تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

العدالة الانتقالية : أما آن لهذه المنظومة التونسية أن تفهم

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


انشغل التونسي بقضية خاشقجي لمدة أيام حتى صارت عملية الاغتيال حديث المقاهي بين مشفق ومستنكر وشامت جذلان برؤية دم مسفوك لأنه دم ذو شبهة إخوانية، وفجأة دعت محكمة مختصة تشتغل تحت سقف العدالة الانتقالية وزيرًا لبن علي للمثول أمامها في قضية من قضايا القتل، فارتد الإعلام التونسي إلى الداخل يحارب مسار العدالة الانتقالية برمته مطالبًا مرة أخرى بإلغاء كل المسار عبر إلغاء المحاكمات وحل الهيئة، عائدًا بالنقاش السياسي إلى نقطة الصفر، وعلق نواب نشاطهم في المجلس محتفظين فقط برواتبهم الجزيلة.

تبين أن أوركسترا المنظومة لا تزال متماسكة وتعمل بتناغم كبير بين أجهزة إعلام نوفمبرية ومحللين من بقايا البوليس السياسي لا يزالون يمسكون بمفاصل صنع الرأي العام الداخلي ويتكلسون حول رفض حقيقة بسيطة وواضحة، لا يمكن لمنظومة سقطت بالشارع أن تقوم ثانية، لكنهم يصرون على جعل حياة التونسيين تراوح بين الشقاء والتعاسة.

حجج المنظومة

لقد فرض مسار العدالة الانتقالية في المجلس التأسيسي وانتخبت هيئة لذلك وتقدمت في أشغالها وهي تتهيأ لتسليم ملفاتها للقضاء المختص وإصدار تقريرها الختامي وإعلان حل نفسها بنهاية العهدة قانونيًا، ورغم ذلك تعاند المنظومة رافضة كل نتيجة لعمل الهيئة.

تصرّ أركان المنظومة على بطلان ما تفعل الهيئة، متحججة بأن الهيئة غير شرعية، ويضيف البعض أن رئيستها منحازة والغريب في الصورة أن أركان المنظومة يحتكمون إلى الدستور الذي صدر بإجماع عن المجلس التأسيسي ولكنهم يلحون على بطلان عمل الهيئة التي أسسها الدستور نفسه، ويضيف البعض كل الطعون الأخلاقية في رئيسة الهيئة.

تقوم وسائل إعلام المنظومة وهي الوحيدة الموجودة فعلاً على الساحة (فشل الثورة في خلق إعلام يحمي الثورة هذا موضوع آخر حبرنا فيه الكثير)، بالتعمية على كل جلسات المحاكمة التي تجري الآن ضمن سياق العدالة الانتقالية مثل محاكمة كمال المطماطي دفين الخرسانة، ويكافح "فيسبوك" التونسي لكشف بعض الحقائق لكن فقره إلى موجهين متمرسين للرأي العام يجعل عمله نوعًا من الهواية.

تعتمد المنظومة على عملية خلط ذكية في الرد على مسار العدالة الانتقالية فتمزج بين ضرورة إغلاق الملفات وإنهاء الصراعات غير البناءة خدمة باسم المصلحة الوطنية لكن ضمن خريطة (أطروحة) تجاوز القانون المؤسس للعدالة نفسها وترجمة ذلك عمليًا لا تحاكموا أحدًا بل يعاد إلى محاكمة الثورة وإدانتها لأنها هي أصل الجريمة، وقد تقدم بعض قانونيي المنظومة بقضية عدلية ضد المستفيدين من منشور العفو التشريعي العام الذي صدر في الشهر الثاني للثورة.

فعوض الحديث عن رفض المتهمين حضور الجلسات وتنصلهم من تحمل المسؤولية الجنائية عن أفعالهم يهاجم إعلام المنظومة الضحايا بنفس خطاب بن علي القديم، مستحضرًا نفس لوائح الاتهام التي حوكموا بها، فينظمون لهم محاكمة ثانية حتى وهم مدفونين في الخرسانة.

أما إذا مست المحاكمات قيادة الصف الأول من دولة بن علي فإن الأوركسترا تسقط السماء على رأس البلد كأن هناك قومًا مقدسين لا يجوز الاقتراب من حماهم، وهذا ما عايناه في حالة الوزير أحمد فريعة آخر وزير داخلية عند بن علي (وزير ثلاثة أيام) وفي أيامه سقط أكبر عدد من شهداء الثورة وقد طلب الإعلام صراحة أن ندين الشهداء ولا نمس من قيافة السيد الوزير الذي يحاكم في حالة سراح، فيبيت في فراشه الوثير وليس في كتلة خرسانة.

لماذا تفعل المنظومة ذلك؟ إنه تقرير الهيئة الذي يتسلط عليها كسيف ديموقليدس، هذا التقرير يدين المنظومة محليًا ودوليًا، إنه ليس إدانة قانونية (قضائية) فحسب بل هو أخطر، إنه إدانة تاريخية وأخلاقية سينتهي مهما حوصر بقطع الطريق على إعادة إنتاج المنظومة لنفسها بوسائلها القديمة.

رفض التطور يعني الموت

لا نحتاج هنا إلى قراءة داروين واستدعاء علم الأنواع ثانية، فمن السهل معاينة طبيعة الحجج التي تقدمها أبواق المنظومة لنعرف أن ما قالته سنة 2011 لا تزال تكرره بعد ثماني سنوات من التغيير البطيء والثابت نحو تونس أخرى.

إنها تفتقد إلى الحجة القانونية أمام الدستور وتفتقد الحجة الأخلاقية أمام الضحايا خاصة وتشتغل بآلية دفاع مرضية (باثولوجية) مبدأ إنكار الآخر لإنقاذ الذات، فالثورة لم تقع بل وقعت فوضى عصفت بوضع سليم، وما ترتب عن ذلك يجب أن يزول، أي عمليًا العودة إلى نظام بن علي، فماذا في هذا النظام يغريها؟

إنه منظومة مصالح مالية واقتصادية تتغطى بخطاب وطني شوفيني، من قبيل النموذج التونسي المتميز ومن قبيل تونس التقدمية الحداثية المتنورة، فتدافع المنظومة عن نفسها لا عن الوطن، ولم تجد في قواميس الدفاع إلا النكوص بما يجعل منها منظومة متخلفة عن مرحلة بناء الديمقراطية وعاجزة عن تجديد نفسها بوسائل الديمقراطية في حدها الأدنى القبول بالآخر الوطني، إنها القديم الذي لا يريد أن يموت أمام جديد زاحف وإن تعثر.

لقد حققت المنظومة مكسبًا مهمًا هو قانون المصالحة الذي سار بالتوازي مع العدالة الانتقالية وكان أثره كبيرًا على إنقاذ ثروات الكثيرين من ممولي المنظومة سابقًا ولاحقًا ومواقعهم في الإدارة والسياسة، لكن الثورة لم تجعل من هؤلاء مؤهلين لقيادة رشيدة بل خلاف ذلك إنهم بثرواتهم يقفون عقبة في طريق التقدم الاقتصادي والسياسي، وأكبر دليل على ذلك فشلهم بعد انتخابات 2014 في الخروج بالبلد من وضع المهانة الاقتصادية.

التشبيه الوحيد الممكن لهؤلاء أنهم كروش كبيرة تعرف أن تختزن فقط، لذلك لم يمكن (ولا يمكن) رؤيتهم يتحولون إلى فاعلين مؤثرين بالاقتصاد بل يلجأون دومًا إلى نفس الوسائل التي اعتمدوها في زمن بن علي وهي ذات الوسائل التي يستعلمونها الآن: الاحتيال على المال العام وبث الدسائس والكيد والتثبيط النفسي لكل أمل في التغيير خاصة لدى الشباب.

من هذا المنظور تصير معركتهم مع العدالة الانتقالية هي دفاع أخير وليس هجومًا أولاً سيحقق مكاسب ليست أكثر من تأجيل الانهيار لأن المسار تقدم حتى وصل مرحلة إصدار التقرير، وسيصدر بقوة القانون وسيدين وسيكونون مدانين مهما أجلوا الكارثة، وقد ينفذ كثيرون من ثقب الخطأ في الإجراءات أو بحيل أخرى قصيرة ولكن الإدانة الأخلاقية (وهي جوهر في العدالة الانتقالية) ستظل تطاردهم، وموازين القوى في الداخل رغم العثرات الكثيرة تتغير، ليس بالسرعة التي أرادها من شارك في الثورة صادقًا بل لعل فعلها كفعل الأرضة في منسأة سليمان.

آن لهذه المنظومة الفاسدة أن تفهم، فنحن نشاهدها تحشرج مستعينة بالأراذل.

---------
وقع تعديل طفيف للعنوان الأصلي للمقال
محرر موقع بوابتي


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، العدالة الانتقالية، الثورة المضادة،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 30-10-2018   المصدر: نون بوست

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
عدنان المنصر، حسن الحسن، رضا الدبّابي، حسن عثمان، أحمد النعيمي، د. محمد عمارة ، عزيز العرباوي، عبد الله زيدان، مجدى داود، رمضان حينوني، سفيان عبد الكافي، د.ليلى بيومي ، رافد العزاوي، د. أحمد محمد سليمان، أبو سمية، محمود طرشوبي، معتز الجعبري، صالح النعامي ، إيمى الأشقر، سامح لطف الله، فتحي الزغل، د - المنجي الكعبي، محمود صافي ، د - أبو يعرب المرزوقي، سلوى المغربي، عبد الله الفقير، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، عراق المطيري، فاطمة عبد الرءوف، الهادي المثلوثي، أحمد الغريب، د. خالد الطراولي ، حميدة الطيلوش، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، أحمد بوادي، مصطفي زهران، فراس جعفر ابورمان، طلال قسومي، إيمان القدوسي، عصام كرم الطوخى ، ماهر عدنان قنديل، سيد السباعي، خالد الجاف ، نادية سعد، تونسي، صلاح الحريري، د. الحسيني إسماعيل ، هناء سلامة، د. محمد مورو ، محمد تاج الدين الطيبي، د. جعفر شيخ إدريس ، صفاء العراقي، د - صالح المازقي، د. ضرغام عبد الله الدباغ، أحمد الحباسي، د - محمد عباس المصرى، سوسن مسعود، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د. أحمد بشير، إياد محمود حسين ، د - شاكر الحوكي ، د. كاظم عبد الحسين عباس ، رحاب اسعد بيوض التميمي، منى محروس، د - احمد عبدالحميد غراب، كريم فارق، ياسين أحمد، محمود سلطان، حمدى شفيق ، أحمد ملحم، محمد الياسين، محمد العيادي، مراد قميزة، محمد شمام ، حسني إبراهيم عبد العظيم، د. نانسي أبو الفتوح، د- محمود علي عريقات، د - محمد سعد أبو العزم، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمد إبراهيم مبروك، سحر الصيدلي، جمال عرفة، فتحي العابد، عبد الغني مزوز، إسراء أبو رمان، علي الكاش، سيدة محمود محمد، فوزي مسعود ، د - محمد بنيعيش، د - الضاوي خوالدية، الشهيد سيد قطب، يزيد بن الحسين، فتحـي قاره بيبـان، رافع القارصي، د.محمد فتحي عبد العال، صفاء العربي، محمد أحمد عزوز، ابتسام سعد، د. مصطفى يوسف اللداوي، صلاح المختار، كمال حبيب، د. محمد يحيى ، عمر غازي، الهيثم زعفان، أشرف إبراهيم حجاج، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، خبَّاب بن مروان الحمد، د- جابر قميحة، الناصر الرقيق، رشيد السيد أحمد، د. عبد الآله المالكي، فهمي شراب، علي عبد العال، أنس الشابي، أ.د. مصطفى رجب، د- محمد رحال، منجي باكير، العادل السمعلي، سامر أبو رمان ، محمود فاروق سيد شعبان، رأفت صلاح الدين، د - مصطفى فهمي، حسن الطرابلسي، حاتم الصولي، محرر "بوابتي"، صباح الموسوي ، د. الشاهد البوشيخي، محمد اسعد بيوض التميمي، المولدي الفرجاني، أحمد بن عبد المحسن العساف ، د - غالب الفريجات، عبد الرزاق قيراط ، يحيي البوليني، كريم السليتي، د. نهى قاطرجي ، محمد عمر غرس الله، وائل بنجدو، عواطف منصور، د. صلاح عودة الله ، د. طارق عبد الحليم، سعود السبعاني، سلام الشماع، جاسم الرصيف، محمد الطرابلسي، د- هاني السباعي، فاطمة حافظ ، شيرين حامد فهمي ، د- هاني ابوالفتوح، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د - محمد بن موسى الشريف ، مصطفى منيغ، بسمة منصور، د - مضاوي الرشيد،
أحدث الردود
حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة