تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

ثقة بتحفظات كلا ثقة

كاتب المقال د - المنجي الكعبي - تونس    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


حكومة أزمة تطلُب الثقة من البرلمان، بعد انتخابات رئاسية عسيرة وتشريعية غريبة الأطوار، فتواجه من أكبر الأحزاب بثقة مرتهنة بتحفظات، فكأنها ترتهن نفسها الى أكثر من المعارضة والعجز عن الخروج من أزمتها، بهذه الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ولدها نظام برلماني مختل الأركان بانتخاباته ودستوره، بعد ثورة فقدت بسببه عناوينها الأساسية لتسقط في حلبة الأسود والذئاب الناهشة.

دستور لم يستكمل أحكامه الانتقالية، وعلى رأسها محكمة عليا تضمن على الأقل الحد الأدنى من التفسير المقبول للدستور وقوانينه الأساسية وفصل المنازعات بين سلطاته.

وعندما قلنا إن أولوية الأوليات قبل تشكيل الحكومة هو أن ينكب المجلس الجديد على إحداث المحكمة الدستورية، لكبح جماح بعض أطرافه التي تُلاعب على كسب الوقت لامتيازاتها الحزبية والبرلمانية وطلباتها المتطرفة، قلنا ما نعتقده الأنسب. فلو أضاع المجلس من الوقت في تشكيل ما هو أولى أكثر من الوقت في تشكيل ما هو أدنى لما كان محجوجاً بإهدار الجهود في تشكيل حكومة الأغلب ثم حكومة الأقدر.

ولكن ما دامت المصيبة بالمجلس المتشكل من البقايا الانتخابية هو مصيبة حكومة الأغلب كما هو مصيبة حكومة الأقدر، تكون النتيجة واحدة. فكل المعالجات المجانبة للديمقراطية مآلها الوقوع أكثر من السابق في المآزق، برلمانياً ورئاسياً على السواء.

خرجنا في انتخابات ٢٠١٤ من منظومة التوافق، التي كرست الالتفاف على منطوق النتائج الانتخابية التي مانعت من كل أغلبية مطلقة لحزب من الأحزاب أو ائتلاف في البرلمان، الى منظومة الثقة مع التحفظات في هذه المرة في حكومة انتخابات ٢٠١٩.

والديمقراطية آفتها الانقلاب عليها بمثل هذه المسوغات السياسية، التي لا تخدم في نهاية الأمر سوى أبطالها في معركة الحسم بالنتائج الانتخابية بين المعارضة والسلطة الحاكمة. فالتوافق والثقة المرتهنة بالتحفظات كلها أساليب يلجأ اليها صاحب الأغلبية المفقودة بحكم الدستور الانتخابي القائم على أكبر البقايا. ليصبح صاحبه أميل لاستتباب السلطة بين يديه بكل التكاليف، وإن راهن على تدهور الأوضاع لحمل البرلمان على تغيير مقتضى إجراءات التصويت داخله على الأشخاص بما يخدم أغراضه من توافق أو الثقة مع التحفظ.

وليس غير سلطة المحكمة الدستورية التي تحد من صلاحيات الأحزاب المتهارشة في البرلمان باجتهاداتها المطلقة من كل رقابة دستورية شرعية عليه.

وكان ينبغي أن تنال حكومة الرئيس، المسماة هكذا نسبة الى رئيس الجمهورية، الذي يختار الأقدر لها لممارسة الحكم في ظل الأزمة البرلمانية بحكومة الأغلب من أحزاب البرلمان، الترحيب لأول إعلانها. لكن الإجراءات المتبعة لانبثاق هذه الحكومة، أي حكومة الأقدر في تشكيلها جعلتها أشبه بالحكومات البرلمانية العادية. وهو أمر لم ينص عليه الدستور، إذ سقوطها في امتحان الثقة يجعلها غير لائقة باسمها وصفتها وضروريتها. وحتى منحها هذه الثقة المشروطة من الحزب الأغلبي بتحفظات هو تمش غير جدير بمقامها. لأن المجال أمام البرلمان لحجب الثقة عنها إذا تبين عجزها وليس وضع العصا في عجلتها قبل دورانها.

وما دام البرلمان فوتت أحزابه وكُتله على نفسها فرصة حكومة الأغلبية. فلا يراد منه، لتشكيل حكومة الأقدر أن يجمع لها من التأييد للثقة ما عجز عنه للحكومة الأولى النابعة من شرعيته الانتخابية. بل موضوع الثقة لها، أي لحكومة الأقدر، يجب أن يكون من تحصيل الحاصل لأنها حكومة منبثقة رئاستُها من إرادة رئيس الجمهورية، صاحب الشرعية المتميزة عن المجلس النيابي. ويجب بالتالي أن تمر دون استنفاد إجراءات مطولة كالأولى لاختلاف طبيعتهما. ولذلك قلنا إن الثقة الممهورة بتحفظات من بعض الأحزاب عند التصويت على الحكومة يجب أن لا يلابسها تحفظ، لأن التحفظ هو غير الاحتفاظ المرادف للتصويت بلا أو نعم. ومن غير الوارد اعتبار التحفظات إلا في التصويت على الاتفاقيات وأشباهها، أما التصويت على عضو في الحكومة أو على الحكومة جملة فلا يؤخذ فيه بتحفظات حزبية أو غيرها.

لأنها كالعلاج الأخير إما أن يمرّ أو يخضع المريض للتأهيل لقبولية العلاج الأقوم، عن طريق عملية جراحية أو نحوها كتجديد الدم، مثل المجلس النيابي بعد حله.

لأن حكومة الأقدر مآلها كالمحك لسلطة رئيس الجمهورية. وهو إنما لجأ اليها لمنع تعطيل سير دواليب الدولة بصفته الساهر الأول على احترام الدستور والتشريع، وهي بمثابة التدابير التي يتخذها في الحالات الاستثنائية، وليس له لاتخاذها غير استشارة رئيس المجلس التشريعي ورئيس الحكومة، وإعلام المحكمة الدستورية لا غير.

ومن الصعب تحديه في هذه الوضعية التي يغيب فيها وجود المحكمة الدستورية بفتاوى من غير المؤهلين دستورياً لمناهضته أو مناقضته. ولذلك فالثقة بتحفظات كلا ثقة، وليست بعربون وفاء للوضع القائم.

تونس في ٢٢ فيفري ٢٠٢٠


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، حكومة الفخفاخ، إلياس الفخفاخ، تشكيل الحكومة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 24-02-2020  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  رمضان والتقارب الروحي أكثر
  نذُر الحرب حذَر العدوى
  سياسة الأزمات والديون
  حول الكورونا في تونس: مثل أجر الشهيد
  الدواء العزيز يجود به الحاكم كما يجود به الطبيب
  دواء ولا كمثله دواء
  خواطر حول تطابق الأسماء
  من نوادر الأقوال: في العلم والدين
  كورونا: الخطر الداهم واتخاذ الأهبة
  كورونا: إنطباعات وتأملات
  على ذكر الأقصى في الحكومة
  (الأقصى) في أسماء أعضاء الحكومة المقترحة
  ثقة بتحفظات كلا ثقة
  البرلمان: الوحْل أو الحل
  محرقة ترامب في فلسطين
  موسم الاختيارات للحكم
  مصر لا يغيب الماء عن نيلها
  في الأقدر على تشكيل الحكومة
  وجهة نظر فيما حصل بحكومتنا الموقرة
  في الجزائر: معجزة الموت لمباركة الحراك
  في الدين والحقوق (تفسير الشيخ السلامي أنموذجاً)
  تحية بتحية واستفهامات
  حقيقة طبعة ثانية للشيخ السلامي من تفسيره
  متابعات نقدية
  الثقافي اللامع والصحافي البارع الأستاذ محمد الصالح المهيدي خمسون عاماً بعد وفاته
  ظاهرة هذه الانتخابات
  من علامات الساعة لهذه الانتخابات
  المحروم قانوناً من الانتخاب
  شاعر "ألا خلدي": الشيخ محمد جلال الدين النقاش
  قرائن واحتمالات

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
د - محمد بنيعيش، د. الحسيني إسماعيل ، رضا الدبّابي، خبَّاب بن مروان الحمد، د. أحمد بشير، شيرين حامد فهمي ، فتحي العابد، د. محمد مورو ، يحيي البوليني، محمد إبراهيم مبروك، صالح النعامي ، سلام الشماع، الهادي المثلوثي، د - المنجي الكعبي، عزيز العرباوي، د. كاظم عبد الحسين عباس ، د.ليلى بيومي ، د. الشاهد البوشيخي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د - مصطفى فهمي، ياسين أحمد، د. عادل محمد عايش الأسطل، يزيد بن الحسين، د. أحمد محمد سليمان، عبد الرزاق قيراط ، سامح لطف الله، محمود طرشوبي، سحر الصيدلي، د- محمود علي عريقات، د. نهى قاطرجي ، حسني إبراهيم عبد العظيم، بسمة منصور، د.محمد فتحي عبد العال، محمد اسعد بيوض التميمي، إياد محمود حسين ، د. عبد الآله المالكي، عمر غازي، د. طارق عبد الحليم، منجي باكير، د - احمد عبدالحميد غراب، رافع القارصي، مصطفي زهران، د - صالح المازقي، وائل بنجدو، كريم السليتي، عصام كرم الطوخى ، أحمد الحباسي، خالد الجاف ، رأفت صلاح الدين، د. صلاح عودة الله ، حاتم الصولي، د - شاكر الحوكي ، سلوى المغربي، إسراء أبو رمان، د. مصطفى يوسف اللداوي، جمال عرفة، د. محمد يحيى ، د. جعفر شيخ إدريس ، محمود سلطان، سوسن مسعود، هناء سلامة، تونسي، فتحي الزغل، د- هاني السباعي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، عبد الله زيدان، صلاح المختار، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، المولدي الفرجاني، طلال قسومي، ابتسام سعد، د - غالب الفريجات، أشرف إبراهيم حجاج، د - عادل رضا، أنس الشابي، معتز الجعبري، سفيان عبد الكافي، د- محمد رحال، منى محروس، د. نانسي أبو الفتوح، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د. ضرغام عبد الله الدباغ، محمود فاروق سيد شعبان، كريم فارق، د - الضاوي خوالدية، إيمان القدوسي، د. خالد الطراولي ، الهيثم زعفان، سعود السبعاني، مجدى داود، صفاء العراقي، د. محمد عمارة ، سيد السباعي، د- جابر قميحة، د - محمد سعد أبو العزم، صباح الموسوي ، مراد قميزة، محمد أحمد عزوز، محمد الياسين، جاسم الرصيف، كمال حبيب، رحاب اسعد بيوض التميمي، د - مضاوي الرشيد، عدنان المنصر، رافد العزاوي، محرر "بوابتي"، د - محمد عباس المصرى، ماهر عدنان قنديل، مصطفى منيغ، فراس جعفر ابورمان، عراق المطيري، حسن الحسن، أ.د. مصطفى رجب، إيمى الأشقر، حسن عثمان، محمد الطرابلسي، رشيد السيد أحمد، عبد الغني مزوز، د - أبو يعرب المرزوقي، حمدى شفيق ، محمد شمام ، محمد العيادي، علي عبد العال، د . قذلة بنت محمد القحطاني، عبد الله الفقير، د - محمد بن موسى الشريف ، سيدة محمود محمد، سامر أبو رمان ، صلاح الحريري، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، حميدة الطيلوش، أحمد الغريب، نادية سعد، د- هاني ابوالفتوح، محمد عمر غرس الله، الناصر الرقيق، صفاء العربي، الشهيد سيد قطب، أحمد النعيمي، علي الكاش، فاطمة عبد الرءوف، أحمد بوادي، أحمد ملحم، فتحـي قاره بيبـان، حسن الطرابلسي، فوزي مسعود ، العادل السمعلي، محمود صافي ، رمضان حينوني، فهمي شراب، أبو سمية، عواطف منصور، فاطمة حافظ ، محمد تاج الدين الطيبي،
أحدث الردود
جانبك اصواب في ما قلت عن السيد أحمد البدوي .

اعلم أن اصوفية لا ينشدون الدنيا و ليس لهم فيها مطمع فلا تتبع المنكرين المنافقين من الوها...>>


أعلم أن تعليقك مر عليه سنين، كان عليك بزيارة طبيب نفسي فتعليقك يدل على أنك مريض ، ويحمل تناقضات تقول أنها عاهرة و جاءت لتعمل في الفندق ؟؟؟ عاهرة وأجبر...>>

تم ذكر ان المدخل الروحي ظهر في بداياته على يد شارلوت تويل عام ١٩٦٥ في امريكا
فضلا وتكرما احتاج تزويدي ب...>>


الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة