تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

الموجة الثورية الثانية تصحح أخطاء الأولى

كاتب المقال محمد هنيد - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


لا يمكن أن ننكر اليوم أمام ما يحدث في العراق ولبنان والجزائر وقبله في السودان أننا أمام الموجة الثورية الثانية للربيع العربي الذي انطلق في تونس. هذا الإقرار يعني أنّ حركة الثورات لا تزال متواصلة وأنّ زخمها آخذ في الارتفاع وأن رقعتها الجغرافية بصدد التمدد بعد أن بلغت مناطق لم تبلغها خلال الموجة الأولى.

لم تنجح المشاريع الانقلابية التي قادتها الثورات المضادة وأذرع الدولة العميقة في كسر شوكة الشارع وفي ترميم جدار الخوف الذي أسقطته الجماهير خلال الموجة الأولى. فالشعوب لم تعد تخاف القتل والقنص وأجهزة المخابرات واستوى عندها الموت والحياة بل نراها تواجه بصدور عارية جحافل القناصة والمليشيات وفرق الموت التي تحرس النظام الاستبدادي الإقليمي.

هذا الوضع الجديد الذي يقوم على أنقاض نتائج الموجة الأولى يحمل جملة من العناصر والمكونات والفواعل التي تستوجب القراءة والتأمل لأنها لا تكتفي بصناعة مرحلة جديدة بل إنها تصحّح وتقوّم المرحلة السابقة المتمثلة في الموجة الثورية الأولى.

الفواعل والخصائص

لا تكاد الموجة الجديدة تختلف في بنائها وشكلها عن الموجة السابقة فالفاعل الرئيسي على الأرض هي جماهير الشعوب الغاضبة بسبب تردي أوضاعها السياسية والاجتماعية والمعيشية بشكل عام. مطلبها الأساسي هو محاربة الفساد والحدّ من سطوة العصابات التي باعت البلد وثرواته واستولت على كل المرافق الحيوية بشكل انتشرت معه البطالة وانهارت القدرة الشرائية وعجزت الدولة عن توفير المرافق الأساسية من ماء وكهرباء في دول غنية بالموارد الطبيعية مثل الجزائر والعراق والسودان.

أما الخاصية الثانية فهي الشعارات المرفوعة في هذا الحراك والتي تصدّرها شعار الربيع الأساسي " الشعب يريد إسقاط النظام " وهي بذلك تربط الموجة الثورية الثانية بالموجة الأولى من حيث طبيعة المطالب التي تعتبر الفاعل السياسي أو السلطة الحاكمة مصدر الأزمة التي تعيشها المجتمعات.

لم تكن الموجة الشعبية الجديدة موجة عنيفة أو مسلحة بل كانت كسابقاتها موجة سلمية شارك فيها الملايين من المدنيين وهم يؤكدون من خلال شعاراتهم على الطابع السلمي لمطالبهم. لكن رغم ذلك لم تتردد الأنظمة في قمع المظاهرات السلمية بنفس الطريقة التي قمعت بها الموجة الأولى حيث اعتلى القناصة أسطح المنازل وأخذوا في قتل المدنيين العزّل بدم بارد مثلما حدث في السودان على يد قوات الدعم السريع أو ما يحدث اليوم في العراق.

حافظت الموجة الأولى على طابعها الشعبي ولم تكن تحركها الأحزاب أو النخب أو الزعامات السياسية أو الدينية بل إنها كانت تحركات قاعدية بامتياز بشكل يجعل من احتوائها أو شيطنتها أمرا صعبا. كما تميزت الموجة الثانية بتراجع حضور الجماعات الإسلامية التي سيطرت على المشهد الثوري خلال الموجة الأولى بل إن جموع المتظاهرين حرصت على أن تكون تحركاتهم مطلبيّة وسياسية دون خلفية أيديولوجية مهما كان لونها.

خاصية أخرى تميّز الموجة الجديدة خاصة في بلدين مثل العراق ولبنان حيث تمثل المعضلة الطائفية حاجزا أساسيا أمام كل تغيير سياسي جدي لكنّ شعارات الموجة الثانية كانت شعارات فوق طائفية بامتياز. هذه الخاصية الجديدة تعتبر نُقلة نوعية في الوعي السياسي الجمعي بهذه الدول أولا وبكامل المنطقة ثانيا لأن النجاح في تجاوز العقدة الطائفية يمثّل قفزة نوعية وتحولا جوهريا قادرا على إعادة صياغة بنية هذه المجتمعات وبنية ممارسة السلطة داخلها. هذا التحوّل سيمنع كل أشكال الانزلاق الطائفي التي سقطت فيها من قبل سواء بعد الاحتلال الأمريكي الإيراني لبغداد أو خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

المآلات والمخارج

لكن السؤال الذي يُطرح في هذا السياق الجديد إنما يتعلق بمخارج الموجة الجديدة ومآلاتها ؟ فهل ستستطيع الموجة الثورية الثانية تجنّب المطبات التي سقطت فيها الموجة الأولى ؟ هل ستسمح الدولة العميقة وقوى الثورة المضادة في المنطقة وخارجها بنجاح الموجة الشعبية ؟ ما هو هامش الحركة الذي لازالت تتمتع به الدولة العميقة لكسر شوكة الموجة الجديدة ؟

إن أول ما يلاحظ في المظاهرات الجديدة هو قدرتها على تصحيح الموجة الأولى من خلال رفضها المطلق لتسييس الحراك الشعبي مهما كان مصدره وهو ما يُحصّنها ضد أي شكل من أشكال القرصنة أو التوجيه أو المزايدة.

هذا الوعي الجديد لن يترك المنافذ مفتوحة لسيطرة المجموعات المحسوبة زورا على التيارات الإسلامية أو الجهادية أو غيرها من القوى التي تعمل على اختراق الحراك الثوري وتحويره عن مساره الحقيقي. وهو الأمر الذي لن يمكّن قوى الثورات المضادة من جعل هذه الجماعات شماعة لمحاربة الثورات وتبرير الانقلاب عليها مثلما حدث في مصر وليبيا وسوريا.

هذا الأمر يُضيّق من هامش المناورة لدى قوى الثورة المضادة التي لن تستطيع إعادة تسويق قائمة الذرائع التي اختلقتها خلال الموجة الأولى ونجحت عبرها في تحويل الثورات إلى ساحات للعنف والفوضى والاقتتال. لم تحقق كل الأموال التي صُرفت من أجل إجهاض الثورات ومنع تجددها الهدف المرجوّ منها كما أنّ العنف الذي سُلّط على جموع المتظاهرين والمدنيين خلال السنوات الماضية لم يُثن شعوبا أخرى عن الخروج مجددا للتنديد بالقمع والفساد ونهب الثروات.

من جهة أخرى مثّل نجاح الثورة التونسية وقدرتها على رسم مسارها الانتقالي بشكل ديمقراطي حرّ دليلا جديدا على أن الديمقراطية العربية أمر ممكن وأنّ القول السائد بأن الشعوب العربية عاجزة عن تحقيق حكم ديمقراطي ليس إلا أكذوبة كبيرة.

لئن كان من الصعب اليوم التكهن بالمخارج الممكنة للموجة الثورية الثانية فإن الثابت الأكيد هو قدرتها على تصحيح مسارات الموجة الأولى من ناحية ومحافظتها على نفس ثوابت الحركة. الثابت أيضا هو أنّ حركة التغيير العربية لن تتوقف حتى تنجز الشروط التي من أجلها انطلقت ولو كلّفها ذلك أكثر من موجة واحدة لأنها في الحقيقة حركة تاريخية وهي ككل حركة تاريخية لابدّ أن تحقق أهدافها التي اندلعت من أجلها.

نقف اليوم على أبواب مرحلة جديدة من تاريخ الاستقلال الحقيقي الذي تبحث فيه شعوب الأمة عن التحرر من قبضة المستعمر الداخلي الذي فاقت جرائمه كل جرائم المستعمر الخارجي. إنها المرحلة التي تسبق مرحلة التحرر من أغلال الداخل والخارج معا وهي المرحلة التي تحقق فيها الأمة أولى شروط النهضة المتمثل في امتلاك قرارها السيادي وممارسة حقها في تقرير مصيرها.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الجزائر، العراق، لبنان، السودان، الثورات العربية،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 9-11-2019   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
محمد عمر غرس الله، محمود صافي ، سلام الشماع، د. نهى قاطرجي ، أبو سمية، سامر أبو رمان ، عبد الله الفقير، د- جابر قميحة، صلاح الحريري، الهادي المثلوثي، د- هاني ابوالفتوح، حاتم الصولي، حميدة الطيلوش، صباح الموسوي ، سيد السباعي، إيمى الأشقر، رمضان حينوني، د - أبو يعرب المرزوقي، نادية سعد، كمال حبيب، ياسين أحمد، د - غالب الفريجات، عواطف منصور، د- محمد رحال، محمد تاج الدين الطيبي، د. جعفر شيخ إدريس ، د. مصطفى يوسف اللداوي، عبد الله زيدان، د - محمد بن موسى الشريف ، يزيد بن الحسين، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، منى محروس، صالح النعامي ، أنس الشابي، د - شاكر الحوكي ، د - الضاوي خوالدية، فتحي العابد، جاسم الرصيف، محمد اسعد بيوض التميمي، فهمي شراب، فتحـي قاره بيبـان، محمد الياسين، سامح لطف الله، كريم السليتي، علي عبد العال، د - مضاوي الرشيد، عبد الغني مزوز، د. محمد مورو ، عمر غازي، فاطمة حافظ ، حسن الحسن، سوسن مسعود، د. كاظم عبد الحسين عباس ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، العادل السمعلي، د.محمد فتحي عبد العال، حمدى شفيق ، سلوى المغربي، حسن الطرابلسي، مجدى داود، أ.د. مصطفى رجب، د. خالد الطراولي ، عزيز العرباوي، محرر "بوابتي"، عبد الرزاق قيراط ، محمود سلطان، محمد إبراهيم مبروك، د. عادل محمد عايش الأسطل، معتز الجعبري، د. صلاح عودة الله ، د. محمد يحيى ، د - مصطفى فهمي، أشرف إبراهيم حجاج، خبَّاب بن مروان الحمد، د. أحمد محمد سليمان، بسمة منصور، د.ليلى بيومي ، محمد الطرابلسي، سفيان عبد الكافي، أحمد بن عبد المحسن العساف ، علي الكاش، الناصر الرقيق، أحمد ملحم، طلال قسومي، حسني إبراهيم عبد العظيم، إيمان القدوسي، د. نانسي أبو الفتوح، حسن عثمان، عدنان المنصر، د. عبد الآله المالكي، رأفت صلاح الدين، منجي باكير، د. محمد عمارة ، جمال عرفة، كريم فارق، الهيثم زعفان، صلاح المختار، أحمد الغريب، سحر الصيدلي، محمد أحمد عزوز، إسراء أبو رمان، محمد العيادي، رشيد السيد أحمد، أحمد بوادي، د - احمد عبدالحميد غراب، محمد شمام ، ماهر عدنان قنديل، د - المنجي الكعبي، فراس جعفر ابورمان، هناء سلامة، د. طارق عبد الحليم، أحمد النعيمي، وائل بنجدو، أحمد الحباسي، د - صالح المازقي، د - محمد عباس المصرى، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د. أحمد بشير، د. الحسيني إسماعيل ، رضا الدبّابي، محمود طرشوبي، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، مصطفي زهران، سيدة محمود محمد، تونسي، د- هاني السباعي، فتحي الزغل، خالد الجاف ، عراق المطيري، شيرين حامد فهمي ، صفاء العراقي، د - محمد سعد أبو العزم، فوزي مسعود ، مصطفى منيغ، د. الشاهد البوشيخي، سعود السبعاني، رحاب اسعد بيوض التميمي، محمود فاروق سيد شعبان، الشهيد سيد قطب، رافد العزاوي، عصام كرم الطوخى ، صفاء العربي، فاطمة عبد الرءوف، يحيي البوليني، ابتسام سعد، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د- محمود علي عريقات، مراد قميزة، رافع القارصي، د - محمد بنيعيش، د. ضرغام عبد الله الدباغ، إياد محمود حسين ، المولدي الفرجاني،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة