تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

المحشورون في الزاوية

كاتب المقال نور الدين العلوي - تونس   



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال


هم أنصار الثورة والتغيير السلمي يصلون في لحظات الإحباط القصوى إلى حد أمرين: الحلم بحمل السلاح أو الانتحار. لقد حُشروا في زاوية ضيقة، بفعل خطة إعلامية محكمة تقودها فكرة شيطانية أن التغيير يضر ولا ينفع، وأن أسلم الخطط هي العودة إلى القديم والحفاظ عليه بأشخاصه وأفكاره وواقعيته القاتلة. وقع كثير من أنصار الثورة في التثبيط الذاتي؛ لأنهم كانوا عاطفيين أو رومانسيين حالمين بتغيير سريع بلا جهد ولا كلفة، لكنهم يستفيقون اليوم وهم يحاربون أنفسهم لصالح عدو الثورة المنظومة القديمة الفاسدة. ويزيد الأمر سوءا أن ليس هناك نقطة لاستئناف الأمل، فقد بلغ الإحباط مبلغا صار فيه يوسف الشاهد ابن المنظومة القديمة حلا أخيرا يدافع عنه أنصار التغيير، لكي لا يزداد الوضع ترديا. إنه لوضع بائس فعلا أن يكون أقصى منى الثوار الحفاظ على درجة الصفر، وعيا منهم بما تحتها من حضيض.

ماكينة إعلامية تملك خطة

منذ بدء الثورة لم يكن الإعلام معها، بل كان ضدها. كتب كثيرون بوعي أن الثورة لم تكتمل لأنها لم تسترجع الآلة الإعلامية من المنظومة. لقد كان ذلك مقتلا لم ينج منه أحد. وقد بلغ من هوان الثوريين (دعني أقول أنصار التغيير) أنهم وقفوا يستجدون ظهورا في تلفزة تحكمها المنظومة، رغم إنها إعلام عمومي. وسيطر رأس المال الفاسد (صناعة منظومة ابن علي) على الإعلام الخاص، فأحكموا إغلاق الباب على كل أمل. كان في المشهد إعلاميون يناصرون التغيير، لكنهم عزلوا وحوربوا في عيشهم.

كان لهذا الإعلام خطة واضحة وبسيطة دفع الناس إلى الندم على ما جرى وإشعارهم بأنهم ارتكبوا حماقة كبيرة بالخروج على النظام. وبين فجوات التثبيط، انفلت كثيرون يخربون احتمالات التغيير ويلقون تغطية إعلامية على أنهم أصحاب حق. فكان الجانب الآخر من خطة الإعلام؛ الدفاع عن الانفلات والفساد الجديد، فضلا عن حماية الفساد القديم، فصار المشهد يتظلل بالحرية القادمة مع الثورة، لكنه يفرغها من مضامين البناء، ويحولها إلى وسيلة فساد مالي وسياسي. وكان الهدف واضحا، وقد تحقق الندم على ما فات.

يعيش قطاع واسع من الناس هذا الشعور اليائس والمستكين، فيحوصلون: "لقد كان زمن ابن علي أفضل". هذا نجاح باهر للمنظومة (للثورة المضادة)، وفشل ذريع لأنصار التغيير لأنهم جاؤوا المرحلة بلا خطة إعلامية، ولم يستدركوا أنفسهم ولا ثورتهم، وأنى لهم؟ فقد عرفت المنظومة أن تستديم المعارك القديمة التي تفرق بين المرء وزوجه.

انكشاف وعي الناس

في مسائل كثيرة انكشفت حالات وعي متقدمة لدى عوام الناس كرفض الإرهاب، بل محاربته بشجاعة (حالة بن قردان)، ولكن في مسائل أخرى كثيرة تبين أن جمهورا واسعا لا يزال مستسلما للمعلومة التي تروجها وسائل الإعلام المعادية للتغيير، فيسلم لها بسهولة وينقاد إلى معاركها دون وعي بخلفيتها.

لقد تحولت بعض الأخبار الكاذبة عن ثروات الإسلاميين التي سرقوها من الدولة إلى خبر يقين يبثه أنصار المنظومة، فيتلقفه عوام الناس ويعيشون به ويقيّمون الإسلاميين من خلاله. فإذا سألت أحدهم عن الدليل، قال لك بكسل ذهني عجيب: "لقد قالوا"، فإذا سألته: من قال؟ أجابك الإذاعة أو التلفزة، فإذا دفعته: هل رأيت بعينك؟ قال: لا، لكنه يقول نعم إنهم لصوص ويقف هناك.

كانت هذه معركة من معارك كثيرة مست الإسلاميين؛ لأنهم كانوا في مقدمة صف التغيير، ولو تقدم غيرهم لناله ما نالهم، وقد نال هذا ومثله السيدة سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، ومس الدكتور مرزوقي، رئيس الجمهورية السابق؛ لأنه وقف خارج المنظومة. ويمكن تعداد الأمثلة. ومن أطرف ما هناك من أداوت حرب، أن المنظومة القديمة قد تشوه شخصا أو هيئة بأنه كان منتميا إلى المنظومة القديمة.

حالة بؤس وعي العوام بلعبة الإعلام المثبط المحطم للعزيمة حالة نموذجية في الجهل المركب العاجز عن التفكير والنقد والاستخلاص (الحالة المصرية أشد بؤسا، لكن دعنا في تونس). يقول البعض إن على أنصار التغيير بث الوعي بخطر الإعلام، ولكن كثيرا ما تم ذلك خاصة في السوشيال ميديا، لكنه اصطدم بنماذج جهل غريبة. فالمستوى التعليمي على سبيل المثال لم يعد مؤشر وعي يخرج المتعلمين من كتلة العوام، إذ تلعب أيديولوجيات المتعلمين دورا مهما في استدامة الجهل وبث الإحباط. فكل خبر كاذب يصدر عن المنظومة يجد له مروجين بخلفيات أيديولوجية، رغم المستوى التعليمي للمروج. إنها الفُرقة الأداة الثانية من أدوات عمل المنظومة.

القضايا القديمة والفرقة الفعالة

اشتغلت المنظومة لمدة 40 سنة على تسعير الحرب ضد الإسلاميين، فلما تبين بعد الثورة أنهم موجودون وأنهم فاعلون وقد يسيطرون، استعادت المنظومة بسرعة كل أدوات الحرب عليهم، فلم يجد الإسلاميون مهربا من الدفاع عن أنفسهم، بما كرس الحرب ذاتها، وبقيت المنظمة ترمي بما تريد ومن تريد في هذه الحرب، فصار شاغل عوام الناس ونخبتهم أيضا كيف نكون في تونس بدون إسلاميين، وليس كيف نبني تونس مع الإسلاميين بصفتهم تونسيين. كان مطلوبا من الإسلاميين أن يختفوا من الساحة، لكنهم لم يفعلوا. فاطمأنت المنظومة على تملك أداة الإحباط، وكلما قام الشارع - مثلا - ضد المنظومة جر الإسلاميون إلى استفزاز ثقافي وسياسي، فيقعون في رد الفعل الذي يثير رد فعل مضاد، وهكذا ظلت نوايا التغيير أسيرة المعركة التي فرضتها المنظومة.

إسلاميون يدافعون عن حق الوجود وعامة تراهم الشر المطلق ومنظومة تراقب وتضحك. انتهى الأمر بالإسلاميين إلى تبني كل شروط المنظومة على أنفسهم حتى تحولهم إلى جزء منها، ففقدوا كل تميز أخلاقي وسياسي، وفقدوا كل مشروعهم الذي أسسوا فعلهم السياسي عليه، وانتهينا نعيش على مخرجات هذا الصراع، فلا نحن مع الإسلاميين في مشروع وطني (لم يظهر للوجود حتى على الورق)، ولا نحن ضدهم في مشروع استئصالي وانتهى البلد محبطا، وها نحن نشارك في خطاب الإحباط.

ندخل صيف الإحباط الأخير

مدرستنا التونسية وعنوان فخرنا القديم انتهت فاشلة تخرّج أميين، وإدارتنا تحكمها نقابة تعمل عمل العصابات وحكومة لا وصف لها إلا العجز والدروشة. وبعد أن خلنا أن حكم العائلة سقط إلى غير رجعة، عاد حكم العائلة التي ترانا غنيمة مستساغة.

نؤلف جملا كثيرة، ولكننا نختصر في أن لا أفق يظهر للمتطلع بأمل. الإشكال الأكبر أنه كلما دفع المرء بأحلامه إلى سطح مشاعره، وجد نفسه يناقض عقله الواقعي الذي يقود الكتابة والتحليل، أي أنه يقع في الإحباط ويروج له. أليس محبطا أن يضطر المرء إلى الدفاع عن حكومة الشاهد ويراها ضامنة درجة الصفر من القيادة، حتى لا يواجه احتمالات الانهيار الكامل؟ هل عليه أن يتمنى الانهيار الكامل تأسيا بقول مظفر النواب إن خرابا بحق بناء بحق؟ ما أجمل الصورة وما أوحش المسار.


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

تونس، الثورة التونسية، الثورة المضادة، بقايا فرنسا،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 27-06-2018   المصدر: عربي 21

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
علي الكاش، رافد العزاوي، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، د.محمد فتحي عبد العال، الناصر الرقيق، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، العادل السمعلي، طلال قسومي، عواطف منصور، صباح الموسوي ، خبَّاب بن مروان الحمد، د. مصطفى يوسف اللداوي، رأفت صلاح الدين، عمر غازي، مصطفى منيغ، د. نانسي أبو الفتوح، رضا الدبّابي، كمال حبيب، صلاح الحريري، حميدة الطيلوش، عبد الرزاق قيراط ، د - مصطفى فهمي، د. نهى قاطرجي ، بسمة منصور، د - غالب الفريجات، سفيان عبد الكافي، صفاء العربي، محمود سلطان، أشرف إبراهيم حجاج، د - محمد سعد أبو العزم، رافع القارصي، إيمان القدوسي، د. طارق عبد الحليم، شيرين حامد فهمي ، أحمد ملحم، محمد الطرابلسي، أ.د. مصطفى رجب، محمد إبراهيم مبروك، د. خالد الطراولي ، نادية سعد، رحاب اسعد بيوض التميمي، فاطمة حافظ ، محمد الياسين، عبد الله الفقير، د. ضرغام عبد الله الدباغ، معتز الجعبري، د. كاظم عبد الحسين عباس ، جاسم الرصيف، أحمد بن عبد المحسن العساف ، الشهيد سيد قطب، د.ليلى بيومي ، الهيثم زعفان، تونسي، محمد اسعد بيوض التميمي، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، د - مضاوي الرشيد، صالح النعامي ، جمال عرفة، د - احمد عبدالحميد غراب، صلاح المختار، صفاء العراقي، هناء سلامة، يزيد بن الحسين، د. الحسيني إسماعيل ، محمد عمر غرس الله، أبو سمية، د - شاكر الحوكي ، د - محمد بنيعيش، أنس الشابي، ماهر عدنان قنديل، منجي باكير، محمود طرشوبي، د- هاني ابوالفتوح، د. جعفر شيخ إدريس ، إياد محمود حسين ، كريم فارق، محمد العيادي، سلوى المغربي، عزيز العرباوي، فهمي شراب، منى محروس، حسن الحسن، فتحـي قاره بيبـان، وائل بنجدو، فوزي مسعود ، عصام كرم الطوخى ، د. محمد مورو ، ابتسام سعد، إيمى الأشقر، حاتم الصولي، سامح لطف الله، د. عادل محمد عايش الأسطل، محمد تاج الدين الطيبي، خالد الجاف ، مصطفي زهران، أحمد بوادي، أحمد الحباسي، محرر "بوابتي"، سامر أبو رمان ، د - محمد بن موسى الشريف ، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، د - محمد عباس المصرى، عراق المطيري، محمد شمام ، سحر الصيدلي، سعود السبعاني، سيد السباعي، فراس جعفر ابورمان، محمد أحمد عزوز، د - الضاوي خوالدية، فتحي العابد، د- محمد رحال، رمضان حينوني، د. أحمد محمد سليمان، د- جابر قميحة، د. صلاح عودة الله ، د- محمود علي عريقات، سيدة محمود محمد، مراد قميزة، إسراء أبو رمان، د - صالح المازقي، د. محمد يحيى ، د. محمد عمارة ، د . قذلة بنت محمد القحطاني، يحيي البوليني، حسني إبراهيم عبد العظيم، د- هاني السباعي، عدنان المنصر، د. عبد الآله المالكي، عبد الغني مزوز، حسن عثمان، حمدى شفيق ، محمود صافي ، سلام الشماع، فتحي الزغل، د - أبو يعرب المرزوقي، فاطمة عبد الرءوف، علي عبد العال، حسن الطرابلسي، الهادي المثلوثي، المولدي الفرجاني، د. أحمد بشير، أحمد الغريب، مجدى داود، د - المنجي الكعبي، رشيد السيد أحمد، ياسين أحمد، كريم السليتي، محمود فاروق سيد شعبان، د. الشاهد البوشيخي، سوسن مسعود، عبد الله زيدان، أحمد النعيمي،
أحدث الردود
الدين في خدمة السياسة عوض ان يكون الامر العكس، السياسة في خدمة الدين...>>

يرجى التثبت في الأخطاء اللغوية وتصحيحها لكي لاينقص ذلك من قيمة المقال

مثل: نكتب: ليسوا أحرارا وليس: ليسوا أحرار
وغيرها ......>>


كبر في عيني مرشد الاخوان و صغر في عيني العسكر
اسال الله ان يهديك الى طريق الصواب
المنافقون في الدرك الاسفل من النار...>>


حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم
تتبعت اكثر من رأي سفالة ونذالة والله لتحاسبون على ما قلتموه وكتبتموه
هل البلدان الاخرى ليست بها دعارة ؟هل ...>>


It is important that issues are addressed in a clear and open manner, because it is necessary to understand the necessary information and to properly ...>>

واضح أن الكاتب يعاني من رؤية ضبابية، وهو بعيدٌ عن الموضوعية التي يزعم أنه يهتدي بها..
نعم، وضعت الأنظمة القومية قضية تحرير فلسطين في قائمة جدول...>>


الأولى أن توجه الشتائم التي قدمتها لما يُسمى بالمعارضة الذين هم في الحقيقة تجار الوطن والشرف.. ارتموا كبائعات الهوى في حضر التركي والأمريكي والقطري وا...>>

أتمنى أن تكون الامور كما تقول ان النهضة انتقلت لمرحة أخرى في تعاملها مع بقايا فرنسا، ونتمنى ان يكون تعاملا جديا وصارما...>>

النهضة استطاعت كسر التّحالفات التي بناها نداء تونس مع الجبهة وحثالة البورقيبيّة والعلمانيّة الفاشيّة، ثم انتقلت إلى المرحلة الثانية........>>

انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة