تصفح باقي الإدراجات
أحدث المقالات

السلطان وبناء المسجد الحرام (الجزء الثاني)

كاتب المقال د.محمد فتحي عبد العال - مصر    من كتـــــّاب موقع بوّابــتي



ارسل لصديق الردود حول هذا المقال

 يسمح بالنقل، بشرط ذكر موقع "بوابتي" مصدر المقال، ويفضّل أن يكون ذلك في شكل رابط


كانت فترة أسرة قلاوون علي مدار قرن من الزمان من أكثر فترات التاريخ المملوكي استقرارا الي أن آل الحكم الي الطفل الصالح حاجي بن علي بن شعبان أخر احفاد الناصر محمد بن قلاوون حيث قاد المملوك سيف الدين برقوق انقلابا ناعما علي الصبي وتولي السلطة في مصر مؤسسا لدولة المماليك البرجية أي الشراكسة...برقوق كان لقبا وليس اسما لهذا المملوك المؤسس وقد أطلق عليه لجحوظ بعينيه .

كان السلطان برقوق ذو نزعة صوفية جعلته يحب الفقراء ويتواضع معهم غير أنه كان مثل غيره من المماليك الذين سيطرت عليهم عاطفة الحب المثلي بالغلمان الحسان فغرقوا في الشذوذ والمجون .

قرب برقوق منه العلماء كما خفف الضرائب عن كاهل المصريين الا أن العلماء في هذه العصور كانوا من النماذج شديدة السوء فمثلا الشيخ يوسف المالطي والذي ولي قضاء الحنفية أفتي بأكل الحشيش !! وأن النظر في كتاب البخاري زندقة !!! لذلك فلا غرو أن يدير هؤلاء العلماء ظهروهم لبرقوق حينما تآمر عليه بعض الامراء المماليك ونفوه الي الكرك بل وافتوا بأهدار دمه..

في الليلة التي عزل فيها برقوق ونفي الي الكرك رزق من زوجته خوند شيرين بولد فأسماه ب( بلغاق) وتعني بالتركية الفتنة أو النحس !! تشاؤما بقدومه ..لكن مع نجاح برقوق في العودة الي الحكم مرة أخري عاد عن تسمية ابنه بالنحس واسماه فرج والحقيقة ان الاسم الذي اختاره له القدر في البداية كان الاكثر مناسبة لهذا المولود الذي لم يكن نحسا علي والده وحسب بل كان نحسا علي مصر كلها كما سوف نري فيما يلي .

حينما اقترب السلطان برقوق من النهاية اوصي بوصيتين غاية من الغرابة أولهما أن يدفن تحت اقدام مجموعة من الاولياء الصوفية طمعا في شماعتهم له !!والوصية الثانية كانت تشكيل مجلس للوصاية علي ابنائه الثلاثة فرج وابراهيم وعبد العزيز فقد كان يتمني أن يستمر الحكم في أسرته أسوة بأسرة قلاوون السابقة عليه ..

كان أول اختبار لفرج في توطيد دعائم حكمه هو تمرد الجبهة الشامية عليه فتوجه علي رأس جيش كبير الي دمشق حيث ضرب أعناق ما يربو علي أربعة وعشرين أميرا في ليلة واحدة ثم عاد الي القاهرة ..وما أن شعر فرج أن الامر قد استتب له بالشام حتي ساورته الشكوك حول الجبهة الداخلية بمصر وكانت تنتابه الهواجس بأن مؤامرة من الامراء الشراكسة تحاك ضده غير أنه لم يكن لديه الدليل وكان وزيره القاضي ابن غراب يعزز لديه هذه الهواجس ..فلجأ فرج الي حيلة من أغرب ما نقله التاريخ فقرر الهروب من قصر السلطنه والاختباء في دار ابن غراب ولما طالت غيبته اجتمع الامراء علي اختيار أخيه عبد العزيز خلفا له وكان صبيا هو الاخر ..

كانت عودة فرج مرة أخري برفقة ابن غراب ووسط انصاره من الامراء بمثابة الصاعقة فأعتقل الامراء الذين نصبوا أخيه كما اعتقل اخويه عبد العزيز وابراهيم وأودعهما بسجن الاسكندرية ثم أشاع موتهما بالحمي بعد ذلك !!!

أحاط فرج نفسه بشخصيات لا تقل عنه سوءا فتجد أسماء كالقاضي شمس الدين الصلتي والذي كان لديه قدرة فائقة علي التلون فقد عمل قاضيا مالكيا بدمشق ثم تحول ليكون قاضيا شافعيا بعد ذلك حسب التساهيل وحسب الاماكن الشاغرة !! ومن خاصته الامير سيف الدين بن مقبل الذي كان يقول لفرج: أنت أستاذي وأبي وربي ونبيي !!..وعرف عن فرج شرب الخمر والاستخفاف بالصلاة ومع ذلك فقد أقام مسجدا كبيرا وبه مدرسة لتدريس المذاهب الفقهية الاربعة وخانقاه فخمة واحاطها بمدينة متكاملة بأسواقها وخاناتها وحماماتها كما لم ينسي ان يخصص مدفنا له ..
السؤال لماذا حرص المماليك علي الرغم من ظلمهم علي اقامة العمائر الاسلامية والمساجد والمدارس الفخمة والاسبلة ؟!! انها علاقة فريدة ربطت بين الحكام والمحكومين في مصر فالشعب لا يعرف من الدين سوي حديث منسوب للنبي صلي الله عليه وسلم (وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ) بينما الحكام من المماليك لا يعلمون من الدين سوي حديث النبي صلي الله عليه وسلم (من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له بيتا في الجنة )..فبقي الشعب مستأنسا طائعا وبقي المماليك في جبروتهم وظلمهم للشعب الطائع ما دام بناء المساجد هو سفينتهم الفضائية للجنة وان الهبوا ظهور رعيتهم جورا !!!..فتجد المساجد تشيد والشعب يعتصره الجوع والمرض والاوبئة الفتاكة وحالة حاكمنا فرج لا تشذ عن هذه القاعدة فقد حدث قحط بالبلاد مصحوبا بوباء أودي بحياة ثلث سكان مصر ولم يفت ذلك في عضد فرج عن بناء بوابة عبوره الي الجنة !!!

كان فرج في حياته الخاصة لا يقل تطرفا فبعد طلاقه من خوند بنت صرق لم يغفر لها تعلقها بأمير هو ابن الطبلاوي فقتلهما دون شفقة..

في خضم هذه الصراعات وهذه الاحداث بمصر ..كانت قوات تيمورلنك المغولي تجتاح حلب ثم دمشق وتعمل السيف في أهلها دون هواده بينما تقاعس فرج عن نجدتهم وآثر السلامة ودخل في مهادنة مع تيمورلنك ..
قال المقريزي عن فرج بن برقوق :ان الله اقامه علي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا..

كانت نهاية فرج حينما اجتمع الامراء علي خلعه لفساده وتولية الخليفة المستعين بالله واستغلوا فرصة وجوده خارج القاهرة حيث حاصروه في قلعة دمشق وقتلوه ثم القوا بجثته خارج القلعة ..وتركت جثته دون دفن حتي رق احد الدمشقين له فدفنه صدقة وهكذا لم يشأ الله أن يدفن فرج في مسجده الحرام .

-----------------
د.محمد فتحي عبد العال
كاتب وباحث مصري


 اضغط على الكلمات المفتاحية التالية، للإطلاع على المقالات الأخرى المتعلقة:

المسجد الحرام، مصر، قلاوون،

 
تاريخ نشر المقال بموقع بوابتي 23-05-2018  

تقاسم المقال مع اصدقائك، أو ضعه على موقعك
لوضع رابط لهذا المقال على موقعك أو بمنتدى، قم بنسخ محتوى الحقل الذي بالأسفل، ثم ألصقه
رابط المقال

 
لإعلام أحدهم بهذا المقال، قم بإدخال بريده الإلكتروني و اسمك، ثم اضغط للإرسال
البريد الإلكتروني
اسمك

 مشاركات الكاتب(ة) بموقعنا

  الزعيم وظليله - الجزء الثاني
  مأساة الحلاج
  السلطان وبناء المسجد الحرام - الجزء الخامس (أبو السعادات)
  السلطان وبناء المسجد الحرام - الجزء الرابع
  السلطان وبناء المسجد الحرام الجزء الثالث
  السلطان وبناء المسجد الحرام (الجزء الثاني)
  التصوف الاسلامي ..محمد اقبال نموذجا
  السلطان وبناء المسجد الحرام
  الزعيم و ظليله
  الزيني بركات ..اشهر محتسبي مصر
  الشدة المستنصرية وحكاية اول ارميني علي كرسي الوزارة بمصر
  القيادة في الاسلام بين الحقيقة والاكاذيب
  المرأة في المنظور الاسلامي ...رؤية معاصرة
  احاديث رسخت الطغيان
  داء مصر ...حينما تمرض الاوطان
  الطاعون ورقصة الموت
  الملاريا.......زائرة المتنبي
  الهيموفيليا ...المرض المحب للدماء
  كيف تقي نفسك من الجلطات؟ ...
  حمي الضنك.....كاسر العظام
  الملكة بلقيس ... أسطورة عابرة للحضارات
  النقرس داء الملوك
  موسي التوراتي والقرآني في ميزان التاريخ
  الدوسنتاريا :مرض غياب الوعي
  البواسير ..الوقاية خير من العلاج
  الكوليرا ...المرض الفتاك
  يوسف الصديق وحلم تحقق على ضفاف النيل
  اسطورة سليمان
  الغوص في أعماق السرطان
  فرعون موسي ...القصة كاملة

أنظر باقي مقالات الكاتب(ة) بموقعنا


شارك برأيك
لوحة مفاتيح عربية بوابتي
     
*    الإسم
لن يقع إظهاره للعموم
     البريد الإلكتروني
  عنوان المداخلة
*

   المداخلة

*    حقول واجبة الإدخال
 
كم يبلغ مجموع العددين؟
العدد الثاني
العدد الأول
 * أدخل مجموع العددين
 
 
 
أكثر الكتّاب نشرا بموقع بوابتي
اضغط على اسم الكاتب للإطلاع على مقالاته
ماهر عدنان قنديل، د. طارق عبد الحليم، أحمد بوادي، مصطفي زهران، كريم فارق، المولدي الفرجاني، محمود طرشوبي، د. نانسي أبو الفتوح، مجدى داود، عصام كرم الطوخى ، أنس الشابي، د. محمد يحيى ، سوسن مسعود، محمد شمام ، إيمان القدوسي، محمد عمر غرس الله، د - احمد عبدالحميد غراب، مصطفى منيغ، سيدة محمود محمد، أحمد ملحم، رمضان حينوني، الناصر الرقيق، محمود صافي ، حسني إبراهيم عبد العظيم، حسن الطرابلسي، جاسم الرصيف، عبد الله الفقير، أشرف إبراهيم حجاج، رافع القارصي، د - صالح المازقي، حسن عثمان، عراق المطيري، رحاب اسعد بيوض التميمي، عزيز العرباوي، د - مصطفى فهمي، علي عبد العال، منى محروس، د. صلاح عودة الله ، د. نهى قاطرجي ، صفاء العربي، د.ليلى بيومي ، د- محمد رحال، أبو سمية، فهمي شراب، فاطمة عبد الرءوف، رشيد السيد أحمد، حمدى شفيق ، فتحي العابد، د. خالد الطراولي ، أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي ، د. عبد الآله المالكي، الهيثم زعفان، يزيد بن الحسين، د - شاكر الحوكي ، صالح النعامي ، د - غالب الفريجات، محرر "بوابتي"، د - محمد بنيعيش، د - أبو يعرب المرزوقي، د- محمود علي عريقات، أحمد الحباسي، حميدة الطيلوش، سلوى المغربي، أحمد النعيمي، صفاء العراقي، كمال حبيب، أحمد الغريب، د- هاني ابوالفتوح، د . قذلة بنت محمد القحطاني، د - محمد سعد أبو العزم، د. مصطفى يوسف اللداوي، د. محمد عمارة ، أحمد بن عبد المحسن العساف ، ابتسام سعد، محمد إبراهيم مبروك، د. الشاهد البوشيخي، وائل بنجدو، رضا الدبّابي، عدنان المنصر، رأفت صلاح الدين، نادية سعد، د. ضرغام عبد الله الدباغ، خبَّاب بن مروان الحمد، د. أحمد بشير، صباح الموسوي ، د. عادل محمد عايش الأسطل، د. جعفر شيخ إدريس ، بسمة منصور، محمود سلطان، محمد العيادي، فتحـي قاره بيبـان، عمر غازي، العادل السمعلي، إياد محمود حسين ، د. الحسيني إسماعيل ، صلاح الحريري، سامح لطف الله، محمد الياسين، جمال عرفة، محمد الطرابلسي، عواطف منصور، سحر الصيدلي، يحيي البوليني، علي الكاش، فراس جعفر ابورمان، عبد الرزاق قيراط ، د - المنجي الكعبي، الهادي المثلوثي، معتز الجعبري، سلام الشماع، فتحي الزغل، محمد اسعد بيوض التميمي، صلاح المختار، ياسين أحمد، د. أحمد محمد سليمان، فاطمة حافظ ، كريم السليتي، د- جابر قميحة، هناء سلامة، د. كاظم عبد الحسين عباس ، رافد العزاوي، د - الضاوي خوالدية، عبدالله بن عبدالرحمن النديم، مراد قميزة، د - محمد عباس المصرى، د - محمد بن موسى الشريف ، د. محمد مورو ، فوزي مسعود ، خالد الجاف ، محمد أحمد عزوز، د- هاني السباعي، د.محمد فتحي عبد العال، حسن الحسن، منجي باكير، عبد الله زيدان، أ.د. مصطفى رجب، محمد تاج الدين الطيبي، د - مضاوي الرشيد، إيمى الأشقر، شيخ الإسلام أحمد بن تيمية‏، طلال قسومي، سفيان عبد الكافي، سيد السباعي، عبد الغني مزوز، الشهيد سيد قطب، سعود السبعاني، تونسي، محمود فاروق سيد شعبان، سامر أبو رمان ، حاتم الصولي، شيرين حامد فهمي ، د - ‏أحمد إبراهيم خضر‏ ، إسراء أبو رمان،
أحدث الردود
انا باحث في صدد عمل رسالة حول : حول المنشآت المائية الرومانية ببلاد المغرب القديم
اتمنى مساعدتي بكتب ومراجع
دمتم طيبين...>>


ههههههههه ههههههههعع اكيد كلام نساء تحاولون تشويه المغربيات من شدة غيرتكم وغيضكم منهم لانهن يتفوقن كتيرا عنكم في المعاملة مع الرجل ولانهم جميلات العقل...>>

هو الموضوع اغتيال جذور الاسلام فهم يعلمون ان الطفله التي تتغذي علي العفه

تفسد مخطاطتهم وتنبت نبات حسنا فطفله اليوم هي سيده الغد واج...>>


انا محتاج اعرف الفرق بين التربية الاجتماعية والتربية المجتمعية...>>

... و لذلك الديمقراطيۃ التونسيۃ تجمع حولها قوی كثيرۃ من أعداء الشعوب و الثورات , من أجل الحريۃ و الك...>>

أعتقد أن جلنا يلتقي علی أن الإرهاب كفكرۃ محاربۃ و مجموعات لم ينشأ من عمق شعبي ناقم علی المجتمع و يريد التخلص م...>>

أظن أن إستدعاء الخادمي للمفتي للإدلاء برأيه بخصوص تقرير لجنة الحريات هو من قبيل تحميل كل مسؤول مسؤوليته وإلا فالخادمي يعلم جيدا وهو الذي انخرط بالحكم ...>>

الى ياسين

يمكنك كذلك اخذ الرابط مباشرة من اعلى متصفحك...>>


السيد ياسين، رابط المقال كما هو مبين في اول الصفحة يمكنك الضغط بحيث تجد الرابط

http://www.myportail.com/actualites-news-web-2-0.php?id=...>>


اريد رابط المقال كي اضعه كمرجع في مذكرتي و شكرا لكم...>>

صــدى خيانة {الصادق باي} بعد توقيع معاهد باردو (1881)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الباي باع الوطن بيع الشوم ... باعث علين...>>


تطوان كبيرة علي مخططاتهم الصغيرة
المغرب / مصطفى منيغ
الشجرة معروف صنفها محسوبة جذورها وحتى أوراقها المُجمَّعة ، المثبَّتة في سجلات تاريخ...>>


هل يمكن ان يكون السفر افضل علاج للهروب من الواقع ؟
أليس هذا افضل حل ......>>


مقال أكثر من رائع وعمق في التحليل...>>

تحاليل الدكتور نور الدين العلوي متميزة، ومقاله هذا عن مسار الثورة يبدو مقنعا وان كان متشائما ومخيفا لابناء الثورة...>>

مقال ممتاز فعلا...>>

لا أظن أن أهل الحيل قادرون على تفسير القرآن، والله أعلم....>>

مقالة رائعة....جزاك الله خيرا.
ولكن هل هنالك أدوات نسطيع من خلالها أن نعرف
لأي سبب من هذه الأسباب يكرهنا الآخرين....>>


شكراً أخي العزيز. رب كلمات من مشجع مؤيد بنور الحق تبطل الباطل وتحق الحق....>>

مقال يتميز بزاوية النظر التي تناول من خلالها الدكتور الصديق المنجي الكعبي حادثة كسر التمثال العاري بالجزائر

فعلا الامر يستحق ان ينظر ال...>>


وقع تصميم الموقع وتطويره من قبل ف.م. سوفت تونس

المقالات التي تنشر في هذا الباب لا تعبر بالضرورة عن رأي صاحب موقع بوابتي, باستثناء تلك الممضاة من طرفه أومن طرف "بوابتي"

الكاتب المؤشر عليه بأنه من كتاب موقع بوابتي، هو كل من بعث إلينا مقاله مباشرة