلال، فرنسا هي التي روجت ان وجودها ببلداننا كان بهدف الاعمار والاخراج من ح...>>


الاولى : قبل تحديد مشكلة البحث، وذلك لتحديد مسار البحث المستقل عن البحوث الاخرى قبل البدء فيه .
الثانية : بعد تحديد مشكلة البحث وذلك لمعرفة الا...>>


بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة