تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

حداثيون ضد الديمقراطية في تونس

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


توجد حالة من الجرب الفكري تخترق مكوّنات الطبقة السياسية التونسية تجعلهم يحكون جلودهم عند الحديث عن الإسلاميين. وقد اشتدت حالة الجرب للعيان في الموسم الانتخابي التونسي الملتهب في خريف 2019.

هذا الجرب مكون أساسي في وعي نخبة بنت أفكارها ومواقفها تحت تأثير نظام بورقيبة وبن علي واستمرت عليه لا تغيره وهو العائق القائم الآن في طريق حكومة وحدة وطنية تجمع فرقاء السياسة مع حزب النهضة بناء على نتائج الانتخابات التشريعية التي أعلنت نتائجها البارحة، (ليلة 10-10-2019).

من هم الذين يحملون هذا الجرب في عقولهم؟ ولماذا لا يعالجون جربهم الفكري والنفسي والذوقي؟ وكم على التونسيين أن يتحملوا رفاه مزاجهم الذي يتقزز من الإسلاميين؟

جرب يساري متفش في النخبة

قامت حرب الإقصاء ضد الإسلاميين منذ ظهورهم. ولدينا الآن ما يكفي من المعطيات تثبت أن السلطة (داخلية بورقيبة) هي التي خلقت لهم خصمًا يطاردهم في الجامعة وفي الطريق. استدعي في هذه الحرب كل تراث الحرب على تيار الأخوان المسلمين عامة منذ حادثة المنشية (مسرحية اغتيال عبد الناصر) وزيد عليها محليًا بحق وبكثير من باطل مصطنع.

استمرت المقولات الجاهزة حتى اللحظة. ولكن لم يعد اليسار هو الذي يستعملها وحده بل انتشرت كمسلمات ثابتة في عقول نخبة لا تجادل مسلماتها. فوجدنا أن طيفًا واسعًا (من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار) يرددها ويبني عليها موقفه السياسي وتحالفاته وها هي تعود في لحظة تشكيل الحكومة. ليجد الشعب التونسي نفسه رهينة لها فلا يفرح بنتائج الانتخابات ولا يطمئن إلى مستقبله لأن هناك من يتقزز ويقرف من إمكان الجلوس إلى إسلامي في مجلس حكم. رغم أنه يتودد إليه في الطريق كأنه أخ ضيعه وعثر عليه صدفة.

رفض الإسلاميون موضة فكرية وذوقية يرى حملتها أنها علامة حداثة فكرية وسلوكية. لكنها موضة دامت طويلًا حتى صارت عاهة فكرية. عرفت بعض التخفيف مثل القول بأن للإسلاميين حق الوجود السياسي ضمن مشهد تعددي (وهو ليس موقفًا أغلبيًا) ولكن هذا الوجود لا يجب أن يرقى بحال إلى المشاركة في الحكم أو نيل منافعه. وقد خلق السيد نجيب الشابي توجهًا عامًا أن يكون الإسلاميون وسيلة نقل نحو السلطة.

فهم مدعوون إلى المشاركة لكن لصالح قادة الفكر والرأي والسياسة التقدميين فقط. بلهجة تبسيطية، كان يقال لهم بشكل موارب (امنحونا جمهوركم لنكون رؤساء أو امنحونا نوابكم في البرلمان لنكون حكومات تساندونها وجوبا ولا تشاركون فيها فأنتم لستم أهلا للحكم)، فانتم رجعيون ظلاميون إلى آخر قائمة التوصيفات.

جرب مصري المنشأ

هذه الحيلة قادمة من مصر بدورها، فقاعدة الإخوان المسلمين في النقابات المهنية صالحة فقط لإيصال أمثال حمدين صباحي للبرلمان أو لنقابة محامين أو صحفيين ولكن أن يكون الإخواني نقيب مهنة فهذا غير مسموح بما كشف عمق الدور الذي تلعبه هذه الفكرة لدى النخبة التي تتقاسم الأدوار بينها وبين الأنظمة الحاكمة، حيث الأنظمة تمنع الإخوان من المشاركة فيزعم التقدميون (في إطار الدفاع عن الحريات) فتح ثغرة لهم ولكن في حدود استعمالهم وسيلة نقل إلى المناصب والمواقع والمنافع.

تتمتع الأنظمة بوجه ديمقراطي في الخارج حيث تسوق لمشهد سياسي تعددي ويتمتع التقدميون بمنافع السلطة في الداخل ويشتغل الإخوان أو من شابههم وسيلة نقل. فلما أخرجت الثورة في تونس ومصر الإسلاميين من وضع التاكسي الجماعي عاد جرب التقدمية يحك أصحابه وصار الإسلاميون غير صالحين للحكم ويذهب البعض إلى تشبيههم بالحيوانات (خرفان الإخوان وعلالش النهضة).

وتقف تونس اليوم على مدى تغلغل هذه الفكرة في الطبقة السياسية التي عجزت عن منع الإسلاميين من المشاركة بفضل الثورة ولكنها تمنعهم من المشاركة الفعلية عبر عزلهم والتشويش عليهم مختلقة لهم كل مسببات الفشل.

كل الجماعات السياسية مصابة بالجرب

يوم تحالف حزب التكتل للعمل والحريات (بقيادة مصطفي ب جعفر) ونال رئاسة المجلس التأسيسي (2011) رغم أن حجمه البرلماني كان صغيرًا خرج قطاع واسع من حزبه متهمين إياه بالخيانة لأنه تحالف مع حزب النهضة واستقال آخرون من حزب المؤتمر (حزب المرزوقي لنفس السبب) ورفضت بقية التكوينات التحالف مع النهضة لهذا السبب الذات وأعلن نجيب الشابي المعارضة حتى قبل أن تقام الحكومة. دون أن نذكر هنا بموقف الحزيبات اليسارية التي تعيش فقط بهذا الجرب السياسي ومن أجله ويبدو أنها ماتت به (في انتخابات 2019).

والآن نتابع مناورات تشكيل حكومة 2019-2024 ونتابع الحرج الكبير الذي يجده الفائزون إلى جانب حزب النهضة. خاصة من المكونات التي تعلن نفسها ثورية. (حزبا التيار يسار وسط وحركة الشعب قوميون). الحرج ظاهر في كل تصريحاتهم وفي كل مواقفهم ولكن وراء الحرج الذي يتذرع بغياب برامج النهضة يوجد سبب قوي لعدم الاقتراب. جزء كبير من مكونات هذه الأحزاب سيعلن انسحابه من الأحزاب إذا اقتربت من النهضة.

قواعد هذه الأحزاب وكثير من كوادرها مشبعة بمرض التقزّز من الإسلاميين ويستعيد بعضهم خطاب أول معارك عبد الناصر والإخوان ويعيش منها ويرى أن الزمن قد آن للانتقام من حادث المنشية.

يتحمل التونسيون الآن كلفة هذا الجرب السياسي فهم في حيرة من أمرهم بخصوص تشكيل حكومة متنافرة المكونات، بل يذهبون في توقعاهم إلى حد الفشل في بناء جهاز حكم جديد على نتيجة انتخابات 2019.

عموم الناخبين يعيشون خارج هذه المعركة، وليس لهم فيها لا ناقة ولا جمل وما من أسرة تونسية إلا وفيها إسلامي أو قريب من الإسلاميين، لكن النخبة السياسية تجرهم إلى معركتها منذ نصف قرن. بهذا الجرب حرض بن علي التونسيين ضد بعضهم وحكم ربع قرن وخرب البلد ولا تزال آثار يده المخربة تعيق البلد عن القيام وتعيق التونسي عن العيش الكريم. والموطان لا يسمع حلولا لمشاكله بل يسمح عبارات التقزز من الإسلاميين.

من الجرب الحقيقي في البلد؟ من زرعه في العقول؟ الصورة تتضح للتونسي ولذلك بدأ يستفيق من المعارك المغلوطة ويرد للإسلاميين اعتبارهم وحجمهم إذ يفوضهم للمرة الثالثة للحكم برغم الطرق الإعلامي المتواصل على وعيه منذ تسع سنوات

نتيجة انتخابات 2019 كشفت عودة الوعي بأن المعركة مع الإسلاميين ليست معركة التونسيين بل معركة نخبة تغربت وفقدت علاقتها بأصلها الثقافي والفكري فبنت حياتها و(نضالها) ضد كل احتمال نقد هذه الصيغة من الحداثة وطبعًا محاربة كل حركة أو فكرة أو شخص أو إبداع فردي يذكر بأن هناك صيغة أخرى محتملة للحداثة.

هذا الاحتمال يرفع من درجة الحكة الجرباء التي تصيب النخبة هذه الأيام فنجدها تقف بكل ما تبقى لها من قوة مع ممثل المافيا الدولية الذي يود حكم تونس مقدمًا نفسه كحام الحداثة الأخيرة في تونس. الحداثيون في تونس يقفون ضد الديمقراطية التي قادت التحديث في أوروبا، حالة من التناقض الفكري لم نجد لها من وصف إلا الجرب السياسي.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الإنتخابات، الإنتخابات التونسية، اليسار التونسي، اليساريون،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 20-10-2019   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
حسن عثمان، د. محمد عمارة ، سلام الشماع، تونسي، د. جعفر شيخ إدريس ، حسني إبراهيم عبد العظيم، هناء سلامة، د. الحسيني إسماعيل ، خالد الجاف ، د - المنجي الكعبي، د - مضاوي الرشيد، وائل بنجدو، رضا الدبّابي، صلاح الحريري، سحر الصيدلي، أحمد الغريب، محمد أحمد عزوز، المولدي الفرجاني، د - محمد سعد أبو العزم، د. محمد يحيى ، حميدة الطيلوش، مجدى داود، ياسين أحمد، رمضان حينوني، كريم السليتي، يزيد بن الحسين، د. كاظم عبد الحسين عباس ، محمد شمام ، رشيد السيد أحمد، عراق المطيري، محمد إبراهيم مبروك، إسراء أبو رمان، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، فوزي مسعود ، صباح الموسوي ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، خبَّاب بن مروان الحمد، رحاب اسعد بيوض التميمي، عبد الله الفقير، حسن الحسن، مراد قميزة، د - محمد بنيعيش، سوسن مسعود، د- هاني السباعي، د - محمد بن موسى الشريف ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، صلاح المختار، د- محمد رحال، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، صفاء العراقي، محمد اسعد بيوض التميمي، مصطفي زهران، رأفت صلاح الدين، د- هاني ابوالفتوح، يحيي البوليني، د. نهى قاطرجي ، د. الشاهد البوشيخي، أحمد النعيمي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، رافع القارصي، إيمان القدوسي، فتحي العابد، معتز الجعبري، أبو سمية، عبد الله زيدان، د - محمد عباس المصرى، أحمد الحباسي، حاتم الصولي، محمود فاروق سيد شعبان، الهادي المثلوثي، د. نانسي أبو الفتوح، منى محروس، د. مصطفى يوسف اللداوي، صالح النعامي ، عبد الغني مزوز، عصام كرم الطوخى ، كريم فارق، سيدة محمود محمد، مصطفى منيغ، شيرين حامد فهمي ، العادل السمعلي، كمال حبيب، سامر أبو رمان ، عواطف منصور، فتحـي قاره بيبـان، محمد الطرابلسي، أشرف إبراهيم حجاج، عزيز العرباوي، سعود السبعاني، د - الضاوي خوالدية، د- محمود علي عريقات، علي عبد العال، د - مصطفى فهمي، محمد تاج الدين الطيبي، د - أبو يعرب المرزوقي، د.ليلى بيومي ، الهيثم زعفان، محمود طرشوبي، أنس الشابي، محمد عمر غرس الله، رافد العزاوي، محمود سلطان، الناصر الرقيق، عدنان المنصر، بسمة منصور، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. أحمد محمد سليمان، سيد السباعي، محمود صافي ، عبد الرزاق قيراط ، د - احمد عبدالحميد غراب، د. صلاح عودة الله ، فاطمة حافظ ، د. عبد الآله المالكي، د. طارق عبد الحليم، حمدى شفيق ، الشهيد سيد قطب، محرر "بوابتي"، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، فاطمة عبد الرءوف، أ.د. مصطفى رجب، منجي باكير، سامح لطف الله، فراس جعفر ابورمان، صفاء العربي، فتحي الزغل، د. خالد الطراولي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، أحمد ملحم، حسن الطرابلسي، د - صالح المازقي، د- جابر قميحة، إيمى الأشقر، د.محمد فتحي عبد العال، أحمد بوادي، علي الكاش، ابتسام سعد، إياد محمود حسين ، د - غالب الفريجات، سفيان عبد الكافي، نادية سعد، سلوى المغربي، جمال عرفة، فهمي شراب، محمد الياسين، محمد العيادي، د. أحمد بشير، د. محمد مورو ، د - شاكر الحوكي ، جاسم الرصيف، عمر غازي، طلال قسومي، ماهر عدنان قنديل،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة