تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

تونس: لا أمل في صلح قومي إسلامي

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


تونس تسلم أمرها لوباء كورونا والضعفاء يستدعون حلول السماء والحكومة تدعوهم إلى التعايش والصبر، ونجاح السيطرة على المرحلة الأولى صار وراءهم ذكرى طيبة يربطها البعض بشخص وزير الصحة المقال في قلب المعركة، بينما يبرر آخرون أننا على طريق جيراننا سائرون.

رغم ذلك فالورقة التي يكتبها جاهل بالطب تهتم بوباء آخر، وباء سياسي نكتب عنه استباقًا لإصابة محتملة بالوباء الطبيعي، أتحدث عن المعركة بين التيار القومي والتيار الإسلامي على ضوء المواقف التي انتهى إليها ممثلا التيارين في تونس بعد سقوط حكومة إلياس الفخفاخ.

فرحة ما تمت
عندما اشتركت حركة الشعب (حزب قومي) وحركة النهضة (حزب إسلامي) في حكومة واحدة، أملنا خيرًا في رؤية نهاية للصراع بين الحزبين اللذين يمثلان تيارين فكريين وسياسيين يخترقان العرب طولًا وعرضًا، فقد كان الأمل أن العمل الحكومي سيصرف منتسبي التيارين/الحزبين عن الصراع إلى البناء ويشغلهم عن المناكفات فيكتشفون أن صراعهم القديم لم يكن قائمًا على أسس حقيقية، على الأقل في الحالة التونسية التي استوردت الصراع من الشرق ولم تسهم في خلقه.

لكن هذا الأمل لم يعمر طويلًا، فقد سقطت حكومة الفخفاخ ليس بسبب هذا الخلاف بل لسبب مختلف (لم يتسرب من داخل هذه الحكومة أي نبأ يفيد أن وزراء الحزبين وجدا صعوبة في العمل الحكومي المشترك)، لكن سقوطها فرق بين الحزبين فعادا إلى حالة العداء التي أصفها بالوباء بل أجدها أخطر، ولم يظهر أنهما قرءا فوائد التعايش فاستسهلا العداء القديم.

بدرت عن حركة الشعب تصريحات استئصالية مفادها أن لا تعايش في المستقبل مع النهضة مع نبرة انتصارية واهية أقرب إلى التعزية الذاتية، فيما اكتفت حركة النهضة بالمصادقة على حكومة المشيشي التي لا تمثل الأحزاب.

ونجد أن الخلاف بشأن الحكومة يستند إلى ذلك الصراع وليس لاختلاف بشأن برنامج حكم اقترح ورفضته حركة الشعب (الحقيقة أن كل الأحزاب تقدم برنامجًا واحدًا بتفاصيل ثانوية لإظهار اختلاف).

كلفة الخلاف تونسيًا وعربيًا
النبش في جذور الخلاف يذهب بنا بعيدًا، لكنه هنا والآن يعطل كل الاحتمالات الديمقراطية خاصة بعد الربيع العربي الذي شارك فيه الجميع بمقادير وأملت منه الأمة خيرًا كثيرًا، وكان التوجه إلى انتخابات برلمانية في مصر وتونس هو الحامل لاحتمالات المصالحة، إذ إن ممثلي التيارين في البلدين عاشا زمنًا طويلًا في معارضة نظاميهما القائمين (مبارك/الحزب الوطني وبن علي/حزب التجمع)، لكن نتائج الانتخابات قدمت الإسلاميين ووضعت القوميين في مؤخرة ترتيب القوى السياسة الفاعلة على الساحة، فعاد الخلاف إلى السطح وصار الربيع العربي ربيعًا عبريًا عند القوى القومية.

ومن الساحة السورية انتقلت الحرب إلى مصر وتونس، ونحن نعيشها كأننا على إحدى الجبهات السورية، وكل ذلك اللغو الكثيف بشأن عمالة الإسلاميين لقطر وتركيا وعمالة القوميين لإيران ليس إلا مبررات ومهارب متنوعة لعدم تحمل كلفة حوار في تونس أو في مصر يقدم نجاح الديمقراطية الداخلية (في قطر من الأقطار)، واجتناب نقل المعارك من قطر آخر لم تتهيأ فيه ظروف التعايش الديمقراطي.

السؤال الذي لا نظن الفريقين يطرحانه هو: كم كلفة هذا الخلاف على الديمقراطية (السؤال قابل للتوسيع ليشمل كل من يرفض العمل السياسي مع الإسلاميين ويقصيهم)؟ كم كانت فرضية التعايش ستجر من فائدة لا على التيارين فحسب بل على شعوبهما قبل ذلك؟

لننظر في بعض النتائج، لقد ساند قوميو مصر انقلاب السيسي فخسر تيار الإخوان خسارة مدمرة، لكن ماذا ربح القوميون من السيسي؟ عقلاؤهم يدفعون ثمنًا باهظًا للعودة عن موقف مناصرة نظام يخون قضية العرب ويدفع إلى الخيانة بكل قوته، وقد حرمهم السيسي حتى حق الكلام.

وبالعصبية نفسها ساند قوميو تونس الانقلاب وهم الآن في ورطة أخلاقية كبيرة، فوريث عبد الناصر كشف عن خائن قومي ومطبع وعدو للمقاومة، لقد كان العداء للإخوان غمامة مظلمة أودت بالقوميين العرب والأسوأ في كل المشهد أنهم يجدون الآن أنفسهم في نفس الخندق مع الأنظمة المهرولة إلى التطبيع، إذ يشتركان في أمر واحد بل وحيد وهو العداء لتيار الإخوان، ربما يختلفان في الأسباب والمبررات لكن النتيجة واحدة.

لا نرى عاقلًا من هؤلاء يقول خسارتنا من هذه الحرب أكبر من منافعنا لنتوقف هنا ونعالج جذور المشكل، ردة فعل حركة الشعب القومية بعد سقوط حكومة الفخفاخ تكشف أن هذا العاقل لم ينطق بعد وقد لا يكون له وجود أبدًا.

وباء وليس أقل من ذلك
عندما أصف هذا الصراع بالوباء المدمر فأنا أستند إلى تاريخ هذا الصراع، فمنذ ثلاثة أرباع قرن يعادي القوميون الإسلاميين ويحاربونهم، لقد ملك القوميون السلطة في بلدان كثيرة ولم يكن خطر الإسلاميين عليهم حقيقة بل اصطناع سياسي بنيت عليه السياسيات المعادية للديمقراطية لتمحق الإسلاميين وغيرهم، ولم يحظ الإسلاميون بفرص مماثلة لتكون مقارنة علمية، لكن في العقود الأخيرة كان القوميون والإسلاميون في خندق ضحايا الأنظمة غير الديمقراطية وكان المنتظر أن يتفقا على الديمقراطية لكنهما اتخذا الديمقراطية نفسها وسيلة لمواصلة الحرب.

وهو ما يدفعنا إلى استنتاج محبط أن هذه الحرب لن تنتهي إلا بفناء أحد طرفيها، وسيكون ذلك بوسيلة الديمقراطية نفسها، ونعتقد أن من يستثمر الديمقراطية لإقصاء شركائه فيها وبناء الحواجز داخلها سيكشف عجزًا ديمقراطيًا أصيلًا فيه وأن حديث الديمقراطية عنده فاقد للمصداقية ولا ينفذ إلى الناس مثلما لم ينفذ حديث زعماء بلغاء جدًا إلى أرواح شعوبهم فاندثرت أنظمتهم بمجرد اختفاء وجوههم من وسائل الإعلام التي حكموا بها الناس.

سنواجه كورونا وحدنا في تونس، فربما يسمح لنا الوباء بوقت إضافي لنشهد نهاية أفكار كثيرة وتيارات كثيرة فعلت فينا فعل الأوبئة ولكن لم تقتلنا بعد.



 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، اليسار، القوميون،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 20-09-2020   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
الهيثم زعفان، فاطمة عبد الرءوف، عراق المطيري، أحمد الحباسي، محمد عمر غرس الله، صفاء العراقي، حمدى شفيق ، محمد أحمد عزوز، محمود صافي ، د - محمد عباس المصرى، رضا الدبّابي، محمد الياسين، د - محمد بن موسى الشريف ، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، عزيز العرباوي، العادل السمعلي، د- جابر قميحة، علي الكاش، محمود طرشوبي، د. الحسيني إسماعيل ، كريم السليتي، رافع القارصي، سلام الشماع، حسن الحسن، د- هاني ابوالفتوح، د. صلاح عودة الله ، د- محمد رحال، عدنان المنصر، د- محمود علي عريقات، أ.د. مصطفى رجب، د - احمد عبدالحميد غراب، مراد قميزة، محمد اسعد بيوض التميمي، إيمان القدوسي، صلاح الحريري، محمد تاج الدين الطيبي، أبو سمية، د. محمد يحيى ، د. مصطفى يوسف اللداوي، نادية سعد، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، إياد محمود حسين ، عواطف منصور، د. محمد مورو ، د. طارق عبد الحليم، حميدة الطيلوش، منى محروس، حسن الطرابلسي، محرر "بوابتي"، عبد الله زيدان، معتز الجعبري، سوسن مسعود، د. محمد عمارة ، إيمى الأشقر، د - أبو يعرب المرزوقي، أحمد ملحم، د.محمد فتحي عبد العال، خبَّاب بن مروان الحمد، جمال عرفة، وائل بنجدو، محمود سلطان، سحر الصيدلي، مصطفي زهران، سامح لطف الله، حاتم الصولي، محمد العيادي، رأفت صلاح الدين، عصام كرم الطوخى ، شيرين حامد فهمي ، د- هاني السباعي، عبد الله الفقير، د - محمد سعد أبو العزم، فوزي مسعود ، مصطفى منيغ، د. ضرغام عبد الله الدباغ، صلاح المختار، أحمد الغريب، رحاب اسعد بيوض التميمي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، جاسم الرصيف، د - الضاوي خوالدية، إسراء أبو رمان، رمضان حينوني، د. عبد الآله المالكي، د. عادل محمد عايش الأسطل، عبد الرزاق قيراط ، عبد الغني مزوز، بسمة منصور، صفاء العربي، د.ليلى بيومي ، سامر أبو رمان ، سفيان عبد الكافي، يحيي البوليني، فتحـي قاره بيبـان، عمر غازي، محمد الطرابلسي، د. نهى قاطرجي ، د - المنجي الكعبي، سيدة محمود محمد، ماهر عدنان قنديل، رشيد السيد أحمد، محمد شمام ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، فتحي الزغل، د - مصطفى فهمي، محمود فاروق سيد شعبان، المولدي الفرجاني، د. أحمد بشير، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، سلوى المغربي، أنس الشابي، تونسي، طلال قسومي، د - غالب الفريجات، سيد السباعي، فهمي شراب، د. خالد الطراولي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، ابتسام سعد، مجدى داود، الهادي المثلوثي، الشهيد سيد قطب، منجي باكير، سعود السبعاني، د - مضاوي الرشيد، فاطمة حافظ ، كمال حبيب، كريم فارق، د. أحمد محمد سليمان، فتحي العابد، محمد إبراهيم مبروك، رافد العزاوي، صالح النعامي ، صباح الموسوي ، د - محمد بنيعيش، ياسين أحمد، يزيد بن الحسين، هناء سلامة، فراس جعفر ابورمان، د. الشاهد البوشيخي، علي عبد العال، أحمد بوادي، د. نانسي أبو الفتوح، الناصر الرقيق، حسن عثمان، د - صالح المازقي، خالد الجاف ، د - شاكر الحوكي ، أحمد النعيمي، أشرف إبراهيم حجاج، د - عادل رضا، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. جعفر شيخ إدريس ،
أحدث الردود
بارك الله فيكم...>>

جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة